حسْرات اللجوء السوري في لبنان

الجمعة, 01 مايو 2015 23:05

د. عبدالاله بلقزيز

قضايا ومناقشات
طباعة


أتاحت لي ظروف الارتباط بمركز علمي في بيروت أن أتردد كثيراً على لبنان، وأن أقضي فيه أشهراً كل عام، منذ انتهت حربه الأهلية قبل ربع قرن ونيف. ولقد أتاحت لي هذه الإقامة الطويلة فيه فرصاً للتعرف إلى البلد، ورجالاته، والحياة السياسية والثقافية فيه،

مثلما سمحت لي بالاقتراب من مزاج المجتمع اللبناني وثقافته الجمعية، وما بين أبنائه من مشتركات، على ما يفرّق بينهم طائفياً ومذهبياً وسياسياً. وهي إقامة وفرت لي، أيضاً، إمكان التعرف إلى اتجاهات آراء كثير ممن يقيمون في هذا البلد إقامة اضطرارية، لا اختيارية مثل إقامتي، وخاصة اتجاهات آرائهم في البلد الذي اضطرتهم الظروف إلى العيش فيه: كيف استقبلهم؟ ماذا وفّر لهم من إمكانات وتشريعات تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية إلى حين ارتفاع الأسباب التي فرضت عليهم اللجوء الاضطراري إليه؟

 

كيف ينظر إليهم اللبنانيون وكيف يتعاملون معهم.. إلخ؟

ولست أرغب، في هذا المقام، أن أتحدث عن علاقتي بالبلد وأهله والأصدقاء من المثقفين والسياسيين فيه، وإنما غرضي أن أقدم صورة سريعة عما يشعر اللاجئون فيه - من السوريين خاصة- من معاناة شديدة جراء شروط اللجوء التي يعيشون فيها، منذ اضطرتهم أوضاع الحرب في بلدهم إلى البحث في لبنان عن بقعة أمان مؤقتة. والصورة التي أقدمها ليست موقفاً شخصياً مني إزاء هذه النازلة، بمقدار ما تستقي مادتها من روايات وشهادات عدد كبير من السوريين اللاجئين، ممن تأتي لي أن ألتقيهم وأسمع لهم. وهم ليسوا، جميعاً، من فريق واحد ذي موقف مشترك، ففيهم الموالي للنظام، والمعارض له، ومن ليس منحازاً إلى أحد، الأمر الذي يعني أن تلك الشهادات لا تفصح، بالضرورة، عن موقف ما سياسي تجاه لبنان، بقدر ما تروي شعور شريحة من الشعب السوري وجدت نفسها، فجأة، خارج الوطن وفي شروط لم تنفس عنها ضائقتها.

قلما تجد سورياً في لبنان يشعر بالاطمئنان النسبي لوجوده المؤقت في البلد. يختلف الأمر، تماماً، عما كان يشعر به مئات الآلاف من العاملين السوريين في لبنان قبل العام 2005: تاريخ مغادرتهم الاضطرارية له، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والانسحاب العسكري والأمني السوري. اختلاف الحالين مفهوم: دخل السوريون، في الماضي، إلى لبنان مختارين كي يجدوا لأنفسهم فرص عمل في مشاريع الإعمار، التي جرت في الفترة ما بين العامين 1992- 2005، وكانت حكومات رفيق الحريري وراءها. أما في الأعوام الأربعة الأخيرة فأتوا لبنان تحت وطأة إكراهات الحرب في وطنهم كلاجئين. الشعور بامتيازات الإقامة للعمل - على الرغم من قسوة الشروط الحياتية التي عانها السوريون العاملون في لبنان- غير الشعور بقسوة اللجوء يُنظر إلى العامل نظرة أكثر إنسانية من النظرة إلى اللاجئ، الأول يسهم في بناء البلد، من طريق العمل في قطاعات لا يحبّذ أغلب العمال اللبنانيين العمل فيها (مثل قطاع البناء)، أما الثاني فيهدد وجوده التوازن السكاني في البلد. كذلك يكون الاحتكاك باللاجئ أشد حدة من الاحتكاك بالعامل: ليس لأن وجود الأخير كان محمياً بالوجود العسكري السوري في لبنان، ولكن لأن العامل ليس مشروع لاجئ طويل الإقامة.

