شكرا آشتون.. ولكن ”لا” شكرا

الخميس, 01 مارس 2012 22:30

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة

تلقى الأردنيون بالتقدير والإعجاب تصريحات السيدة آشتون الشجاعة والنبيلة بشأن شعب مصر الشقيق وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي يجله الأردنيون كزعيم عربي.. وكانوا سيسعدون باستقبال السيدة آشتون باعتبارها ”صديقة شريفة“ للأردنيين، وليس بالضرورة ”خصما شريفا“، فلا خصومة للأردنيين مع دول الاتحاد الأوروبي.

 

أما الخصومة مع بريطانيا ”ومندوبيها السامين“ فهي شأن قديم، وإن اضطر الأردنيون لاستحضاره الآن ضمن محاولتهم الخروج من إرث ملكية مطلقة أورثها إياهم الانتداب البريطاني، لحالة ديمقراطية يحكم فيها الشعب الأردني نفسه بنفسه، كما الشعوب الأوروبية.

الأردنيون كانوا سيسعدون بلقاء السيدة آشتون، ولكنها اختطفت من المطار إلى البحر الميت من على هذا الجسر ”الفوقي“ المستحدث للقفز عن الأردن والأردنيين الذي يعبره مشاركو قمم يسوّق عبرها أردن آخر وأردنيون آخرون باتوا يصنّعون في ”خلوات“ ذلك البحر، ما جعله يستحق تسميته ”الميت“ بجدارة. ولا أدري أي من هذه ”المصنّعات“ التقته السيدة آشتون باسم حكومة أو مجتمع مدني أو ”أحزاب“ أردنية، في بلد يطالب لحينه بقانون أحزاب، وبحق ”الاجتماع“ ابتداء!!

شيء واحد مما سمعته السيدة آشتون يمكن التثنية عليه، وهو قول رئيس الحكومة أن ”التحديات الكبيرة التي يواجهها الأردن لا يعلم أحد حجمها أكثر من الأردنيين أنفسهم“.. وما عداه يتحفظون عليه، ويرفضون تحديدا ما قيل انه ”إصلاح“ استحق ”إشادة ودعم“ السيدة آشتون. فعلى سبيل العينة نورد مثالين مما أسمِي إصلاحات دستورية، وهو شأنٌ السيدة آشتون خبيرةٌ فيه لكون دستورنا مأخوذ عن العرف البريطاني.

ما اسمي ”محكمة دستورية“ أنشئت في التعديلات الأخيرة، هي محكمة يشكلها ويدعو لعقدها ويحدد الملك ما تنظره، ولا يملك الأردنيون حق الاحتكام إليها. في حين أنه قبل التعديل كان للمواطن حق اللجوء في الشأن الدستوري لمحكمة العدل العليا.. صحيح ان تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء عطلت تلك الأحكام، ولكن الفرصة ”النظرية“ كانت متوفرة. فيما النص على هيئة ”مستقلة“ تشرف على الانتخابات غير صحيح.. فالهيئة، حسب مسودة قانونها، تتبع الملك أيضا.

حساسية الأردنيين من ”دعم“ هكذا سياسات تستحضر العداء القديم مع الغرب بافتراض إصرار غربي عليه، وتصل أوجها حين يتخذ الدعم شكل منحة بسبعين مليون يورو تُجمع تعليقات القراء أنها ستذهب حيث ذهبت المنح السابقة وانها لن تكفي أصغر فاسد.. منحة ”قِط“ يربط بذيل قرضين يشكلان ”جملا“ بحجم سبعمائة مليون يورو.. فمن ”خوّل“ حكومة غير منتخبة لتراكم على كاهل أجيالنا القادمة أكثر من مليار دولار أخرى تضاف لمديونية تصاعدت لأكثر من الضعف في العقد الأخير، عقد ”الشراكة بين الأردن والاتحاد الأوروبي“؟؟!!

ولن نتطرق لتفاصيل العقد. ونكتفي بالتذكير بأنه في بدايته ”العقد“ كان لدى الأردن ميناء يطل به على بحار العالم، وكانت لديه ثروة هائلة من الفوسفات والبوتاس، وأراض نادرة على شاطئ البحر الميت وأخرى غنية بالمعادن والغابات و و.. كلها بيعت في ذلك العقد بأثمان بخسة في صفقات ترْشَح بالفساد، وأغلبها بيع لشركات اﻠ”أوف شور“ التي لا يُعرف مالكوها كون أسهمها ملك ”لحامليها“.. ومن سماسرة هذا البيع ظهر في الأردن أيضا مليونيرية يقارب تعداد ما ظهر في مصر، بل وظهر لدينا بضعة مليارديرات!!

السيدة آشتون قالت ”هذا بلدكم وهذه إصلاحاتكم ووظيفتنا دعم الدولة ودعم الإصلاح“.. ولكن ”البلد“ و”الدولة“، هي ابتداء أرض وشعب يملك السيادة عليه، والسيادة تتطلب أن يحكم الشعب نفسه بنفسه. في المقالتين السابقتين ومن على هذا المنبر، ساءلت الحكومة عن منح بالمليارات لم تدخل الموازنة، وعن بيوعات قامت بها حكومات سابقة لصالح شركاتها (الكهرباء كعينة) وجنت من إعادة بيعها مئات الملايين، وعن قروض استدانتها باسم الشعب.. وبدل ان تجيب الحكومة على أي من هذا، أرسلت فواتير الكهرباء المرفوعة سرا لتسديد أرباح رجال تلك الحكومات وقروضهم.. ولو تلفتت السيدة آشتون وراءها وهي تغادر الأردن لرأت احتجاجات فواتير الكهرباء تنذر بعصيان مدني يفتح كل تلك الملفات. عنوان الاحتجاجات ”لن ندفع“، وهي تشمل كل ما بيع وما اقترض باسمنا.

نحن أيضا أغنياء كمصر، ودعمنا يكون بدعم استردادنا لحقوقنا الإنسانية والسياسية ولثرواتنا.. وقبل توريط الأوروبيين لأنفسهم فيما لا يصلنا من معونات وما لا يمكننا سداده من قروض نقول: شكرا.. ولكن ”لا“ شكرا.

 

 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل