بين لقاءي أوباما بنتنياهو وعباس

السبت, 22 مارس 2014 10:44

د. فايز رشيد

قضايا ومناقشات
طباعة

وأخيراً، تم عقد اللقاء المقرر بين الرئيس الأمريكي أوباما ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وقد حرص الأخير أن تُصاحب هذا الاجتماع ضجة شعبية، فقامت السلطة بحشد العديد من الفلسطينيين في مدن الضفة

الغربية للتعبير عن تأييدهم للرئيس الفلسطيني . كذلك الأمر جرى في بعض المخيمات الفلسطينية في الشتات، تتمنى عليه، الاستجابة للدعوات الشعبية الفلسطينية التي تناشده قطع المفاوضات مع العدو الصهيوني، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة دعوات كثيرة للمطالبة بقطعها .

المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة أعلن مباشرةً بعد انتهاء اللقاء، أن "الرئيس أوباما لم يعرض اتفاق الإطار على الرئيس عباس رسمياً"، موضحاً: أن أوباما والجانب الأمريكي عرضا مجموعة من الأفكار المتعددة على الجانب الفلسطيني والرئيس عباس . وكان الرئيس الأمريكي أوباما قد قال للرئيس الفلسطيني أثناء لقائهما في البيت الأبيض "إنه يتعين عليه اتخاذ قرارات سياسية صعبة والإقدام على مجازفات إذا أردنا إحراز التقدم" . تأتي هذه الدعوة بعد أسبوعين على دعوة مماثلة كان قد وجهها أوباما إلى رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو أثناء لقائهما مؤخراً في واشنطن .

اللقاء كان روتينياً عادياً سوى من دعوة عباس "للمجازفة" . قبل انعقاد اللقاء ببضعة أسابيع حرص عباس على أن يبعث رسالة إلى "الإسرائيليين" والأمريكيين "بأنه لن يُغرق "إسرائيل" بملايين اللاجئين فمن(وجهة نظره) هذا ليس واقعياً" . عباس ذهب إلى المفاوضات مع الكيان الصهيوني من دون وقف للاستيطان الذي زاد هذا العام على العام السابق بنسبة توسع تصل إلى 123%، أي أن الاستيطان أثناء المفاوضات زاد عما قبلها . كذلك حرصت السلطة وقبل لقاء رئيسها مع أوباما تمرير رسالة بأنها لا تتدخل بما تقوم به قوات الاحتلال ومخابراته من موبقات في مناطق السلطة . لهذا السبب لم تتدخل قوات أمن السلطة أثناء الهجوم الذي شنته قوات الاحتلال على منزل الأسير السابق معتز وشحة في قرية بير زيت بالقرب من رام الله، رغم اشتباكه ساعات عدة معها (وإذا تذرعت قوات السلطة بأنها لم تعرف بذلك فهذا ليس صحيحاً، لأن الحدث تم تصوير وقائعه من قبل الفضائيات التي رصدت وجود قوات الأمن الفلسطيني في مكان قريب من موقع الاشتباك) . الهجوم أسفر عن استشهاد معتز وشحة وتدمير بيت أهله تدميراً كاملاً، هذا إلى جانب استمرار التنسيق الأمني مع العدو .

الرئيس أوباما أثنى على الرئيس عباس بوصفه "ينبذ العنف"! بالفعل فالرئيس عباس يعتبر المقاومة المشروعة لشعبه ضد الاحتلال "عنفاً" كما سماها في العديد من المرات و"إرهاباً" في بعضها، حتى إنه يقف ضد قيام انتفاضة ثالثة، وأقصى ما ينادي به هو المقاومة الشعبية السلمية على شاكلة الهند إبّان غاندي في المقاومة ضد الاحتلال البريطاني . المقاومة الشعبية السلمية على الرغم من أهميتها لا تزيل احتلالاً صهيونياً اقتلاعياً من الأرض الفلسطينية . هذا إضافة إلى ملاحقة قوات السلطة لكل المقاومين الفلسطينيين ممن يؤمنون بالكفاح المسلح كوسيلة لتحرير الأرض، واعتقالهم والتغاضي عن قيام سلطات الاحتلال الصهيوني باغتيالهم واعتقال العديد منهم . في 14 مارس/آذار الحالي مرّت الذكرى الثامنة للهجوم على سجن أريحا (في مناطق السلطة) واختطاف أمين عام الجبهة الشعبية أحمد سعدات ورفاقه والمناضل فؤاد الشوبكي . كل هذه القضايا تدركها "إسرائيل" والإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس أوباما . رغم ذلك يطالب أوباما رئيس السلطة باتخاذ قرارات صعبة من أجل ما يسمى ب"السلام" مع الكيان الصهيوني . إن عدم الاعتراف بيهودية دولة الكيان الصهيوني لا يختزل كل الحقوق الفلسطينية، بل هو جزء رئيسي منها، على طريق تحصيل الحقوق الوطنية لشعبنا، ومنها حق عودة اللاجئين الفلسطينيين بما في ذلك صفد التي سبق للرئيس عباس أن تخلى عنها، فهي مدينته الأصيلة لكنه ليس الوحيد من مهجري صفد، فهناك عشرات الآلاف منهم ممن هجّروا قسراً، إضافة إلى أبنائهم وأحفادهم بالطبع، والذين يعدون الآن بمئات الألوف .

من ناحية أخرى، على صعيد لقاء أوباما برئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، فقد حرص الأخير وقبل لقائه بالرئيس الأمريكي، على التصريح مراراً وتكراراً (في كل حين وفي كل ساعة) حول شرطيه الجديدين على الجانب الفلسطيني وهما: "الاعتراف بيهودية "إسرائيل" وإسقاط حق العودة" (والجديد في هذا الشرط عدم إخضاع موضوع حق العودة للمفاوضات مع الفلسطينيين، وإنما إسقاطه من جانبهم قبل ذلك) . كما حرص على التصريح أثناء مؤتمره الصحفي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بمناسبة زيارة الأخيرة لدولة الكيان بمناسبة مرور50 عاماً على بدء العلاقات بين البلدين، بأن على الفلسطينيين إسقاط مطالبهم القومية قبل توقيع التسوية . للعلم نتنياهو لا يعترف بالفلسطينيين كشعب، ولذلك لا يستعمل مصطلح "شعب"، بينما هم من وجهة نظره "أقلية وليس شعباً"، وإن الذي اخترع الشعب الفلسطيني هي الدول العربية بعد عام 1967 . (هذا ما يقوله في كتابه: مكان تحت الشمس) لا نتنياهو ولا اليمين الصهيوني المتطرف يريدون قيام دولة فلسطينية، لأنها من وجهة نظرهم: بداية نهاية "إسرائيل"، واقتلاعها من المنطقة، حتى لو كانت هذه الدولة ليست أكثر من حكم ذاتي، وحتى لو قام الفلسطينيون بالاستجابة للشرطين القديمين الجديدين لرئيس الوزراء الصهيوني، فسيقوم بتسمية شروط تعجيزية جديدة حتى يمنع قيام دولة فلسطينية .

بغض النظر عن "إسرائيل" هي المحتلة للوطن الفلسطيني بالكامل، والفلسطينيون هم من يقع تحت الاحتلال، فإن الرئيس أوباما يساوي في طلباته السياسية بين الضحية والجلاد، من حيث "المجازفة باتخاذ قرارات صعبة" . أمريكا مع وجهة النظر والاشتراطات "الإسرائيلية" للتسوية بالكامل، حتى وإن انتقد كيري إصرار الكيان الصهيوني على الاعتراف ب"إسرائيل" كدولة يهودية . الولايات المتحدة تقف تماماً إلى جانب العدوان "الإسرائيلي"، وهي لم ولن تكون وسيطاً محايداً في الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني .

 

د. فايز رشيد

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات د. فايز رشيد