هل المنطقة العربية نجم الاستدامة الصاعد؟

الجمعة, 01 فبراير 2013 18:44

محمد عارف

قضايا ومناقشات
طباعة

 

«المنطقة العربية نجم صاعد في استثمارات الطاقة المتجددة»، عنوان إحدى جلسات «القمة العالمية لطاقة المستقبل» التي عُقدت ضمن «أسبوع أبوظبي للاستدامة». واختلاف المتحدثين حول «نجومية» المنطقة حَمَل رئيسة الجلسة إيمانويلا منشيتي على القول: «العرب يحبون الكلام ونحن نحب الكلام». منشيتي باحثة إيطالية تدير قسم الطاقة المتجددة في «منظمة البحر الأبيض المتوسط للطاقة» ومشروع «شراكة» بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. والكلام عن الاستدامة ربيع الربيع العربي. «ستيفان سينجر»، مدير «إدارة الطاقة العالمية» في «صندوق الحياة البرية العالمي» يعتقد أنه «من المبكر الحديث عن المنطقة كنجم صاعد». وطارق إمطيرة، المدير التنفيذي لـ«المركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة»، ومركزه القاهرة، ذكر أن حجم الطاقة المتجددة التي أنتجتها إيطاليا العام الماضي 172 ميجاطن يفوق ما أنتجته البلدان العربية مجتمعة. فيما قال نجيب زعفراني، مستشار «المجلس الأعلى للطاقة» في دبي أننا «سنصبح النجم الصاعد لأننا وضعنا الأساس لكي نصبح النجم الصاعد». وذكر زعفراني أنه يتفاءل عندما يتذكر أن (المنطقة لم يكن فيها قبل عشر سنوات معهد مثل «مصدر»، أو «متنزه علمي» بالدوحة في قطر)، وكلاهما مدينة للبحث العلمي، والتطوير التقني، والدراسات العليا، يستثمر ملايين الدولارات.

 

وفي جلسات القمة، وعددها أربعون «الكلام ينذاق»، كما يقول اللبنانيون. بيتر غليك، رئيس «معهد الباسيفيك» في الولايات المتحدة، قال: «أسبوع الاستدامة في أبوظبي ينبغي أن يصبح أسبوع الاستدامة في العالم». وتحقيق ذلك ممكن حيث تتصدر الصين الاستثمارات في الطاقة المتجددة، تليها الولايات المتحدة، وألمانيا، وإيطاليا، والهند. (تقرير الطاقات المتجددة، الوضع العالمي 2012). وتبدو الاستدامة على خلفية أحداث المنطقة كالقلب الذي يوصي الفيلسوف نيتشه التمسك به «فإذا ذهب القلب نفقد السيطرة على عقلنا أيضاً». فالاستدامة التي تعني التجدد الذاتي الدائم، تدمج البيئة والاقتصاد في منظومة واحدة، وتؤَمِّن العيش الكريم سواسية للبشر، والتناغم مع الطبيعة، وتجديد الموارد بكميات تساوي، أو تزيد، معدلات استهلاكها، وإقامة أنظمة اقتصادية لا تستنزف الموارد البشرية، والاقتصادية، والثروات الطبيعية لكوكبنا الأرضي، الآن أو في المستقبل. ودخلت الاستدامة في جميع جوانب الحياة، من التنمية المستديمة، والزراعة المستديمة، والعيش المستديم، والمجتمعات المستديمة.

والمعرفة في الاستدامة هي معرفة أنها قانون حفظ الأنواع، وفي مقدمتها النوع البشري، والحكمة هي أن لا نستخدم الاستدامة على حساب حفظ الأنواع، خصوصاً النوع البشري. وكلام الاستدامة من ذهب في «الأطلس العالمي لموارد الطاقة المتجددة» الذي أُطلق حياً في القمة. فالأطلس المتوافر لجميع سكان العالم على الإنترنت يساعد اقتصادات البلدان على تقييم احتياطياتها من الطاقة المتجددة، ويضع في المتناول العام معطيات وخرائط أبرز المعاهد التقنية والشركات العالمية. «الأطلس أداة جبارة لدعم الجهود الدولية لمضاعفة الحصة العالمية من الطاقة المتجددة ضعفين مع عام 2030». ذكر ذلك عدنان أمين، مدير عام «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» الذي يتوقع أن يرفع استمرار التقدم بالوتيرة الحالية حصة الطاقة المتجددة إلى 21 في المئة من مجموع الطاقة المستخدمة عام 2030، ويحقق بذلك خطة الأمم المتحدة لـ«توفير الطاقة المتجددة للجميع».

وفي الاستدامة نفهم قول ريتشارد فاينمان، أحد أشهر علماء الفيزياء في القرن العشرين: «يتوقف نجاح التكنولوجيا على أسبقية الواقع على العلاقات العامة، لأن الطبيعة لا يُمكن أن تُخدع». والتفاؤل بالاستدامة العربية مستديم عندما تبدأ واحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم عملها غرب أبوظبي. مدير محطة «شمس 1» قال إن قدرتها الإنتاجية تبلغ 100 ميجاواط، وتُقدّرُ كلفتها بنحو 600 مليون دولار، تساهم فيها «مصدر» وشركة صناعة الطاقة العالمية «توتال». القدرة التشغيلية للمحطة تغذي 20 ألف منزل بالطاقة النظيفة، وتزيل بذلك 175 ألف طن سنوياً من غازات ثاني أكسيد الكربون المتراكمة في الجو، ويعادل هذا زراعة مليون ونصف مليون شجرة.

ويبدو استثمار الإمارات موارد من النفط لتطوير طاقة بديلة للنفط مبادرة غير مسبوقة، حسب مورغان بازيليان، مدير «معهد تحليل استراتيجيات الطاقة» في وزارة الطاقة الأميركية. والإمارات أول دولة خليجية دخلت ميدان الطاقة المتجددة عام 2006، وتبعتها السعودية التي أسست قبل ثلاثة أعوام «مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة». وقامت السعودية بخطوة «أثارت الدهشة»، حسب تقرير «الوكالة الدولية للطاقة المتجددة» وذلك حين أعلنت مشاريع لإنتاج 54 ميجاواط من الطاقة المتجددة. والواط وحدة قياسية لقوة الطاقة. قوة المصباح الكهربائي المنزلي، على سبيل المثال ما بين 25 و100 واط، والميجاواط، يعادل مليون واط. ويتصدر المغرب الدول العربية المنتجة للطاقة المتجددة. مشروعه الجديد لإنتاج 160 ميجاواط من الطاقة الشمسية يموله كونسوريوم من الممولين، إسبان، وسعوديون، وألمان، والاتحاد الأوروبي. وقد يسجل المغرب رقماً قياسياً عالمياً إذا أفلح في تحقيق طاقة متجددة تبلغ نسبتها 42 في المئة من إجمالي إنتاجه للطاقة مع حلول عام 2020. والطاقة المتجددة أكثر تنويعاً من الطاقة التقليدية المنتجة من الوقود الأحفوري الناضب والملوث للبيئة. ولا حدود للطاقة المتجددة التي تُنتج من الطاقات الشمسية، والحرارية لباطن الأرض، والكتلة الحيوية من النفايات، والمائية، وطاقة المحيطات، وكل محطاتها ملائمة للاستخدام في آن في شبكات كهربائية كبيرة، وشبكات محلية صغيرة بالمناطق الريفية والجزر المعزولة.

وإذا لم تصبح المنطقة العربية بعدُ النجم الصاعد في الطاقة المستدامة فإنها صانعة نجومها. «جائزة زايد لطاقة المستقبل» تستوحي مثال الشيخ زايد رحمه الله، مؤسس الدولة الذي أقام غابات نخيل على تخوم صحراء الربع الخالي. قيمة الجائزة، وهي في الحقيقة ثمان جوائز سنوية، نحو 4 ملايين دولار، ونال جائزة الإنجاز الحياتي منها، وقيمتها 700 ألف دولار العالم البرازيلي خوزيه غولدمبيرغ عن أبحاثه في إنتاج وقود الإيثانول الذي يُستخرج من قصب السكر. وتحتل البرازيل المرتبة العالمية الأولى في الاقتصاد القائم على الوقود الإحيائي، ويبلغ إنتاجها من وقود الإيثانول 25 مليار لتر سنوياً، وبلغ عدد السيارات المستخدِمة للإيثانول في البرازيل العام الماضي 25 مليون سيارة.

وتوزعت الجوائز الأخرى بين شركات عملاقة تساهم في صناعات الطاقة البديلة، مثل «سيمنز» الألمانية، و«شارب» اليابانية، و«بايد» الصينية، ومنظمات غير حكومية، مثل «سيريس» الأميركية التي تنظم حملات لدعم مشاريع الطاقة المتجددة، ومدارس ثانوية تستخدم الطاقة الشمسية في بناياتها في المكسيك وبريطانيا واليابان والهند، و«المدرسة الإسلامية البنجالية» في أبوظبي. وتضم لجنة تحكيم الجائزة رؤساء دول وحكومات آيسلندا ومالديف وكوريا، إلى جانب رؤساء منظمات علمية دولية، وأكاديميين، والممثل والناشط في حركات البيئة ليوناردو دي كابريو، بطل فيلمي «تيتانيك» و«أفيتار».

 

محمد عارف

مستشار في العلوم والتكنولوجيا- كاتب عارقي

 

 

شاهد مقالات محمد عارف