استراتيجية نتنياهو بين الضفة وغزة

الأربعاء, 22 أكتوبر 2014 21:40

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

 

في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقد في القدس المحتلة يوم 2014/10/13، أثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، لفلسطين المحتلة، وشارك فيه كل من مون ونتنياهو، شدد الأخير على الفصل بين ما يجري في قطاع غزة وما يجري في الضفة الغربية،

على أساس أن القطاع لا تحتله "إسرائيل"، وأن الضفة الغربية هي جزء من "أرض إسرائيل" ومن حقها أن تواصل فيها عمليات مصادرة الأرض وبناء المستوطنات. كل ذلك ليصل نتنياهو إلى ما أصبح يحرص على التأكيد عليه في كل مناسبة، من أنه "ليس هناك شيء اسمه القضية الفلسطينية، وإن وجدت هناك مثل هذه المشكلة فليس هي السبب فيما يجري في منطقة الشرق الأوسط". وواضح أن الآراء التي يعبر عنها نتنياهو هي أجزاء من "استراتيجيته السياسية" التي أصبح بعض الساسة والكتاب "الإسرائيليين" يضعونها تحت عبارة "إدارة الصراع" و"تأبيد الاحتلال"، وكانوا يطلقون عليها في السابق "المحافظة على الوضع القائم".

 

وفي الثامن من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وافقت الحكومة "الإسرائيلية" بما يشبه الإجماع على ميزانية العام 2015، تلك الميزانية التي أثارت خلافات شديدة امتدت أشهراً بين أطراف الائتلاف الحكومي، وخصوصاً بين نتنياهو ووزير ماليته يائير لبيد، زعيم حزب (يوجد مستقبل)، ووصلت إلى تهديد الحكومة القائمة والذهاب إلى انتخابات جديدة، وتبين أنها كانت مناورة منسقة بين نتنياهو ولبيد، هدفها ترميم شعبية الزعيمين التي تآكلت بسبب الحرب على غزة. وزير واحد في الحكومة هو عمير بيرتس، عضو حزب (الحركة) التي تتزعمه وزيرة العدل تسيبي ليفني، اعترض على الميزانية ليقال إن القرارات داخل الحكومة تتخذ بصورة ديمقراطية! وفي مستهل الجلسة التي عقدتها الحكومة وصادقت فيها على مشروع الميزانية، قال نتنياهو: إن "التهديدات المحدقة، تلزم الحكومة بتوظيف الأموال لتعزيز الأمن ودعم التجمعات السكانية في الجنوب على خط المواجهة" مع غزة. كان ذلك في حقيقته تبريراً لزيادة مخصصات وزارتي الأمن والدفاع على حساب الوزارات "المدنية". وقد علقت رئيسة حزب (ميرتس)، زهافا غلاؤون، على الميزانية بقولها: إن "الحكومة صادقت على ميزانية كاذبة، لأنها تدرك مسبقاً أنها لن تستطيع الالتزام بها، وأن النتيجة ستكون تقليص النفقات المدنية بشكل متواصل".

إن أقوال نتنياهو فيما يتصل بالتفريق بين قطاع غزة والضفة الغربية، جاءت بعد عقد "مؤتمر المانحين" الذي عقد في القاهرة تحت عنوان "إعادة إعمار غزة". وبالرغم من كل "الترتيبات" التي قيل إنها اتخذت من أجل المحافظة على "التهدئة" في القطاع ونجاح عملية الإعمار، إلا أن سياسة نتنياهو تريد أن تستغل حالة الهدوء المفترضة تلك لتنفيذ سياساته في القمع ومصادرة الأرض وبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وهو يرد على كل من ينتقد إجراءاته أو يحذر من أن ذلك قد يخرب الجهود المبذولة للمحافظة على الهدوء في القطاع بقوله: "إن ما يجري في القطاع شيء، وما يجري في الضفة شيء آخر"! وكان عليه أن يفصح قليلاً ويضيف بأن زيادة ميزانية الجيش والأمن موجه لغزة ولا علاقة لها بالضفة!

وحتى الإدارة الأمريكية، على لسان وزير خارجيتها جون كيري، لا ترى ما يراه نتنياهو، وهي تريد استمرار التهدئة في غزة كرافعة لاستئناف المفاوضات بين تل أبيب ورام الله، وتراها السبيل الوحيد لمنع تجدد الحرب. بمعنى آخر، إن الإدارة الأمريكية تقول بطريقة غير مباشرة، إن ما يجري في الضفة له علاقة وثيقة بما يجري في غزة. والحقيقة أن إصرار نتنياهو على تخريب "المصالحة الفلسطينية"، وإبقاء الانقسام الفلسطيني، يدل على أنه يعترف بينه وبين نفسه بأن العلاقة التي ينكرها قائمة، بل ووثيقة، بين غزة والضفة. لكن استراتيجيته في "إدارة الصراع"، تحتم عليه ألا يعترف بذلك، وإن اعترف كثيرون من الساسة والكتاب "الإسرائيليين" بها وكشفوا حقيقة استراتيجيته، وفضحوا مآربه.

وفي الوقت الذي رأت فيه زهافا غلاؤون، أن نتنياهو فشل فشلاً ذريعاً كقائد سياسي، لأن استراتيجيته في "إدارة الصراع تقوي المتطرفين في الجانب الفلسطيني"، وتنطوي على فرص لتجدد الحرب مع غزة، رأى الجنرال شارون ارئيلي، القائد الأسبق لقوات الاحتلال في غزة، أن تفجر "مواجهة جديدة مع غزة هي نتيجة مؤكدة لاستراتيجية إدارة الصراع التي يتبعها، والتي تقوم على مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، والاستخفاف بمحمود عباس". ويربط أرئيلي بشكل مباشر، بين الحرب على غزة وبين تقليص موازنات الوزارات الخدمية المهمة مثل التعليم والصحة لتغطية النفقات الأمنية وتداعيات ذلك على الوضع الاقتصادي - الاجتماعي. كما يرى أن استراتيجية نتنياهو في "إدارة الصراع" تعني عملياً استمرار المواجهات في غزة والضفة على حد سواء، لأن نتنياهو، كما يقول ارئيلي، يرى أن الصراع مع الفلسطينيين "غير قابل للحل عملياً"، بينما يؤكد وزير دفاعه موشيه يعلون أن "قدر "إسرائيل" أن تعيش على سيفها"! ومن وجهة نظر أرئيلي، فإن هذه الاستراتيجية ستؤدي الى "تدمير "إسرائيل"".

في ضوء استراتيجية نتنياهو، يصبح من السهل على الفلسطينيين، أن يفهموا أن استمرار الاحتلال للضفة الغربية، واستمرار الحصار لغزة وتعرضها لحرب كل سنتين، هو في الحقيقة نتيجة لخلافاتهم وليس لعبقرية نتنياهو، أو غيره من "الإسرائيليين". وإذا كان للفلسطينيين أن يتعلموا شيئاً من عدوهم التاريخي، فهو ولا شك وحدتهم، واتفاقهم على سياسة واحدة تفشل مخططاته.. فهل يتعلمون؟!

 

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق