عوامل كبح "الطائفية" في العراق (5-6)

الجمعة, 24 مايو 2013 14:07

وليد الزبيدي

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

اثنان من العوامل الكابحة للفتنة "الطائفية في العراق" تُعد من الثوابت في الحياة الاجتماعية في هذا البلد، وهما، العامل الاجتماعي بشقين متلازمين،


وعامل المشتركات الجغرافية والتداخل السكاني في المدن والمحافظات العراقية، أما العامل الجديد، فقد ظهر وتنامى خلال السنوات القليلة الماضية، ويتعلق بفقدان الأحزاب والشخصيات والمؤسسات ذات التوجهات والصبغات الطائفية للكثير من بريقها وصدقيتها في الشارع العراقي، ما يسهم بتراجع المشاريع الطائفية الخاصة بها، وبدلا من تحقيق هذه الجهات تقدما في مشروعها الرامي إلى نخر المجتمع العراقي على طريق تفتيته، فقد صنعت سلوكياتها وممارساتها مناعة مضافة داخل النسيج الاجتماعي العراقي.

 

 

لنبدأ بمناقشة العامل الاجتماعي أحد أهم العوامل الكابحة للفتنة في العراق، وينقسم هذا العامل إلى شقين رئيسيين، أولهما أن جميع العشائر في العراق التي تشكل مجموع النسيج في هذا البلد تتوزع على الطائفتين، إذ قد تكون نسبة هذه الطائفة أكثر في هذه العشيرة وفي عشيرة أخرى خلاف ذلك، لكن حسب التقاليد والأعراف وصلة الدم فإن اولاد العمومة في عموم العراق يرتبطون بعلاقة واحدة، ورغم اعتزاز كل شخص إلى انتمائه المذهبي، لكن ذلك لن يصل بالأصلاء إلى درجة تقديم روحية وعقلية التشدد والتطرف على حساب موضوعية العلاقة التي تربط بين العائلة الواحدة، وفي تفسير سهولة دخول مجاميع من هذه العشيرة أو القبيلة في هذه الطائفة أو تلك ـ بالنسبة للعراقيين ـ لأن أبناء الشعب العراقي بطبيعتهم غير متعصبين، هذا من جانب ومن جانب آخر لأنهم بفطرتهم ووعيهم الاجتماعي لا يجدون فروقات بين الاجتهاد لدى علماء هذه الطائفة أو تلك، وأن مجمل تلك الاجتهادات لا تقف حائلا أمام دخول الطائفة والانتماء إليها، ولو وُجدت ثقافة التباعد والتنافر وروحية التطرف، لما وجدنا هذه المشتركات المهمة في جميع العشائر العراقية، هذا الأمر كان سائدا قبل ظهور "الطائفيين الذين هم بلا دين بامتياز".

الشق الثاني في العامل الاجتماعي، يتمثل في التزاوج بين العراقيين، وهو عامل في غاية الأهمية، لدرجة أن البعض من الاخوة العرب الذين نلتقيهم والبعض منهم من المثقفين والمتابعين، يعتقدون أن العراقي من الطائفة الفلانية لا يمكن أن يتزوج من امراة من الطائفة الثانية، وعندما نقول أن العراقيين لن يفكروا بهذه المسألة، وعندما يقع شاب في حب فتاة أحلامه وبالعكس، فإن أحدا منهم لم يفكر بالانتماء الطائفي على الإطلاق، وهذا يعكس طبيعة المجتمع العراقي، لأن العائلة لا تضع حواجز أمام الزواج والاقتران من الطائفة الأخرى، وإذا كان الانتماء الطائفي للعشائر قد يحصل بفعل السكن المشترك في المناطق المتباعدة، فإن اختيار شريكة وشريك العمر طوعيا، ولو يشعر الشاب والشابة أن الحياة اليومية ستتأثر بالانتماء الطائفي، لما جازف أحد بدخول حياة يشوبها الخوف والحذر وربما الكثير من المصاعب والمشاكل المستقبلية.

إن هذا التشابك والتداخل السلس في تركيبة العائلة العراقية وقبل ذلك في العشائر والقبائل في هذا البلد، يؤكد أن لا حواجز ولا قيود ولا معضلات طائفية في حياة العراقيين، وقد يستغرب الكثيرون عندما يعرفون أن نسبة التزاوج عالية جدا، وأن جميع الحروب الخارجية والتدخلات من قبل امبراطوريتين مختلفتين في المذهب، هما العثمانية والفارسية وطيلة أكثر من أربعة قرون، لم تتمكن من زرع بذرة الشقاق المتمثلة بخوف أبناء هذه الطائفة من الأخرى، وخير دليل على ذلك تواصل الارتباط الأسري وعلى نطاق واسع.

 

وليد الزبيدي

كاتب عراقي – المشرف على شبكة الوليد

 

 

شاهد مقالات وليد الزبيدي