يهود وصقور في أمريكا ضد أوباما

الخميس, 27 ديسمبر 2012 14:25

جميل مطر

قضايا ومناقشات
طباعة

هبت على واشنطن عاصفة من النقد اللاذع وتشويه السمعة تتهم السيناتور شاك هاغيل، بأنه معاد للسامية، وكاره للمثليين، ومتعاطف مع خصوم أمريكا في الخارج . بدأت العاصفة عند اللحظة التي أعلن فيها أن باراك أوباما يفكر في تعيين هاغيل وزيراً للدفاع خلفاً للوزير بانيتا

الذي أعلن عن نيته في الاستقالة من منصبه.

يأخذ المعلقون الموالون ل”إسرائيل” على السيناتور المرشح لوزارة الدفاع أنه كثيراً ما استخدم في خطاباته وتصريحاته عبارة “اللوبي اليهودي” . يستخدمها، حسب رأيهم، لأن هدفه ترهيب النخبة السياسية في واشنطن، وبخاصة أعضاء الكونغرس ورجال الإعلام . قاد الحملة ضد هاغيل، أو كان بين قياداتها، الكاتب في صحيفة “وول ستريت جورنال”، بيرت ستيفنس، وهو الذي قال إن التحذيرات التي يصدرها هاغيل عن قوة اللوبي الصهيوني في أمريكا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوجهاته السياسية ،وتكشف عن شخصيته ومواقفه . هاغيل مثلاً يقول دائماً “أنا سيناتور أمريكي ولست سيناتوراً “إسرائيلياً”” . يقصد بذلك أنه ليس مسؤولاً عن الدفاع عن سياسات “إسرائيل”، ولكنه بصفته مشرعاً أمريكياً مسؤولاً أولاً وأخيراً عن مصالح الولايات المتحدة . ويستشهد الكاتب، وهو معروف بميوله المتطرفة المؤيدة ل”إسرائيل”، بحديث أدلى به شاك هاغيل للدبلوماسي آرون دافيد ميللر ذي النفوذ القوي في دوائر صنع القرار ونشره في كتابه الصادر عام 2008 . جاء في الكتاب نقلاً عن هاغيل قوله “أنا أؤيد “إسرائيل” ولكن أول اهتماماتي الوفاء للقسم الذي أقسمته للدستور الأمريكي، وليس لرئيس أو لحزب وليس ل”إسرائيل””.

يركز أنصار الحملة المنظمة ضد هاغيل على وصفه لحرب “إسرائيل” ضد حزب الله في ،2006 بأنها كانت نموذجاً للتدمير الممنهج لدولة صديقة لأمريكا، ويقصد لبنان . يذكرون أيضاً أنه رفض التوقيع على نداء صادر من الكونغرس الأمريكي موجه إلى الاتحاد الأوروبي، يدعو فيه المفوضية الأوروبية إلى “إدراج حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية” . يأخذون عليه أيضاً خطاباً ألقاه في مجلس الشيوخ قال فيه إنه ليس من مصلحة أمريكا و”إسرائيل” على الأمد الطويل أن يسمحا لنفسيهما بأن يصبحا معزولين في الشرق الأوسط وفي العالم.

ليس جديداً على الإعلاميين الناطقين باسم حركات الضغط اليهودي في أمريكا السخرية من السياسيين الأمريكيين الذين “يستخدمون الولاء لأمريكا أولاً غطاء أو مبرراً لانتقاد سياسات “إسرائيلية”” . يتهمونهم باستخدام حكاية الولاء للدستور الأمريكي وحبهم لأمريكا للتلميح بأن بعض اليهود الأمريكيين ربما كانوا ناقصي الولاء لأمريكا . وبتعبير آخر، يردده مسئولون أمريكيون وإن بصوت خفيض، هذا البعض من اليهود الأمريكيين يعتقدون أن ولاءهم ل”إسرائيل” يجب أن يكون سابقاً على ولائهم لأمريكا، بل هو شرط ضروري ولا غنى عنه لولائهم للولايات المتحدة . الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ يطالب بعض قادة اليهود السياسيين الأمريكيين بأن يؤكدوا بمواقفهم أن دعمهم “إسرائيل” جزء لا يتجزأ من ولائهم لأمريكا . لذلك فإن هذا الفريق يرى أن أي سياسي أمريكي يصر على الإعلان، بمناسبة ومن دون مناسبة، عن ولائه لأمريكا أولاً وأخيراً هو في الواقع يوجه رسالة تشكك في ولاء غيره . هكذا يجري اتهام شاك هاغيل الذي يصر على ترديد ولائه لأمريكا بأنه يريد أن يشكك في ولاء الآخرين . وقد تمادى معلقون من أنصار “إسرائيل” فوجهوا تهديداً إلى الرئيس أوباما بأنه إذا استخدم العناد مع يهود أمريكا وأصرّ على تعيين هاغيل لوزارة الدفاع فإنه يعرض نفسه لأخطر ما يمكن أن يواجهه رئيس أمريكي، وهو أن “إسرائيل” لن تعده صديقاً لها.

الأمر في حقيقته لا يتعلق فقط باختيار شاك هاغيل وحده، بل أيضاً بتعيين رفيق دربه السيناتور الديمقراطي جون كيري وزيراً للخارجية خلفاً للسيدة هيلاري كلينتون . الاثنان هاغيل السيناتور الجمهوري وكيري السيناتور الديمقراطي، يتفقان على أسبقية مبدأ الحوار في تحقيق أهداف أمريكا الخارجية، ويؤمنان بأن المفاوضات يمكن أن تحرز النجاح، حيث يصعب إحرازه بالمواجهة.يقول المؤيدون لهذا التوجه في السياسة الأمريكية إنه بالمفاوضات نجحت أمريكا في دفع سنة العراق إلى التخلي عن دعمهم تنظيم القاعدة بل والانقلاب عليهم، وفي دفع القذافي للتنازل عن مساعي امتلاك القنبلة النووية، وفي دفع العرب جميعاً إلى ممارسة هدنة ممتدة مع “إسرائيل”، وفي دفع الفلسطينيين إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو، وسلوك طريق القبول بالأمر الواقع والسكوت سنوات طويلة على سياسات الاستيطان، وفي دفع “مصر الإسلامية” إلى القبول بالأمر الواقع الأمريكي “الإسرائيلي” في سيناء، وها هي أمريكا تنجح أيضاً في دفع حكام بورما العسكريين إلى تخفيض قبضتهم على السلطة في البلاد وإدخال إصلاحات سياسية.

هذه التوجهات يؤمن بها بشكل عام كلا المرشحين لوزارتي الخارجية والدفاع في ولاية أوباما الثانية، وبالتالي فإن وجودهما معاً في إدارة واحدة قد يعني أنها ستسود خلال السنوات الأربع القادمة، بما يعني أيضاً فشل أهداف “إسرائيل” وقادة اليهود في أمريكا نحو تصعيد الصراع مع إيران، وفي وقف الضغط على “إسرائيل” في قضية التوسع في بناء المستوطنات في القدس وإقامة الدولتين.

من ناحية أخرى، لا يمكن إنكار أن لشاك هاغيل أهمية رمزية أكبر من أهمية جون كيري، حيث إن وجود سيناتور جمهوري من هذا الوزن الثقيل في حكومة أوباما قد يؤدي حسب توقعات محللين أمريكيين إلى تهدئة أجواء التوتر بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري اللذين يوشكان على الدخول في مواجهة شديدة على موضوع الهاوية المالية والعجز في الميزانية وإصلاح نظام الضرائب.لا يغيب عن البال أن هناك في واشنطن من لا يريد أن يرى هذا التقارب في موقف الحزبين في الشؤون الداخلية، خشية امتداده إلى مواقف الحزبين في الشؤون الخارجية، هؤلاء لا يريدون أن تمتد يد أمريكا سعياً إلى تهدئة مع إيران وفنزويلا وحماس وسوريا .

رضخ أوباما لضغوط الجمهوريين في الكونغرس، فسحب ترشيح سوزان رايس التي رشحها وزيرة للخارجية قبل أن يرشح جون كيري . أعتقد، ولا أظن أنني أبالغ في اعتقادي، أن سوزان كانت كبش فداء في قضية كان الهدف فيها إخضاع هيلاري كلينتون للتحقيق في حادث مصرع السفير الأمريكي في بنغازي . أعتقد أيضاً أن أوباما لم ينزعج بشدة لفشله في تعيين سوزان محل هيلاري، لأنه في ما أتصور كان يفضل فريقاً متجانساً وقوياً للسياسة الخارجية، يحقق له مجموعة أهداف في السياسة الخارجية للفترة الثانية، وهي الأهداف التي أظن أنها تتوافق مع أهداف المؤسسة العسكرية للمرحلة ذاتها.يأتي في صدارة هذه الأهداف تغليب القوة الناعمة على القوة الخشنة أو الصلبة.

مطلوب للمؤسستين، العسكرية والرئاسة، في هذه المرحلة القصيرة نسبياً التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع الطالبان يضمن انسحاباً كريماً للقوات الأمريكية من أفغانستان، واتفاقاً تفاوضياً أيضاً مع إيران وكوريا الشمالية، وترتيبات عظمى مع الصين تضمن الانتقال السلمي لأمريكا من دور رئيس في قيادة عالم الأطلسي وأوروبا إلى دور مشارك في قيادة عالم الباسيفيكي وشرق آسيا.

يطالب بعض قادة اليهود السياسيين الأمريكيين بأن يؤكدوا بمواقفهم أن دعمهم “إسرائيل” جزء لا يتجزأ من ولائهم لأمريكا .

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر