أزمات وصناعة الأزمات في العراق

الخميس, 27 ديسمبر 2012 12:29

وليد الزبيدي

قضايا ومناقشات
طباعة

 

 

لم يعد العراق يحتل المرتبة الأولى في الفساد وأعداد المعتقلين والمغيبين والمهجرين وفقدان الأمن فقط، بل أصبح في مقدمة دول العالم في صناعة الأزمات، التي تعني أولا أن الحكومة العراقية وجميع أقطاب العملية السياسية يعيشون محنة حقيقية، ما يفتح الباب على جميع السيناريوهات في العراق، وفي المقدمة منها عصف العراقيين بهذه الحكومة والثورة الواسعة على عمليتها السياسية، التي صنعها الغزاة الاميركيون، التي أخذت بالتفكك عشية هروب القوات الأميركية من العراق قبل عام.

 

نسمع بفن تجاوز الأزمة، وأحيانا فن صناعة الأزمة بغرض التخلص من معضلة كبيرة تواجه السياسي او المسؤول، وغالبا ما تكون هذه الأزمة قصيرة ومحدودة التأثير، ولا تبقى آثارها في البلد والمجتمع لفترة طويلة، لكن الحال في العراق تجاوز كل ذلك، ويقف على عتبة تجربة فريدة في تاريخ الحكم في العالم.

خلال شهر واحد تقريبا، شهد العراق أزمات خطيرة وكبيرة، وعندما يدقق المراقب والباحث والسياسي أيضا في جوهر هذه الأزمات، يتوقف طويلا عند نتائجها، التي قد تتحول إلى عاصفة في هذا البلد.

أولى هذه الأزمات، ما حصل في البنك المركزي العراقي، حيث شن رئيس الحكومة الحالية نوري المالكي الحرب على كبار المسؤولين فيه، وتم بدء الحملة الشعواء عندما كان محافظ البنك في الخارج، ما يثير العديد من التساؤلات، وقد تم اعتقال العشرات من المديرين من بينهم الكثير من النساء، وكل ما عرف به العراقيون، أن فسادا مخيفا يجري في البنك المركزي، بعلم ودراية المالكي نفسه، والأرقام الأولية التي تسربت، تقول، إن 800 مليون دولار إسبوعيا تذهب إلى المجهول، أي ما يقرب من ثلاثة ونصف المليار دولار شهريا، وطالما أن المالكي يعرف بمسارب إختفائها، فإن صناعة الأزمة بهذه الطريقة يفسر أهداف هذه الأزمة.

ثاني هذه الأزمات، قرار رئيس الحكومة المالكي، الذي صعق العراقيين، الذين يعيش غالبيتهم على المزابل والقمامة، في دولة ميزانيتها السنوية تزيد على مائة مليار دولار، قراره بإلغاء البطاقة التموينية، التي تسد بعض حاجات الأرامل واليتامى والجوعى والمشردين، واستمع العراقيون إلى أغرب تفسير لهذا القرار عندما ظهر المالكي أمام الفضائيات، وقال إن إلغاء البطاقة التموينية، قد حصل بسبب الفساد في وزارة التجارة، التي تشرف على برنامج البطاقة التموينية، فرفع العراقيون شعارات تقول "يكافح المالكي فساد دوائره " بقتل العراقيين، ولم يفهم العراقيون حتى هذه اللحظة خفايا هذا القرار، لكن ما قاله المالكي يفضح حجم السرقات المهول وطبيعة الحرب العدوانية، التي تشنها حكومة المالكي على الشعب العراقي.

ثالث هذه الفضائح، التي عصفت بالعراقيين خلال شهر واحد، السرقات التي تقدر بمليارات الدولارات في صفقة السلاح الروسي، وأطاح المالكي ببعض المقربين منه، في حين الغموض مازال يلف هذه الجريمة، التي طالت أموال الشعب العراقي، ورغم أن الحديث عن الصفقة قد ملأ وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية،إلا أن العراقيين حتى هذه اللحظة لم يعرفوا حقيقة ما جرى، ما يدلل على أن الجريمة واسعة ولا حدود لها،ولم تخرج وثيقة واحدة تنكر عدم وجود جريمة السرقة هذه، وهذا يؤكد ضلوع الرأس الأكبر الذي تزعم الوفد إلى موسكو، وهو رئيس الحكومة المالكي نفسه.

رابع هذه الأزمات، مع إقليم كردستان، إذ تشير المعطيات إلى احتمال حصول مواجهة مسلحة في المناطق المحاذية للمحافظات الشمالية بين الجيش العراقي وقوات البشمركة الكردية، ويستعرض المالكي والبارزاني العضلات والقطعات العسكرية في تلك المناطق، ما يفتح الأبواب على احتمال سفك دماء عراقية في هذه المناطق، وزيادة التباعد بين العراقيين وايجاد الحساسيات بين أبناء البلد الواحد.

من يصدق أن بلدا في العالم تحصل فيه كل هذه الأزمات خلال شهر واحد، لدرجة أن البعض يرى أن فن صناعة هذه الأزمات القصد منه إلهاء العراقيين في مجموعة أزمات، حتى لا يتوقف الناس عند حجم الجرائم، التي تُرتكب بحقهم والأموال التي تسرق من ثروتهم في كل يوم.

 

وليد الزبيدي

كاتب عراقي – المشرف على شبكة الوليد

 

 

شاهد مقالات وليد الزبيدي