تحوّل جديد في المشهد الأميركي؟

الثلاثاء, 03 سبتمبر 2013 03:21

د. زياد حافظ

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

قرار أوباما بتأجيل العدوان على سورية إلى ما بعد المشاورات مع الكونغرس الأميركي ينذر بتحوّل كبير قد تكون تداعياته خطيرة للغاية على مستقبل السياسة الخارجية الأميركية. فالواقع الدستوري يسمح للرئيس الأميركي بأمر عمليات عسكرية محدّدة ومحدودة طالما لا تصل إلى حالة حرب (وكأن العدوان، أي عدوان، ليس حالة حرب!). فإعلان الحرب من صلاحية الكونغرس الأميركي فقط لا غير. وهناك صراع مزمن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية تعود إلى قيام الدولة الأميركية حول مدى صلاحيات الرئيس الأميركي. العرف كرّس صلاحيات واسعة للرئيس الأميركي خاصة في المجال الخارجي والكونغرس عادة يوافق على قرارات الإدارة في ذلك الشأن مهما اختلف مع الرئيس. ويستطيع الكونغرس أن يعرقل قرارات الرئيس الأميركي في المجال الخارجي عبر حجب التمويل لتنفيذ تلك القرارات.

 

ولا يغيب عن بال المراقبين داخل الولايات المتحدة وخارجها تصرّف إدارة بوش الابن حيال الحرب على العراق حيث تجاوز الكونغرس الأميركي خلافا لما حصل مع والده حيال حرب الخليج الأولى. فالرئيس الأميركي بوش (الأب) حرص على الحصول على موافقة الكونغرس بعد ما استطاع تجنيد معظم دول العالم في ظل تفكك الاتحاد السوفيتي في مواجهة الرئيس صدام حسين بعد غزو الأخير للكويت. أما الرئيس أوباما فيلجأ إلى الكونغرس ل “لتشاور" في قضية تعود حسب معظم القانونيين لصلاحية الرئيس. فالعملية العسكرية "المحدودة" لا تستدعي دعوة الكونغرس بل الوضع في الصورة لقيادته.

إن ما أقدم عليه الرئيس أوباما في قرار "تأجيل" العدوان ينذر بتداعيات عديدة: أولا-الظروف التي أحاطت قرار الرئيس تساهم في ضرب "مصداقية" الرئيس. مختلف المواقع الالكترونية الأميركية وحتى في الصحف الرئيسية كالواشنطن بوسط والنيويورك تايمز تتسأل حول ملابسات القرار وحتى حول صحّة ادعاءات الوزير كيري (الذي قد يتحول إلى كبش المحرقة السياسية) حول الأدلّة التي تدين الحكومة السورية ورئيسها في استعمال الأسلحة الكيماوية وخاصة غاز السارين على حد زعم الوزير كيري. الحديث يتركّز حول أهمية الحفاظ على "مصداقية" الرئيس و"هيبة" الولايات المتحدة في العالم في حال تراجع عن قرار العدوان. يسأل البعض إذا ما كانت المصداقية أهم من المصالح الحيوية للولايات المتحدة. لم يُقدّمّ الوزير كيري مرافعة عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة بل قدّم مرافعة أرادها "أخلاقية ومعنوية" حول عدم السماح لاستعمال السلاح الكيماوي وضرورة معاقبة الرئيس الأسد دون التورّط في النزاع الداخلي السوري (وكأن ذلك ممكنا!). في المرافعة الثانية أقدم الوزير كيري على إثارة أمن الكيان الصهيوني لتبرير العدوان على سورية لاستقدام عطف الكونغرس والموافقة على العدوان.

ثانيا-النتيجة الثانية لقرار أوباما باللجوء إلى الكونغرس يخلق سابقة خطيرة في العرف الأميركي حيث سيقدم الكونغرس على مناقشة وربما رفض قرار الرئيس ليس لجدواه أو عدم جدواه بل لأسباب فئوية ضيّقة. ذلك الأمر يجعل السياسة الخارجية الأميركية رهينة للمصالح الضيّقة الحزبية داخل الكونغرس الأميركي وهذا ما يثير قلق العالم بأسره. فالمصالح الاستراتيجية تصبح خاضعة لتجاذبات فئوية لا تخلو من الكيدية الحزبية بغض النظر عن "المصلحة العليا" للبلاد.

ثالثا-يعتبر بعض المراقبين أن قرار أوباما هو المخرج اللائق للتراجع (أسوة بالمشهد البريطاني في مجلس العموم) إذا ما رفض الكونغرس قرار العدوان. على ما يبدو عند كتابة هذه السطور (الأول من أيلول 2013) فإن موقف الجمهوريين داخل الكونغرس يتجّه نحو مناقشة صاخبة قد تنتهي إلى رفض القرار. الهزيمة السياسية على يد الجمهوريين قد تشكّل المخرج المناسب. لكن ذلك يثير غضب وحنق الديمقراطيين الذين لن ينسوا تخاذل رئيسهم وبالتالي قد يعاقبونه بأشكال شتى أقلّها عدم إدخاله في انتقاء المرشح الديمقراطي للرئاسة عام 2016. من هنا نفهم قرار هيلاري كلينتون بفتح المعركة الرئاسية مبكرا عند الديمقراطيين لحسم أي من ارتدادات الضعف المتزايد للرئيس أوباما على حظوظها في فوز التسمية الديمقراطية وربما الرئاسة فيما بعد.

رابعا-إن إمكانية الرئيس أوباما في تحقيق أي انجاز على الصعيد الداخلي أو حتى الخارجي أصبحت قاب قوسين. فالتردّد بغض النظر عن الدوافع التي قد تكون في مكانها يعطي انطباعا أن الرئيس لا يدري ماذا يفعل وأن اللسان يسبق العقل. وللمسلسل توابع نعرضها فيما بعد .

 

د. زياد حافظ

الأمين العام للمنتدى القومي العربي

 

 

شاهد مقالات د. زياد حافظ