قمة مجموعة (الصفر) G-Zero

الخميس, 24 مايو 2012 20:43

جميل مطر

قضايا ومناقشات
طباعة

أحسن معلق أمريكي كان يحلل سلوك الدول العظمى في قمة الثماني التي انعقدت في كامب ديفيد نهاية الأسبوع الماضي، أحسن حين اقتبس من الشاعر وليام بايكر ييتس Yeats مقدمة قصيدة كتبها عام 1921 يصف فيها أعضاء في اجتماع لم يثمر، قال فيها «إنه وجد أحسنهم مفتقرا إلى قناعة ومبدأ وأسوأهم مفعما بحماسة وعاطفة شديدتين».

 

لا أجد وصفا أفضل من هذا الوصف ينطبق على أعضاء مؤتمر قمة الدول الصناعية الكبرى في دورته الأخيرة التي استضافها الرئيس باراك أوباما في منتجع كامب ديفيد قبل أيام قليلة. هذه المقدمة لقصيدة الشاعر ييتس كافية في حد ذاتها كمقدمة لتحليل اللحظة السياسية الراهنة في عالم اليوم. وقد أضيف إليها من جانبي خلاصة تحليلي الشخصي لوقائع هذا المؤتمر ونتائجه وأصدائه، فأقول، وبقليل من المبالغة، إن هذه المجموعة أصبحت بفضل سوء أدائها المتكرر في السنوات الأخيرة، والمستوى المتدني بشكل لافت في اجتماع كامب دافيد، تستحق عنوان «مجموعة الصفر (G-Zero)، بدلا من مجموعة الثمان (G-.8). أدرك أن في هذه الخلاصة بعض القسوة، ولكنها أفضل ما استطعت التوصل إليه للتعبير عن حال المجموعة التي عرضت ثم عينت نفسها قيادة جماعية للنظام الدولي.

*****

ملاحظتي الأخرى هي أنني أتصور أن الأمريكيين أخطأوا حين قرروا عقد قمتين في تعاقب سريع، قمة حلف الأطلسي «الناتو» في شيكاغو في أعقاب قمة الثماني في كامب ديفيد بمرتفعات ميريلاند المتاخمة للعاصمة واشنطن. إذ إن الضعف، ولا أقول الفشل، الذي أحاط بقمة الثماني في كامب ديفيد انتقل بالعدوى أو التماهي إلى قمة الناتو في شيكاغو التي انعقدت بفاصل يوم واحد عن قمة كامب ديفيد. كان في إمكان منظمي المؤتمرين مراعاة أن البند الأصعب في قمة الثماني هو نفسه البند الأصعب في قمة الناتو، ألا وهو استعداد الدول الغربية أو قدرتها على تمويل عمليات انسحاب الحلف الغربي من أفغانستان ثم تمويل عمليات الاستمرار هناك في شكل آخر وبأعداد أخرى،. في وقت تعلم واشنطن كما يعلم العالم بأسره أن الحلفاء الأوروبيين يعانون أزمات اقتصادية خانقة، وأنه قد يكون في حكم المستحيل أن يوافق مجلس نواب في أي دولة أوروبية من دول الحلف على إنفاق أموال على أفغانستان بينما شعبه محروم منها.

*****

يقال عادة، قبل انعقاد قمة الثماني وبعدها مباشرة، إن جدول الأعمال زاخر بالموضوعات العديدة والحيوية، ثم يتبين أن معظم بنود هذا الجدول لم تناقش وأن فقرات في شأنها كانت قد أعدت سلفا لتصدر في البيان النهائي. من هذه البنود التي جاءت في جدول أعمال قمة كامب ديفيد موضوع الأمن الغذائي وتخصيص مبلغ اثنين وعشرين مليار دولار لإنعاش الزراعة في دول أفريقيا بخاصة. وقد جاءت في البيان النهائي الفقرة كثيرة التردد في مؤتمرات سابقة تقول إن الأمر نوقش وإن الدول أكدت التزاماتها وتعهداتها حسب مبادرة عام 2009، وإنها جميعا مسرورة وسعيدة وترحب بالضيوف «الأفارقة» الأربعة الذين جاءوا هذه المرة من إثيوبيا وبنين وغانا وتانزانيا. وكالعادة جعلهم المنظمون يظهرون في صورة كما فعلوا مع غيرهم من «الزعماء الأجانب» الذين يؤتى بهم في كل عام لتزيين صورة «القيادة الدولية». وكانت بريطانيا قد اقترحت ضم دول البريكس والمكسيك إلى قائمة الضيوف.

*****

أتفهم تركيز الكبار على قضيتين رئيسيتين هما أزمة منطقة اليورو ومستقبل اليونان من ناحية، ومن ناحية أخرى احتمالات وقوع أزمة في الطاقة خلال الأسابيع القليلة القادمة بسبب الحصار المفروض على إيران أو لأسباب أخرى تتعلق بالأزمة الاقتصادية العالمية. أما فيما يتعلق بأزمة منطقة اليورو، فقد بات واضحا أن أنجيلا ميركيل تعرضت لضغط كبير من زملائها وبخاصة من باراك أوباما لتخفيف اصرارها على الاستمرار في سياسة خفض الإنفاق في دول منطقة اليورو، رغم ما تسببت فيه هذه السياسة من بطالة أوسع، فضلا عن أنها صارت تهدد اليونان بالإفلاس وتزيد من احتمالات سقوط ايطاليا واسبانيا بعد اليونان. لا غرابة في أن يهتم باراك أوباما. فقد أدرك الرجل وإن متأخرا أن الأزمة في أوروبا حدت من فرص الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. ولم يتبق سوى شهور قليلة على الانتخابات الرئاسية، وهي الانتخابات التي ستقرر فوز أو هزيمة أوباما لأسباب اقتصادية. يقول اقتصاديون أمريكيون إن سياسات التقشف الأوروبية أفقدت المستهلكين الثقة في حكوماتهم وفي السياسيين عموما وضاعفت من فرص نشوب أزمة اجتماعية وسياسية كاسحة في دول الغرب.

كان واضحا أيضا أن الدول الثماني تريد أن تبقي اليونان في منطقة اليورو، وهذا معناه أن تخفف ألمانيا من بعض شروطها ولكن معناه أيضا أن يتخذ شعب اليونان موقفا حازما ضد اليسار المتطرف فيه. يقول اللورد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا إن الناخبين اليونانيين يجب أن ينفذوا تعهداتهم كأعضاء في منطقة اليورو. وهم أمام خيارين، إما تنفيذ الالتزامات فيستمروا أعضاء في منطقة اليورو أو التخلي عن الالتزامات فيخرجوا من منطقة اليورو، يحدث هذا إذا انتخبوا «بعض المتطرفين المهووسين الذين سيرفضون تسديد أقساط الديون، وهنا تقع الكارثة لأن منطقة اليورو ستطالبهم بالخروج منها وبعدها يواجهون الفقر الحقيقى».

*****

التهديد حقيقي ويردده مسئولون آخرون في أوروبا، ليس تعاطفا مع الشعب اليوناني بقدر ما هو خوف شديد من انعكاسات طرد اليونان من منطقة اليورو على الاقتصاد العالمي وبخاصة الأوروبي والأمريكي. المشكلة الحقيقية الآن التي يتهرب من الاعتراف بوجوها معظم حكام الغرب هي المتعلقة بأزمة الرأسمالية الغربية، فبالحال المتدهور للاقتصادات الرأسمالية الكبرى في العالم يصعب تصور أن يتحمل النظام الاقتصادي العالمي عواقب هزات جديدة، كتلك التي يمكن أن يتسبب فيها ألكسيس تسيبراس زعيم حزب سيريتسا اليساري المتطرف، وبخاصة بعد أن وصلت شعبيته إلى ما يزيد على 25%. هذا هو الدليل الجديد على صحة ما يذهب إليه اقتصاديون كبار في أوروبا من أن استمرار الأزمة الراهنة في القارة سوف يؤدي إلى أن يسار ويمين أوروبا كلاهما سيزداد تطرفا. وهو أيضا الدليل الذي يؤكد ما ذهب إليه مسئول بريطاني كبير قال إن منطقة اليورو «أصبحت في حقيقة الأمر بلا قيادة وأن حالة عدم الاستقرار السياسي في أوروبا قد أودت بتسع حكومات في ثلاث سنوات، وهو وضع لا يمكن أن يستمر لأنه يعني شللا سياسيا وزيادة في التطرف والتعصب القومي».

*****

لم يكن غائبا عن أذهان قادة العالم الغربي أن استمرار الأزمة الاقتصادية بالإضافة إلى احتمالات نقص المعروض من النفط في الاسواق العالمية في الشهور القادمة، سيضيف دليلا جديدا إلى قائمة مطولة من دلائل الفشل في قيادتهم للعالم. لذلك حمل البيان الصادر من قمتهم محاولة لطمأنة الأسواق، بأن الاستعدادات جارية لدعوة وكالة الطاقة الدولية للتدخل وإعلان استعداد كافة الدول الاعضاء استخدام احتياطياتهم النفطية لمنع وقوع كارثة.

*****

تذكرت تصريحا كان قد أدلى به هوبر فيدرين، حين كان وزيرا للخارجية الفرنسية في عهد جاك شيراك، دعا فيه إلى إقامة عالم متعدد الأقطاب ليحل محل عالم القطب الواحد، تشترك في قيادته الدول الكبرى وتتقاسم تكلفة إدارته.

تقول الصورة الفوتوغرافية التي التقطت لقادة الدول الثماني الذين اجتمعوا في كامب ديفيد خلال عطلة نهاية الاسبوع الماضي أن شيئا قريبا مما دعا إليه فيدرين قد تحقق. لقد قامت بالفعل قيادة أقرب شبهًا بقيادة متعددة الأقطاب ولكن مفلسة ومنهكة وبحصيلة عمل ما زالت حتى الآن «محصورة في خانة الصفر».

 

 

جميل مطر

كاتب ومفكر مصري

 

 

شاهد مقالات جميل مطر