توحشت اللا مساواة

الأحد, 23 فبراير 2014 02:10

جميل مطر

قضايا ومناقشات
طباعة

 

هأقمت سنوات في شارع ليبرتادور، أحد أشهر شوارع مدينة بيونس أيرس. اكتسب الشارع شهرته من سمات كثيرة أولها طوله، إذ بلغ طوله عشرة كيلومترات أو أكثر، وثانيها اتساعه، إذ بلغ اتساعه في بعض الأحياء التي يمر بها ما يزيد على 120 مترا.

ثالث سماته روعة وفخامة العمارات السكنية التي كانت تطل عليه من جانب واحد، بينما يطل هو من الجانب الآخر على حدائق شاسعة، تمتد بعيدا لتنتهي عند النهر العظيم، نهر لابلاتا. تتخلل هذه الحدائق وبين أشجارها، في بعض أجزائها، سلسلة أكشاك، بلغ عددها في عهدي المائة والعشرين وتعرف بأرقامها، تبيع الشواء لزبائن يتناولونه في سندويتشات وهم جالسون على مقاعد وموائد خشبية أو متنزهون على شاطئ النهر.

 

قرأت منذ أيام أن الشارع صار أجمل وأروع مما كان عليه قبل ثلاثين عاما. يسكن الآن على جانبيه أغنى الأثرياء وتقوم فيه أهم المتاحف وأرقى المطاعم وأحدث «المولات» وبيوت الأزياء الراقية. مازال نظيفا. ومازال أيضا يجسد التناقض الرهيب الذي هو حال هذه المدينة الرائعة. فالشارع الذي يمثل قمة الرخاء والترف الأرجنتيني ذائع الصيت منذ مطلع القرن الماضي، كان يبدأ عند طرفه الشرقي بمحطة تنتهي عندها أو تبدأ رحلة القطارات القادمة من الريف والمتجهة إليه. هناك، عند هذا الطرف من الشارع، يلتقي لأول مرة ابن الريف، أو ابنته، القادمة من مدينة صغيرة في سهول البامباس، بالمدينة الحلم. يقع الانبهار ولا يخفت رغم مشقة وعذاب ولا إنسانية رحلة البحث عن عمل.

*****

هنا عند هذا الطرف من شارع ليبرتادور، نزلت من أحد القطارات فتاة في أوائل العشرينات من عمرها في يوم حفر نفسه في ذاكرتها وذاكرة الأرجنتينيين عموما. بل لعله بتفاصيله ومنها لحظة الانبهار التي صاحبت التقاء ابنة الريف الفقيرة بثيابها الرثة مع أضواء المدينة الصاخبة كان المصدر الذي ولد الطاقة التي فجرت الإبداع عند هذه الفتاة وأطلقت جماح طموحها. في هذه المحطة، ولحظة وصولها، استلمها رجل ليسلمها بدوره إلى بيونس ايرس، العاصمة المرفهة ولكن عند القاع. عند هذا القاع، حيث الجوع الكافر والفقر المدقع والرجال المتوحشين، تمردت الفتاة فصعدت، واستمرت تصعد، حتى جلست على عرش الأرجنتين، سيدة أولى للبلاد، وسيدة كل الرجال.

ومن القمة حيث تربعت، لم تنس أيام بؤسها وبؤس الملايين من أبناء وبنات الشعب فراحت تصب جام غضبها المكتوم منذ ذلك اليوم الذي وطأت فيه أقدامها أرض محطة «الريتيرو» للقطارات في مطلع شارع ليبرتادور على سكان هذا الشارع باعتبارهم أغنى أثرياء المجتمع الأرجنتيني. راحت تصادر بضائع محالهم لتوزعها بنفسها على المحتاجين، وتأخذ أموالهم لتبني بها مصحات ومدارس لأطفال الفقراء، هؤلاء كانوا يعيشون في عشوائيات عرفت باسم «قرى البؤس»، أقامها المهاجرون أمثالها على الطرف الآخر من الشارع. اختاروا أن يعيشوا في بيوت من الصفيح والخشب هربا من شظف الحياة في الريف.

*****

تذكرت حكاية ايفا بيرون، الممثلة الريفية المتواضعة التي هبطت على العاصمة بيونس ايرس، وتذكرت الشارع الذي كان أول ما وقعت عليه عيناها بعد خروجها من محطة القطارات، تذكرتهما وأنا اقرأ تقريرا عن الفجوة الرهيبة في الدخول التي يعاني منها المجتمع الأرجنتيني هذه الأيام، وكنت قد انتهيت للتو من الاستماع إلى خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما قبل أيام وركز فيه على «إحدى أخطر القضايا التي تهدد مستقبل أمريكا»، وهي قضية «الفجوة الرهيبة» في دخول الأغنياء والفقراء.

تؤكد تقارير صادرة عن مراكز بحوث وجامعات غربية أن «اللا مساواة» بلغت في معظم أنحاء العالم حدا ينذر بالخطر، وأن الفجوة الناتجة عن هذه اللا مساواة لم تتوقف عن الاتساع منذ عقد السبعينيات، وأنها، أي اللا مساواة، تكاد تمثل سببا رئيسا وراء انتشار عدد من الأمراض العقلية ووراء التغيير في سلوكيات البشر، الظاهرة التي لا ينكرها الأطباء ومنظمة الصحة العالمية ويشهد عليها المراقب العادي. وجدت شيري جونسون، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا بيركلي أن عددا من السلوكيات المتصلة بتفاوت الثروات منها زيادة الرغبة في ممارسة الهيمنة تتسبب في أمراض عقلية خطرة، وأن هذه السلوكيات تكثر بشدة في المجتمعات التي تهتم بالمكانة والأولوية والثروة والأقدمية في مواقع العمل. لاحظت السيدة جونسون في دراستها زيادة كبيرة في «النرجسية» نتيجة ممارسة الهيمنة وفرض الخضوع والخنوع على الآخرين. وفي أحيان كثيرة يصاب «المهيمن» أو «المترئس» بالهوس، أما الأشخاص الذين اعتادوا ممارسة الخنوع أو الخضوع لرؤسائهم أو لقادة في المجتمع أو لكبار السن أو للمشاهير عموما، فهؤلاء يصابون غالبا بمرض الاكتئاب الشديد وكذلك القلق. يختارون الانعزال عن المجتمع أو التقوقع على الذات في مواقع العمل أو في إطار العائلة، وبعضهم، يصابون بحالات خطرة من «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب» Bipolarism.

لاحظت الدراسة أيضا انه في المجتمعات التي تتسع فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد الرغبة في تضخيم الذات. تشير الإحصاءات الحديثة إلى أنه في أمريكا منذ الثمانينيات ازداد «معدل الاصابة بالنرجسية» Rate of Narcisism زيادة كبيرة، مع ما يصاحبها عادة من إمساك عن الانفاق في فعل الخير والبخل المتزايد. ازدادت أيضا الشكوى من الشعور بالدونية Inferiority. بمعنى آخر، يغلب على الناس الانشغال غير المبرر بما يعرف بإدارة الصورة الذاتية، بمعنى الحاجة الدائمة والملحة إلى معرفة كيف يراهم الآخرون وكيف يبدون في المظهر وماذا يتردد عنهم في جلسات النميمة ودوائرها. بهذه السلوكيات ينخفض معدل السعادة في المجتمع، فالإنسان العادي في مجتمع تسود فيه اللا مساواة وتتسع فيه الفجوة بين الأغنياء والفقراء يصبح أقل لطفا في التعامل مع غيره، ولا يكف عن الحديث عن نفسه وبذل الجهد لتضخيمها، وفي النهاية تتضاعف فرص إصابته «بحالة من القلق المستعصي» Status Anxiety.

*****

أفهم الآن دوافع بول كروجمان، الكاتب الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل، في الحملة التي يقودها في الصحف والجامعات الأمريكية محذرا من تفاقم أزمة اللا مساواة في الدخول في المجتمع الأمريكي، يعتقد كروجمان أن الطبقة الوسطى هي التي تدفع ثمن هذه اللا مساواة التي توحشت في أغلب بلاد العالم.

مثل هذه الفجوة، عانت منها الأرجنتين على امتداد عشرات السنين وكان نتيجتها انقلابات عسكرية متلاحقة وأزمات اقتصادية واجتماعية عديدة، وتشكو منها الصين بعد سنوات من الرخاء واختارت من أجل الحد من عواقبها على السلم الاجتماعي تسليم الحكم لجيل جديد من القادة، وعانت مصر منها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وها نحن ندفع ثمنها غاليا من مخزون القيم والتحضر واللحمة الوطنية.

 

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر