جارب طبع واستنساخ ناخبين

الثلاثاء, 15 سبتمبر 2015 01:23

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة


الترحيب بمشروع قانون الانتخاب الأردني له ثلاثة مصادر، الأول: (كالعادة) صحفيون محليون ومراسلو صحف يعتمدون تسميات وتوصيفات حكومية في نقلهم للأخبار بصورة لافتة،

ولكن لا يبدو أن صحفهم معنية بالحقيقة. والثاني: شخصيات إصلاحية حقيقية ولكنها مكبلة بأدوارها السابقة وتحاول تلمس طريقها للمعارضة دون أن تفقد ميزات موالاتها.

 

والثالث: مرشحون سقطوا بجدارة، أو طامحين جدد بالنيابة يعرفون محدودية فرصهم ولكنهم يأملون أن يوفر لهم أي تغيير فرصة أفضل - تماما كما يأمل نواب حاليون وسابقون ببقاء القانون على ما كان عليه لذات السبب- أو أن يوفر لهم التهليل للمشروع ولمصادره فرصة أفضل لدى تلك المصادر.

ولكن بالعودة لأهم ما ألزم "بتغيير" القانون، وهو حال الشارع العربي الشاب، يتوجب التفكير في ردة فعل ذلك الجسم الشاب لو جرى تقويض حلمه مرة أخرى، وبخاصة إن صدّق وجود نية للإصلاح والتغيير فاستثمر فيها.. فرد الفعل، علميا، يأتي مساويا للفعل ولكن باتجاه معاكس له.

جيد خروج مشروع القانون عن صيغة الصوت الواحد لتعدد الأصوات بعدد مقاعد الدائرة، وجيد اعتماد القائمة النسبية المفتوحة على مستوى الدائرة الموسعة لمحافظة أو لما يقارب محافظة.. ولن أتوقف عند سلبية إلغاء القائمة على مستوى الوطن ولو بنسبة ضئيلة كالتي أعطيت لها في الانتخابات السابقة، والتي سوء نتائجها (أي الانتخابات) يأتى من كامل مكوناتها باستثناء القائمة على مستوى الوطن.. لن أتوقف عندها مع أنها كانت من أهم ما دفعت به لدى رئيس الحكومة، الدكتور معروف البخيت، عندما زارني قبل إعلان تكليفه بتشكيل حكومته الثانية لبحث ما يمكن عمله من إصلاحات لتهدئة الحراك.

وأكدت حينها على القائمة الوطنية ووجوب أن لا تقل المقاعد المخصصة لها عن نصف مقاعد مجلس النواب.. فجرى تبني الفكرة ولكن بعُشر مقاعد المجلس فقط، فقلنا هي قامت تجربة بتحفظ. والآن نقبل بالقائمة على مستوى المحافظة رغم قناعتنا بأنها تمهد لمشروع اللامركزية أو الأقاليم، من منطلق ثقتنا بالناخب وبالعمل الجمعي. ولكن ما نحذر منه هو تقويض آمال الإصلاح والذي أتاحه مشروع القانون بما لا يقل عن "حجر سنمّار".

ذلك الحجر القاتل هو "البطاقة الانتخابية" والتي إن جرت العودة لها فلا وجود يذكر "للناخب". فالبطاقة التي ستصدرها الحكومة هي الناخب. ومشروع القانون ترك مواصفات البطاقة ليس حتى لنظام تصدره الحكومة، بل "للتعليمات التنفيذية" التي تصدرها ما أسميت "الهيئة المستقلة للانتخابات" والمعين أعضاؤها ورئيسها من قبل الملك، بتنسيب من جهات بما يخلي (أو يظن أنه يخلي) ساحة كل تلك الجهات منفردة مما تفعله اللجنة المنزهة بقرار رسمي وليس بشهادة شعبية!

إضافة لغياب مواصفات البطاقة عن القانون وتركها لتعليمات تنفيذية مبيّتة أو ابنة لحظتها، فإن مواد عدة في مشروع القانون تبين أن البطاقات جوالة، تستحدث وتوزع وتسلّم (لمن؟؟ لا ندري لأن التسليم أيضا بتعليمات تنفيذية) وتسترد وتعدل وتنقل من دائرة ومحافظة لأخرى، في سلسلة من الإجراءات التي ينص عليها القانون، ما يجعلها ورقة سائبة وإشكالية ابتداء لا مجال لمتابعتها.

وخطر البطاقة ليس في فتح أو تقييد الحيز المتاح لها في القانون، بل بوجودها أصلا في ضوء ما أثبتته التجربة الأردنية الموثقة بدءا باعترافات وزراء ومسؤولين في مجالسهم مع الأردنيين، وصولا للمباهاة بها أمام مسؤولين عرب كبار متوفرين كشهود (موثق في كتاب للسفير الأردني السابق فؤاد البطاينة ويباع كتابه في الأردن وفي دول عربية) وانتهاء بوثائق رسمية، منها أكوام وكالات مزورة تم بموجبها تسليم بطاقات لناخبين نسخ العاملون لدى "مرشحي الدولة" أسماء الناخبين من قوائم الداخلية بخط أيديهم، ووقعوا إلى جانبها في خانة الموكل بذات التوقيع الذي وضعوه أسفلها في خانة الوكيل. ومن بين من يفترض أنهم أعطوا التوكيل ووقعوه (وليس فقط أصدرت لهم بطاقات) أموات منهم مسؤولون كبار وشخصيات معروفة بما لا يتيح عذر الخطأ. بل وصدرت بطاقات عديدة لناخب واحد، أشهرها ماجرى عام 1997 من إصدار اثنتين وخمسين بطاقة باسم ناخب واحد في مدينة الزرقاء، متعمّد بدلالة تكرار اسمه كناخب في اثنين وخمسين مركز اقتراع!

ومع أن البطاقة الانتخابية تستند في معلوماتها الأساسية لبطاقة الأحوال الشخصية، فإن التفسير الوحيد لعدم اعتماد الأخيرة هو كونه يصعب إصدار بطاقات أحوال مدنية مزورة بكثرة. فتسريب بطاقة واحدة أو بضع بطاقات سيخلق مشكلة أكبر من إنجاح أو إسقاط مرشح. وتسخير بطاقة الأحوال المدنية للتزوير جرت مرة واحدة في انتخابات عام 2003، والتي اعتمدت ضغط البطاقة بطريقة يسهل معها إعادتها لحالها السابق مرارا بمجرد "كيها".. فأسميت تلك "انتخابات الكي". وطالب الشعب بقص زاوية البطاقة، وهو ما لم يناسب القائمين على الانتخابات لحينه!

 

 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل