الكيان يعيد صياغة عقيدته الأمنية

الخميس, 07 أغسطس 2014 20:19

د. فايز رشيد

قضايا ومناقشات
طباعة

 

في ضوء العدوان الذي يشنه الكيان على قطاع غزة، من المفيد التطرق إلى موضوع مهم هو المتغيرات في العقيدة الأمنية الصهيونية. لقد قدّم الباحثان "الإسرائيليان" أليكس مينيتس وشاؤول شاي ورقة بحث إلى مؤتمر هرتسيليا الأخير 2014،

الذي انعقد في أوائل يونيو الماضي بعنوان "المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة، تفرض على “إسرائيل” إعادة صياغة عقيدتها الأمنية". الأول هو رئيس "معهد السياسات والاستراتيجيات"، والثاني هو رئيس فرقة الأبحاث في المركز المذكور.

 

معروف أن الذي صاغ العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” هو ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء ووزير الحرب في أوائل الخمسينات وأصبحت فيما بعد نظرية تعتمد عليها “إسرائيل”. وفقاً لهذه العقيدة فإنه من الضروري "أهمية إقناع الدول العربية دوماً بالتسليم بالوجود “الإسرائيلي”. أن تدفع “إسرائيل” العالم العربي إلى الاستنتاج أنه لا سبيل عملياً لتدمير دولة “إسرائيل”. كل ذلك يتم عبر "تحقيق انتصارات متتالية تؤدي إلى تيئيس القيادات العربية"، مثلما رأينا بالتجربة فإن هذه الخطوط العامة التي عملت ولا تزال تعمل بها الدولة الصهيونية جرت ترجمتها إلى مبادئ أخرى من صلب الخطوط الاستراتيجية لابن غوريون، ولعل أبرزها الحروب الاستباقية، الردع، نقل المعارك إلى أرض العدو، إنهاء الحروب العدوانية بالسرعة الممكنة، كل هذا طبقه العدو الصهيوني في اعتداءاته وحروبه على كافة الدول العربية منذ إنشاء دولة الكيان حتى هذه اللحظة.

يتطرق البحث إلى كل المحاولات السابقة لتحديث عقيدة “إسرائيل”. لقد كانت المحاولة الأولى من قبل الجنرال يسرائيل فال عندما أصدر كتابه "الأمن القومي: قلة مقابل كثرة"، الذي عرض فيه تطور العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” وأشار إلى التعديلات المطلوبة التي كانت تلائم من وجهة نظر الباحثين "تسعينات القرن الماضي". في عام 1998 بادر وزير الحرب إسحق مردخاي إلى تشكيل ورشة عمل في هيئة الأركان برئاسة اللواء ديفيد عبري لبحث التجديدات في العقيدة الأمنية. ما جرى تداوله في ورشة العمل والاستنتاجات التي خلصت إليها الورشة، لم يجر عرضها على الحكومة الأمنية المصغرة ولم تُعتمد كعقيدة أمنية قومية. في عام 2006 قدّم الوزير السابق دان مريدور إلى وزير الحرب آنذاك شاؤول موفاز تقريراً للجنة رئسها هو، وتضم 20 خبيراً من بينهم اللواء غيورا أيلاند الذي أصبح فيما بعد رئيساً لمجلس الأمن القومي الأمريكي. الاستنتاج الأبرز لتوصيات اللجنة أن مكوّن الدفاع بحاجة إلى ثلاث ركائز أمنية: أهمية الرّد المتمثل في الدفاع عن السكان المدنيين والبنى التحتية في “إسرائيل” من الصواريخ بعيدة المدى التي يطلقها الإرهاب من ميدان القتال المباشر إلى المواطنين في الجبهة الداخلية. إعادة درس ملاءمة مفاهيم الردع، والإنذار الاستراتيجي والحسم، في مواجهة لاعبين لا دوليين على غرار التنظيمات (الإرهابية). ضرورة استنباط رد مناسب دفاعاً عن أنظمة الحواسيب القومية. أقر وزير الحرب آنذاك شاؤول موفاز توصيات اللجنة ونقلها إلى الحكومة الأمنية المصغرّة، لكن الأخيرة لم تقر ولم تعتمد تلك التوصيات.

