تلطيخ وتبييض

الجمعة, 18 مايو 2012 01:39

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة

من عجائب السياسة الأردنية، ما ينقل عن هيئتين معنيتين بمكافحة الفساد هما مجلس النواب وهيئة مكافحة الفساد. فبعد هجوم عنيف من رئيس الهيئة قال فيه إن مجلس النواب تحول لمحامي دفاع عن قضايا الفساد، يقول رئيس مجلس النواب في مؤتمر صحفي إن رئيس الهيئة اتصل به معتذرا وطلب اعتبار قوله ذاك "زلة لسان" وحديثا انفعاليا ردا على اتهام سابق لبعض النواب للهيئة بأنها تقوم بتبييض قضايا الفساد.. وهو ما لم ينفه أو يؤكده رئيس الهيئة، مع أن النفي والتأكيد يتأهلان لوصف "المصيبة والمصيبة الأعظم"!!

 

ولكن القضية ليست أيهما الصادق هنا، القضية هي مصداقية بل وكامل شرعية مجلس النواب والهيئة. فالمجلس مزور باعتراف من زوّروه، ثم حصّن من الحل في تعديلات دستورية أعادت ربط حله باستقالة الحكومة التي تنسب الحل خلال أسبوع، كما كان النص في الدستور الأصل. ولجنة التعديلات الملكية ضمت ذات رجال النظام المعروفين تاريخيا كفاعلين أو واجهات لجملة تعديلات على الدستور في الفترة العرفية، منها ما أتاح إلغاء الحياة النيابية.

وهذا التحصين الجزئي ليس إصلاحا، فقد سبقه تحصين متصاعد للمجالس النيابية من أي تمثيل للشعب أوصلنا للمجلس الذي قامت انتفاضة الربيع العربي بطلب حله، وأسماه الأردنيون في مسيراتهم في كافة المحافظات، مجلس اﻟ"111 جبان"، وحتم سابقة رشقه بالبيض الفاسد مرتين.. وطلب الحل مستمر ونعوت المجلس تتوالى، ومنها "مجلس البلطجية" و"محمص النواب" و"مصبغة النواب".. ما حدا برئيس هيئة اختلقت لتحصين الفساد باعتراض قضاياه لفلترة وصولها للقضاء كما للنواب (الفلتر الثاني دون القضاء) أن ينفعل من اتهام هكذا مجلس له بالانفراد "بتبييض" الفساد، فيرد التهمة بأحسن منها.. واعتذار رئيس الهيئة لا يزيد عن كونه تبادل محاولات "تبييض" للمجلس وللهيئة.

فالهيئة أيضا أدينت من داخلها حين قدم نائب رئيسها استقالته وأعلن أنها لكون الهيئة تمتنع عن مكافحة الفساد، موردا قولا لرئيسها الحالي يؤكد ذلك. وحديثا تم توقيف واحدة من عضوات الهيئة الذين منحوا "حصانة قضائية"، بعد رفع الحصانة عنها لتهمة فساد كبرى تمت باستغلالها منصبها، ومعها نائب أمين عمان(رئيس بلديتها) المزعوم انتخابه بعكس الأمين المعين هو ونصف أعضاء مجلس الأمانة في خرق قانوني للدستور. الأعجب مبرر الحكومات ومن معها من نواب أقروا هكذا قانون تعيين لبلدية عمان (أغلبهم أعيدوا للمجالس المزورة وأصبحوا يسمون " نوابا أقطابا ومخضرمين") بأن "أمانة عمان موازنتها ضخمة"! مع أن موازنة الدولة تقر من مجلس نواب منتخب ولو زعما. وتفجر ملفات فساد "الأمانة" حتم لحينه اعتقال "الأمين" ونائبه، وآخرين من أعضاء مجلس الأمانة وعضوة هيئة مكافحة فساد لا أقل.

وقع الحراك هنا واضح، ليس فقط في توسل المجلس والهيئة للشعبية بمهاجمة كل منهما الآخر، أو بمحاولة أي منهما تقديم أمين عمان ومجلس الأمانة أكباش فداء عن بقية الفاسدين الذين أتوا بالكل تعيينا وتزويرا.. وهي المحاولة التي تمثلت في بضعة خطابات نيابية شارك فيها نواب فاسدون يعود فسادهم لذات الأمانة، فزادت عليهم الهيئة (قبل الربيع الأردني) باستدعاء الأمين السابق للتحقيق المكتوم.. ولكن انتشر خبر تدخل جهة عليا لتقول لرئيس الهيئة: أمين عمان معنا فلا تقربه! وانتشار الخبر أجل تنفيذ إقالة رئيس الهيئة السابق، ولكن ضغط الشارع أدى لاعتقال الأمين منذ أشهر، دون سير ملحوظ في القضايا المثارة ضده.

لهذا ختم رئيس مجلس النواب، الذي سبق وشارك في الهجوم على الحراك، أقواله ليس فقط بأنه يحظى بتقدير الهيئة، بل بإعلان انه مع الحراك، والأهم بأن الحراك " معه " وفيه من "يصوتون له".. أمر كان يحتم عليه أن لا يطلق وعوده في ذات حديثه بأن يقر مجلس النواب قانون الانتخاب المرفوض كليا من الحراك بكل تلاوينه وتحفظت عليه حتى الحكومة التي قدم باسمها في نص استقالتها، ومعه حزمة قوانين أخرى مرفوض زعم أنها "إصلاحية".. وهو وعد استباقي "غير دستوري" يكشف التزام المجلس بتمرير ما جيء به لأجله، وينظر إليه كتذكرة "تجديد" للنواب تأخذ من حيث أتت تذاكرهم السابقة..

يجري هذا في ظل إجماع محلي ودولي على أن منع تفجر الشارع الأردني هو بإجراء انتخابات نيابية نزيهة كليا، وتصد جاد للفساد.

 

 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل