مناقصة أمريكية لشراء الانتفاضات العربية

الأربعاء, 22 فبراير 2012 00:20

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

 

بدأ العام الماضي حاملاً معه مفاجأة كبرى لم تتوقعها المخابرات الأمريكية، تمثلت في الانتفاضة التونسية التي أسقطت نظام زين العابدين بن علي . ارتبكت واشنطن إزاء الحدث المفاجئ وغير المتوقع، وزاد ارتباكها عندما لحقت مصر بتونس، ثم كرت السبحة . في النهاية، وبعد تردد، استقرت واشنطن على قرار لفظي لم تجد منه بد، يقضي بوقوفها إلى جانب الشعوب العربية المنتفضة على حكامها وأنظمتهم الديكتاتورية . كان الأمر واضحاً منذ اللحظة الأولى، وانطوى على محاولة أمريكية لاحتواء وتطويع هذه الانتفاضات حتى لا تخرج الأنظمة الجديدة وحكامها الجدد عن السيطرة الأمريكية، واتضح هدف هذه المحاولة بشكل جلي في الأشهر الأخيرة . كانت الشعوب العربية المنتفضة، خصوصاً في ليبيا واليمن، ثم في سوريا، في أوضاع جعلتها بحاجة ماسة إلى أي موقف مؤيد يأتي من الخارج، بسبب عدم التكافؤ بين الانتفاضات السلمية وأجهزة القمع التابعة للأنظمة المصرة على عدم التخلي عن الحكم، وهو ما أساء جملة وتفصيلاً إلى الانتفاضات وحركات المعارضة في هذه البلدان، حيث كان “التأييد” الأمريكي، وكذلك الأوروبي، مدعاة ومبرراً للتشكيك فيهما وفي مآلات هذه الانتفاضات، إذ لم يسمع أحد على مدار أكثر من ستين عاماً من تزعم الولايات المتحدة للغرب الاستعماري أنها ساندت شعباً مطالباً بالحرية، أو وقفت إلى جانب قضية عادلة من قضايا الشعوب، خصوصاً ما اتصل منها بالعرب .

 

وقبل أيام، عرضت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما موازنتها للعام ،2013 التي يبدأ العمل بها في أول أكتوبر/ تشرين الأول 2012 بعد أن يوافق عليها الكونغرس، والتي اشتملت على إنشاء صندوق بمبلغ (770) مليون دولار يخصص لدعم “الإصلاحات” التي ترافقت مع “الربيع العربي” في الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا . وقالت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان، إن موازنة هذا الصندوق الذي أطلق عليه اسم “صندوق التحفيز للشرق الأوسط وشمالي إفريقيا”، ستقتطع من موازنة وزارة الخارجية الأمريكية للتنمية الدولية (يو إس أيد) البالغة 6،51 مليار دولار . وذكر البيان أن الهدف من هذا الصندوق هو تقديم “رد استراتيجي على التغيرات التاريخية الجارية في المنطقة، وتشجيع الإصلاحات طويلة الأمد على المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية، عبر دعم الحكومات التي تظهر التزاماً بإحداث تغييرات مهمة وإعطاء السلطة للشعب” . وأوضح مسؤولون أمريكيون رفضوا الكشف عن هوياتهم، أن الصندوق يمكن أن يخصص لدول مثل سوريا واليمن وتونس والمغرب . في الوقت نفسه، أعلنت الخارجية الأمريكية أن المساعدة العسكرية لمصر البالغة 3 .1 مليار دولار ستبقى قائمة، لكنها أشارت إلى أنه سيجري تقييم لهذه المساعدة خلال السنة الجارية . وقالت المتحدثة باسم الخارجية فيكتوريا نولاند، إنه سيكون على وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التأكد من أن مصر تتقدم نحو الديمقراطية .

إن قراءة في البيان المقتضب الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية يفضح بسهولة الأغراض الحقيقية من هذا “التأييد” الأمريكي، حيث لا يزيد على كونه “رداً استراتيجياً على التغيرات التاريخية الجارية في المنطقة”، كما يقول البيان، ولن يغير من ذلك الفائض من الكلام عن “تشجيع الإصلاحات وإعطاء السلطة للشعب” . فالإصلاحات في المفهوم الأمريكي لا تعني أكثر من “تحسين” صورة الأنظمة القديمة وبما يحافظ على المصالح الأمريكية في هذه البلدان وفي المنطقة، والمصالح الأمريكية، كما يعرف الجميع، هي مصالح تتناقض تماماً مع مصالح الشعوب المعنية . لقد كانت الولايات المتحدة لعقودٍ راعيةً للأنظمة الساقطة، والتي هي في طريقها إلى السقوط، وراضية ومدافعة عنها، ولم يكن في ذلك أية مصالح للشعوب، ولم يكن لهذه الشعوب أية حصة في السلطة . فكيف حصل هذا الانقلاب في الموقف الأمريكي؟ وهل كان سيحصل لو لم تعد هناك فائدة من التمسك بهذه الأنظمة؟ إن هذا يفضح معنى “الرد الاستراتيجي” الذي تحدث عنه بيان الخارجية الأمريكية، وهو على وجه التحديد منع التغيير الذي بدأ في البلدان العربية المقصودة من أن يحقق أهدافه الحقيقية التي سالت الدماء غزيرة من أجلها . و”المسؤولون الأمريكيون” الذين لم يكشفوا عن هوياتهم، أكملوا الكشف عن الحقيقة عندما ذكروا أن أموال “الصندوق” الأمريكي مخصصة لتونس واليمن وسوريا والمغرب . والأكثر دلالة لعله ما جاء على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند عن مصر، من ضرورة أن تتأكد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من أن مصر “تتقدم نحو الديمقراطية”، حتى تظل المساعدة المخصصة لها قائمة . فالديمقراطية التي تقصدها نولاند وإدارتها هي تلك التي تبقي مصر في إطار السياسة الأمريكية، خصوصاً في علاقاتها مع الكيان الصهيوني واتفاقياتها معه .

إن الناظر إلى الجهود الأمريكية في “تأييد” انتفاضة الشعب اليمني وكذلك الشعب المصري، يلاحظ أنهما أديا إلى وضع يجعلهما لايزالان على مفترق طرق، بعضها يمكن أن يعيدهما إلى ما قبل الانتفاضتين العظيمتين . أما في ليبيا، فالوضع أخطر، وفي سوريا أكثر خطورة . وحتى في تونس، لايزال الوضع بحاجة إلى جهود كبيرة لتستطيع الهرب من الأحابيل الأمريكية . هكذا تعرض واشنطن مناقصة لشراء الانتفاضات العربية بهدف إجهاضها واحتوائها لتحصل على أكبر الأرباح، وهي لا تراها تساوي أكثر من (770) مليون دولار! ثمن أمريكي بخس تعرضه الإدارة الأمريكية، يدل على عقلية استعمارية تعتقد أن كل شيء قابل للبيع والشراء . لكن الشعوب العربية لن تبيع مصيرها وحريتها بعد اليوم، مهما كلف الأمر وتطلّب الثمن .

 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق