هل كانت المرأة تحتاج إلى مبادرة الرئيس؟

الخميس, 04 أبريل 2013 13:04

د. نيفين مسعد

قضايا ومناقشات
طباعة

اهتمام مفاجئ بقضايا المرأة المصرية من قِبل مؤسسة الرئاسة يلحظه كل من يعنيه شأن المرأة باعتباره محددا لمستقبل الوطن. فمن دعوة الرئاسة للاجتماع مع أعضاء المجلس القومي للمرأة في 28/2 مصحوبة باستفسار دقيق عن أنشطة المجلس وبرامجه، إلى الإعلان المفاجئ عن مؤتمر

يحضره الرئيس في 24/3 لإطلاق مبادرة برعايته تهدف إلى «دعم حقوق وحريات المرأة المصرية»، إلى اعتبار الرئيس أن الارتقاء بالمرأة يعد أحد المجالات المطلوب تفعيل العمل العربي المشترك فيها كما ورد بخطابه أمام قمة الدوحة في 26/3. فهل يؤشر هذا الاهتمام إلى بداية وضع المرأة على جدول أولويات النظام؟ فلو صح ذلك فما هو مضمون هذا الاهتمام؟

●●●

انتمى إلى الرأي الذي يعتبر أن دور النظام مهم في النهوض بالمرأة لا سيما حيث تسود ثقافة تميز بين المواطنين على أساس النوع. وقد فرغتُ توا من قراءة دستور زيمبابوى الجديد الذي أُقرِ قبل أقل من شهر، ولمستُ كيف يضع هذا الدستور إطارًا نظريًا ضامنًا لحقوق النساء وحرياتهن. فالدستور المشار إليه يجعل من المساواة النوعية واحدة من القيم الأساسية التي يرتكز عليها النظام، وهو يحدد التدابير المطلوبة لتمكين النساء من الحصول على فرص مساوية للرجال في التنمية، ويؤكد على الالتزام بالتعهدات الدولية ومنها تلك التي تخص النساء، ويحدد سن الزواج للكافة بما لا يقل عن 18 سنة، ويحرص في كل ما يرتبط بشروط تولى الوظائف العامة والمراكز القيادية بما فيها رئاسة الدولة ومجلس الشيوخ على التأنيث إلى جانب التذكير (هو أو هي) لسد الباب أمام أى تأويل تمييزى، ويعدد حقوق النساء في التعليم والصحة والأجر المتساوي عن العمل المتساوي والحضانة ومنح الجنسية للأبناء..... إلخ. مثل هذه الوثيقة الدستورية التي دعمها بقوة الرئيس روبرت موجابى وحزبه الحاكم تضع في يد كل امرأة في هذا البلد نصوصا تدافع بها عن حقها في مواطنة كاملة وأهلية تامة، ويمكن الاستناد عليها في سن مجموعة من التشريعات التي تكفل تنزيل تلك النصوص على أرض الواقع. أما في مصر فعلى ماذا نستند في الدستور الذي صاغته جماعة الرئيس وغابت عنه المرأة بالكلية اللهم إلا في عبارات إنشائية جاءت بالديباجة، وفى نص المادة العاشرة التي لا تتكلم إلا عن المرأة في سطرين اثنين إما كمعيلة أو مطلقة أو أرملة.