من هذه الحساسية اللبنانية العامة تجاه اللاجئين - وهي حساسية مزمنة منذ اصطدمت بواقعة اللجوء الفلسطيني عقب نكبة العام 1948- تصرفت الدولة اللبنانية تجاه المعطيات الجديدة التي أنتجها اللجوء السوري. المخافة من تزايد أعداد اللاجئين السوريين بما يفيض عن قدرة لبنان - الاجتماعية والاقتصادية- على التحمل، والمخافة من صيرورة الإقامة السورية الاضطرارية إقامة دائمة تهتز بها التوازنات السكانية والطائفية، من الأسباب الرئيسية التي دفعت الدولة إلى التشدد الإداري والأمني مع اللاجئين إلى الحدود التي أشعرت هؤلاء أنهم في حكم المرفوضين المنبوذين. ولكن الأوضاع الأمنية الشاذة، التي طرأت على لبنان، بدخول أعداد هائلة من المسلحين السوريين - وغير السوريين المنتسبين إلى "داعش" و"جبهة النصرة"- فرضت على الدولة أن تأتي مثل ذلك التشدد حيال اللاجئين. وليس ما يجري في جرود عرسال، وما يقع من ذبح للجنود اللبنانيين المختطفين، بين فينة وأخرى، وما يحصل من اختراقات أمنية وتفجيرات، على ساحة تمتد من عكّار وطرابلس شمالاً ومن البقاع والهرمل شرقاً حتى الضاحية الجنوبية لبيروت غرباً، مجرد ذريعة تتخذها الدولة اللبنانية للتضييق على اللاجئين، ذلك أن هذه جميعها تمثل ضغطاً أمنياً خطيراً على أي دولة كبرى في العالم فكيف بلبنان البلد الصغير مساحة وديمغرافيا!

لا نبرر السياسات الرسمية اللبنانية تجاه اللاجئين السوريين، بعض هؤلاء أنفسهم يعترفون بأن المسلحين خرّبوا - بأفعالهم- ظروف إقامتهم في لبنان كلاجئين. ولكنهم يؤاخذون لبنان واللبنانيين على عدم التمييز بين من أتى لبنان هارباً من الحرب، ومن أتاه ناقلاً الحرب إلى ساحة لبنان، إذ لا يجوز - في نظر كثير ممن استمعنا لهم من السوريين- أن يؤخذوا جميعاً بجريرة حفنة صغيرة من المسلحين. تذهب المؤاخذات إلى أبعد: إلى اتهام لبنان بالتمييز بين السوريين على قاعدة مفاضلة بينهم: بين المرغوب فيهم وغير المرغوب فيهم. كلما كنت ثرياً سورياً - يقول هؤلاء- فأنت مرحَّبٌ بك والأبواب مفتوحة أمامك، وامتيازات المعاملة مضمونة. أما الفقراء فلهم الله يلطف بهم في جحيم اللجوء. يتمنى السوريون لو أن التمييز بين أثريائهم وفقرائهم كان هو عينه التمييز بين مدنييهم ومسلحيهم كي ينعم أكثرهم بالحد الأدنى من حقوق اللجوء التي ينص عليها القانون الدولي!

بكثير من الحسرة والألم، يتذكر اللاجئون السوريون أيام الحرب "الإسرائيلية" على لبنان في صيف العام 2006، حين تدفق مئات الآلاف من اللاجئين اللبنانيين على سوريا هرباً من الحرب والدمار، كيف استقبلهم السوريون، بتفانٍ في التضامن، كيف فتحوا لهم بيوتهم وتقاسموا معهم الرغيف، كيف لم يسجلهم أحد في سجلات اللاجئين، كيف كان السوريون يواسونهم في نكبتهم، ويحيطون وجودهم بالحدب..؟

يتمنى السوريون في لبنان، اليوم، لو رد إليهم القليل مما فعلوه في ذلك الحين ليشعروا بروابط الإخوة، بل حتى بقيم التضامن الإنساني.

 

 

د. عبدالاله بلقزيز

كاتب ومفكر مهتم بالشأن القومي
جنسيته: مغربي

 

 

شاهد مقالات د. عبدالاله بلقزيز