لعبة واشنطن بالطائرات دون طيار

الجمعة, 15 فبراير 2013 01:43

محمد عارف

قضايا ومناقشات
طباعة

لعبة واشنطن بالطائرات دون طيار، لعبة الطائرات بدون طيار بواشنطن. وحكمة الصين في هذه اللعبة «بإمكانك اصطياد ذباب أكثر بالعسل مما بالخَلّ». "عسَلُ" الصين تريليون دولار، وهو حجم استثماراتها في الولايات المتحدة، وتحتل بها المرتبة العالمية الأولى في الاستثمارات الأجنبية في أميركا. ونبدأ القصة من العراق:

 

«إلى جهنم وبئس المصير»، هكذا استقبلت رسائل العراقيين على الإنترنت نبأ اغتيال القناص الأميركي كريس كيل، الذي قتل خلال فترة خدمته في العراق أكثر من 150 عراقياً. "أفتَكُ القناصين في التاريخ العسكري للولايات المتحدة" عنوان سيرة "كيل" الذاتية، وفيها يصف كيف كان يقتنص العراقيين من فوق سطوح البنايات، وبين قتلاه أم تحمل طفلها ادّعى أنها كانت على وشك أن ترمي قنبلة يدوية على بحارة أميركيين. ونال "كيل" جزاءه أخيراً على يد مجند أميركي سابق في العراق كان يمارس معه في تكساس رياضة إطلاق الرصاص للشفاء من ذكريات الحرب!

كم عدد قتلى العراق وأفغانستان وباكستان واليمن الذين اقتنصهم طيارون يقودون من مسافة آلاف الكيلومترات طائرات "درونز"؟ لا ذكر لذلك في نقاشات واشنطن حول مذكرة وزارة العدل الأميركية التي تقضي بشرعنة القتل بواسطة طائرات دون طيار. فالنقاش ينحصر بموضوع صلاحية أوباما في إدراج مواطنين أميركيين في قائمة القتل بطائرات "الدرونز". إذا لم تكن هذه هي الفاشية التي تضع أميركا فوق الجميع فما هي، وماذا نسمي قتل غير الأميركيين دون صلاحيات، ولا حساب، ولا إعلان عن هوية الضحايا سوى ما يذكره قتلتُهم الذين يسمون "جيل الننتندو". فالقتل لعبة كمبيوتر يمارسونها وهم في مكاتبهم في القاعدة الجوية في نيفادا على مسافة 12 ألف كيلومتر عن بغداد.

الطائرات دون طيار المشهورة باسم "درونز"، ويعني ذكر النحل، استخدمت لأول مرة في عمليات الاستطلاع في الحرب ضد العراق عام 1991. واستخدمت فيما بعد للقتل أول مرة في غزو أفغانستان والعراق. الطيار "مات مارتن" يروي في كتابه "حرب الريموت كونترول في العراق" كيف كان يوجه بواسطة جهاز الكمبيوتر من مكتبه في نيفادا طائرات "الدرونز" التي تطلق صواريخ من ارتفاع 10 آلاف قدم تصيب عراقيين يُشتبه بأنهم مسلحون، وتجعلهم رماداً ملتهباً. ولا تستغرق العملية ما بين بث التوجيهات عبر "ساتلات" اتصالات أميركية وأوروبية وتنفيذها في بغداد سوى ثانيتين. وبعد الانتهاء من القتل يتذكر مارتن طلب زوجته جلب الأطفال من المدرسة وشراء الحليب في طريق عودته إلى المنزل!

و"الدرونز" ليست نموذجاً آخر من أسلحة الحرب المتطورة، التي تُستخدم لأغراض عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي أداة قتل مبرمج واغتيالات مستهدِفة، ينفذها طيارون غير خاضعين لأي محاسبة قانونية، أو مسؤولية أخلاقية إزاء الضحايا الذين تُنفذ فيهم أحكام القتل دون تحقيق أو محاكمة. وبين الضحايا آلاف غير مستهدَفين، يُسمَون "أضراراً جانبية" حسب المصطلح المستخدم لتبرير القتل الجماعي لنساء وأطفال العرب والمسلمين. تذكر ذلك ميديا بنجامين مؤلفة كتاب "حرب الدرونز: القتل بالريموت كونترول". وتعرض بنجامين، وهي كاتبة أميركية مناهضة للحرب تحليلاً شاملاً لما تعتبرها أسرع جبهات الحرب الكونية نمواً وأكثرها سرية عن صانعي "الدرونز" ومواقع صناعتها، واستخدامها، وهوية طياريها، وتبعاتها الأخلاقية والقانونية، والحركات المناهضة لها، التي تضم ناشطين حقوقيين، وعلماء من جميع أنحاء العالم.

ومناهضة القتل بالريموت كونترول ليست أكثر أخلاقية فحسب، بل أكثر عقلانية من التبريرات السقيمة التي يحاط بها قرار منح أوباما صلاحيات توجيه ضربات استباقية في ما تُسمى "حرب السايبر". و"السايبر" هو الفضاء الافتراضي الذي تصنعه أنظمة الكمبيوتر وشبكات الإنترنت، وأسلحة "السايبر" شيفرات مبرمجة لتدمير شبكات الكمبيوتر في أي مكان في العالم. وتبيح قواعد الاشتباك الأميركية في حرب "السايبر" لوكالات مخابرات واشنطن انتهاك شبكات الكمبيوتر في أقاصي العالم بدعوى البحث عن علامات على هجمات وشيكة، ويحق لأوباما وفق هذه القواعد إصدار أوامر بحقن شبكات الدول المعادية بشيفرات مدمرة حتى من دون إعلان حرب. وسبق لأوباما كما هو معروف الموافقة على توجيه ضربات "سايبرية" إلى مواقع التخصيب النووي الإيراني في عملية أطلق عليها اسم "الألعاب الأولمبية".

والسؤال حول ما ينبغي عمله بصدد "الدرونز" وحرب "السايبر" يتضمن السؤال حول ما ينبغي عمله بصدد الصين، حسب صحيفة "نيويورك تايمز" التي أشارت إلى رسائل عدة حول الموضوع تتبادلها بكين وواشنطن. وتوالت في الفترة الأخيرة تقارير صادرة عن إدارة الأمن الداخلي الأميركي حول زيادة هجمات "السايبر" ضد شركات وهياكل ارتكازية مهمة في الولايات المتحدة، ومن بينها محطة للطاقة لم يُذكر اسمها، وفي الشهر الماضي أعلنت "نيويورك تايمز" وصحف أميركية كبرى أخرى عن تعرضها طوال أربعة أشهر لهجمات "سايبرية" صادرة من الصين.

و"الدرونز" تكنولوجيا مدهشة لاستكشاف ثروات الكرة الأرضية وإعمارها، تصبح أداة دمار، وهي كالعولمة التي استبشر بها الغرب وسيلة لابتلاع العالم فابتلعته عام 2008 بأزمة مالية لم يخرج منها حتى الآن. فمعدلات الفائدة المنخفضة جداً في منعطف القرن التي قادت إلى السلوك الاستثماري المغامر كانت أصلاً نتيجة ظروف نافعة نجمت عن العولمة، وأدت إلى انتقال الإنتاج من البلدان المتطورة إلى بلدان الاقتصادات الجديدة. يذكر ذلك جيلز تشانس، أستاذ كلية الإدارة في جامعة بكين. ويشير تشانس في كتابه "الصين وأزمة الديون العالمية" إلى الآثار الهائلة لانفتاح الصين في منتصف التسعينيات، الذي أدى إلى تسارع العولمة، وغيّر العالم المتطور، وكان ذلك كله لصالح الناس في البلدان الغنية الذين اعتادوا منذ ذلك الحين الحصول على منتجات بأسعار منخفضة، لكن التصور الخاطئ للخزانة الأميركية حول حدوث انكماش اقتصادي أدّى إلى ضخ سيولة مالية لا يحتاجها الاقتصاد المتطور، ولم تكن هناك فرص للمدّخرين سوى الاستثمار في العقارات وأسواق الأسهم، المستمر حتى الآن على الرغم من أنه كان خلفية انهيار عام 2008.

دخول الصين فضاء "السايبر" يعني ركوب خُمس سكان الأرض على متن "الدرونز". كم تبدو هذه الصورة مختلفة عن التفكير السطحي لهنري كيسنجر الذي يستعيد في كتابه الجديد "حول الصين" دوره في التقريب بين بكين وواشنطن في عهد نيكسون. يعقد كيسنجر المقارنة التالية بين البلدين: "كلاهما يعتقد أنه يمثل قيماً فريدة. الاستثنائية الأميركية تبشيرية، تؤمن بأن واجبها نشر قيمها إلى جميع أنحاء العالم. واستثنائية الصين ثقافية، فالصين لا تقدم الهداية؛ ولا تدّعي أن مؤسساتها المعاصرة مناسبة للاستخدام خارج الصين". كسينجر لا يفهم الحكمة الصينية القديمة "الحياة لعبة شطرنج تتغير مع كل حركة".

 

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا- كاتب عارقي

 

 

شاهد مقالات محمد عارف