●●●

تلك المقارنة مهمة لأنها توضح أن غياب فلسفة المساواة عن واضعي الدستور المصري تجعل من إطلاق مبادرة لدعم حقوق المرأة وحرياتها تطورا يستحق التأمل والتحليل. بداية يٌلاحظ أن للمبادرة أطرافا ثلاثة هي رئاسة الجمهورية والمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية والهيئة العامة للاستعلامات، أى أن الآلية الوطنية التي استحدثتها الرئاسة في عام 2000 والمقصود بها المجلس القومي للمرأة ليست شريكا في المبادرة، الأمر الذي يعنى أن تلك الأخيرة ستشكل عنصرا منافسا للمجلس القومي. وأول الغيث كان الإعلان عن حلقة نقاشية ينظمها المركز القومي للبحوث حول «التحرش الجنسي بين القانون والمواجهة المجتمعية». يحدث هذا في الوقت الذي انتهى فيه المجلس القومي للمرأة من إعداد مشروع عن «حماية المرأة من العنف» كان قد كلف المجلس بإعداده الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء. والمشروع المذكور يتعامل مع صور العنف المتفاقمة بعد الثورة، فضلا عن بعض صور العنف التي لم يتم التطرق لها على وجه التحديد بواسطة المشرع المصري. في الفئة الأولى من العنف يدخل التحرش الجنسي الذي يتسع ليشمل الأقوال ذات الإيحاءات الجنسية أو الداعية لممارسة الجنس بأي وسيلة. وفى الفئة الثانية من العنف يدخل الحرمان من الميراث الذي يمثل حقيقة واقعة في مجتمعنا بالتضاد الصريح مع نصوص الشريعة الإسلامية. ومؤدى هذا، أن المجلس القومي للمرأة تجاوز فعليا مرحلة البحث والتحليل التي تقف عندها الحلقة النقاشية للمركز القومي للبحوث، وأنه لو أرادت الرئاسة وشركاؤها التحرك جديا في اتجاه منع التحرش الجنسي لوجب أن تكون نقطة الانطلاق من مشروع المجلس القومي للمرأة وليس من المربع صفر. لكن القصد ليس هو منع العنف ضد المرأة بل الغرض هو ضرب الآلية الوطنية التي نعلم موقف الإخوان والأخوات منها. وإذا كان من الصعب على الرئاسة في هذه المرحلة التي تتزايد فيها حدة النقد الدولي لوضع الحقوق والحريات في مصر أن تلغى مجلس المرأة، فمن السهل عليها أن تسحب البساط من تحت قدميه بمبادرة تنتهي «بتكوين شبكة قومية للدفاع عن حقوق المرأة».

●●●

الملاحظة الأخرى أن هدف المبادرة هو التعرف على تحديات المرأة لتقديم رؤى واقعية تسهم في صنع السياسات والقرارات والتشريعات التي تنهض بالنساء. هنا لن أثير النقطة الخاصة بحجم المال والوقت والجهد الذي سيُبذل للتعرف على تحديات هي في الأصل معروفة للجميع ويتصدرها الشأن الاقتصادي والأحوال الشخصية. لكنى سأطرح السؤال التالي: بفرض أن من بين التحديات التي تم رصدها أمر حساس كقضية حضانة المطلقة لأطفالها مثلا، فكيف يمكن لمؤسسة الرئاسة أن تبلور رؤية تستجيب لهذا التحدي ولا تصطدم بموقف التيار الديني صاحب الأغلبية البرلمانية في الوقت نفسه؟. إن مشروع قانون الرؤية الجديد الذي نظره مجلس الشعب السابق اشترط حرمان الأم من نفقة الحضانة إذا اختار الأبناء البقاء معها بعد السن القانونية (7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت )، فماذا لو اشتكت النساء من صعوبة الاختيار ومرارته بين حضانة الصغار وشظف العيش وكأن المشرع يعاقبهن على حسن رعاية الأبناء؟. مرة أخرى إن غياب فلسفة المساواة يقيد قدرة الرئاسة على الفعل والتأثير، هذا بافتراض أنها تريد.

●●●

الملاحظة الأخيرة أن ضبابية المبادرة تشكك كثيرا في صدق هدفها. فأول ما سمعنا عن المبادرة قيل إنها تتضمن بحثا ميدانيا ومقابلات شخصية وحلقات نقاشية لمدة ثلاثة أشهر، وعندما قراناها تبين أنه سوف تنبثق عنها شبكة لدعم حقوق المرأة وحرياتها، ثم في آخر فقرة في المبادرة تبين لنا أن الأمر كله سيصب في خطة خمسيه للمرأة. هذه الخطة لم يعلم بها مخلوق ولا صرح بها الرئيس مع أن أول شروط نجاح الخطة تحفيز الجهود لتنفيذها، وإلا كيف سنتحفز لتنفيذ خطة سرية للنهوض بالمرأة؟. تذكرني المبادرة وشبكتها القومية بتجربة جبهة الضمير التي أُريد بها الالتفاف حول جبهة الإنقاذ، ثم لم يعد ينشر عنها خبر.

إن مبادرة دعم حقوق وحريات المرأة المصرية لا تلزم النساء لأنها باختصار تعيد تعبئة نشاط المجلس القومى في هياكل جديدة بمهارة أقل، وعدم اقتناع بفكرة المساواة، وتحت شعار الخصوصية الذى بموجبه تنتهك حريات وحقوق لا أبسط منها ولا أوجب.

 

د. نيفين مسعد

أستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة

 

 

شاهد مقالات د. نيفين مسعد