في العام 2013 نشر اللواء احتياط البروفيسور يتسحاق بن إسرائيل تصوره لعقيدة أمنية "إسرائيلية" وأصدر كتاباً بذلك بعنوان "عقيدة إسرائيل الأمنية". من وجهة نظره فإن العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” مرّت في ثلاث مراحل: الأولى "بدأت فور انتهاء الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني لأرض “إسرائيل”". هذه المرحلة اتخذت طابع الخصام بين الجيران على مسائل المياه وتقسيم الأرض. المرحلة الثانية بدأت عشية إعلان الدولة واستمرت حتى مطلع تسعينات القرن العشرين. التهديد الرئيسي في تلك الفترة تمثل في خطر غزو جيوش دول الجوار العربية لحدود “إسرائيل” وخطر المواجهة بين دول عدة. المرحلة الثالثة بعد ذلك بدأ يتبلور مفهوم جديد يتلخص في أن التهديد الأهم المحدق ﺑ“إسرائيل” ليس غزو الجيوش وإنما في تنظيمات ومجموعات (إرهابية) وهذا يشمل مواجهات محدودة بين “إسرائيل” وهذه التنظيمات وغيرها.

تؤكد الورقة أن العولمة والثورات التكنولوجية في مجالات الاتصالات والسايبر والفضاء والمتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والدولية تغير وتبدل طبيعة الحروب والمستجدات في (المجتمع) “الإسرائيلي”، وتستدعي إعادة درس العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” وملاءمتها لظروف الواقع الديناميكي للقرن الواحد والعشرين. وترتدي طابع ملاءمة العقيدة الأمنية لأهداف الدولة ولبيئتها الإقليمية والاستراتيجية المتغيرة، أهمية خاصة. يولي البحث أهمية كبيرة للمتغيرات الجيوسياسية في المنطقة التي أسماها "الاضطرابات الإقليمية" فقد أخذت المنطقة تتسم اعتباراً من العام 2011 في أعقاب ثورات الربيع العربي بعدم الاستقرار وبأزمات لا تزال في ذروتها حيث يخيم عدم اليقين على مستقبل المنطقة. في أعقاب الثورات بدأ يتزعزع مفهوم الدولة القطرية العربية الذي كان الأساس النظامي الإقليمي، وتشهد بعض دول المنطقة حالات تفكك وهي آخذة بالتحول إلى دول فاشلة. وهناك احتمال لحالات تفكك من الداخل وظهور جيوب مستقلة ذاتياً (على أساس جغرافي، أو طائفي، أو ثقافي، أو وظيفي) تسيطر على هذه الجيوب عناصر متشددة، وتشهد صعود لاعبين لا دوليين في المنطقة ومعظمهم من ذوي اتجاه إسلامي متطرف معاد ل“إسرائيل”. التنظيمات "الإرهابية" الإسلامية تشكل تحدياً ل“إسرائيل” وللجيوش العربية في مصر وسوريا والعراق واليمن وغيرها.

“إسرائيل” محاطة بلاعبين لا دوليين حزب الله المسيطر في جنوب لبنان، مجموعات سورية بالقرب من هضبة الجولان، السلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، سلطة حماس في قطاع غزة، تنظيمات جهادية في شبه جزيرة سيناء.

يخلص البحث إلى نتائج أبرزها أهمية استمرار التحالف مع الولايات المتحدة. أما الذي نلمسه في هذا البحث فأبرزه يتلخص في دينامكية مفاهيم الأمن “الإسرائيلي” والتجديد فيها، إعداد الدولة بالمعاني السياسية والعسكرية لتخدم في كافة مؤسساتها هذه المفاهيم. طموح “إسرائيل” لتكون مكوناً رئيسياً من مكونات المنطقة. محاولة “إسرائيل” إبقاء موازين القوى العسكرية في صالحها نظراً لارتباط هذه الموازين بكل ما تقوم “إسرائيل” بتطبيقه من سياسات، بغض النظر عن مدى صحة أو خطأ أهمية هذا الاستنتاج أو الطرح أو ذاك في التقرير، إلا أنه يلامس بواقعية شديدة وموضوعية العقيدة الأمنية “الإسرائيلية”.

 

 

د. فايز رشيد

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات د. فايز رشيد