لا أدري تحديداً كم من المرات تردد الحديث عن ضربة عسكرية إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية. في كل مرة كانت تصدر تهديدات صريحة أو مبطنة من مسؤولين إسرائيليين وعسكريين بهذا المعنى، مع عدد من المؤشرات يدل على جدية تهديدهم، وتتسابق أجهزة الاستخبارات والدوائر السياسية والإعلامية في التنبؤ بتوقيت الضربة ثم تنتهي الأمور دوماً إلى لا شيء. الحجة الإسرائيلية في الحديث عن ضرب المنشآت النووية الإيرانية أن إيران باتت على شفا إنتاج قنبلة نووية وربما أكثر، مما يهدد أمن إسرائيل بل وبقاءها طالما أن إيران تناصبها العداء على النحو الذي نعرفه جميعاً، ومن هنا وجب إجهاض المشروع النووي الإيراني قبل أن يزود إيران بقدرة الردع.
وقد تكرر هذا الحديث مجدداً في الآونة الأخيرة عن ضربة عسكرية قادمة محتملة تقوم بها إسرائيل ضد المنشآت النووية الإيرانية، فتارة تطلق التهديدات على نحو مباشر، وتارة أخرى على نحو غير مباشر. ومن ناحية أخرى بدرت تصرفات عن الحكومة الإسرائيلية معززة لمناخ توجيه الضربة، فقد زودت الخارجية الإسرائيلية على سبيل المثال الدبلوماسيين في السفارات الأجنبية وعائلاتهم بأقنعة واقية من الغاز، كما أعدت خطط طوارئ لإجلائهم هم وأسرهم من إسرائيل إذا تعرضت لهجوم خارجي. ولا ينفي هذا وجود بعض الأصوات العاقلة في إسرائيل في هذا الصدد كما في تصريحات الرئيس السابق للموساد الذي اعتبر أن الدولة العبرية لا تواجه خطراً وجوديّاً، ودعا رئيس الوزراء إلى "عدم الإذعان لضغوط سياسية فيما يتخذ من قرارات مصيرية مثل تنفيذ تدبير ضد إيران".
ما هو وجه الحقيقة في هذا كله؟ الواقع أن "مبادئ" العلاقات الدولية تسعفنا على الفور في هذا الصدد. فالطالب المبتدئ يدرس في هذا السياق فكرة "الردع"، وتعني إطلاق التهديدات المستندة إلى قاعدة قوة حقيقية، وتوجه هذه التهديدات إلى الخصم كي يعدل سلوكه الذي من شأنه أن يضر بمصالح "المهدِّد" (بكسر الدال)، ولكي يخشى الخصم التهديد أكثر ويتصرف على النحو الذي يرضي "المهدِّد" فإن الأخير يرفق بتهديداته أفعالاً يحاول بها إثبات جديته، وتسير هذه الأفعال في طريق الإيهام بأن مطلق التهديدات فاعل غير رشيد لا تعنيه العواقب، ومن ثم فمن الأفضل الخضوع لتهديداته. وبمطابقة هذا على الموقف الإسرائيلي سواءً في هذه المرة أو المرات السابقة سنجد أنه تطبيق حرفي لأفكار "التهديد" و"الردع"، ويحقق التهديد لمطلقي التهديدات ميزة إحداث التغير المطلوب في سلوك الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة.
ومن المزايا التحليلية لهذه الفكرة أنها تنبهنا إلى أن "المهدِّد" (بكسر الدال) لن ينفذ تهديده، لأنه لو كان جاداً في تنفيذه فلماذا يفضح خططه أمام الجميع وبينهم وفي المقدمة منهم خصمه، وينبهه إلى أن الضربة قادمة لا محالة، وبالتالي يتحسب الخصم لذلك بأقصى استعداد ممكن وأقصى يقظة ممكنة، بينما من يريد أن يوجه ضربة فعلاً يتحرى تحقيق "المفاجأة الاستراتيجية" في هذا الصدد، بمعنى مباغتة خصمه بالهجوم عليه وهو في أدنى درجة استعداد ممكنة، وفي بعض الأحيان الإيهام بأن الحلول السياسية قادمة في الطريق على النحو الذي يزيد عدم تنبه الخصم. وهكذا تآمرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بليل ضد مصر في أعقاب تأميم شركة قناة السويس 1956، وكانت خطة الدول الثلاث سرية حتى على المؤسسات السياسية والدستورية فيها، وهكذا أيضاً بادرت الولايات المتحدة في 1967 بخطوات تعطي انطباعاً بأن تسوية الأزمة الإسرائيلية- العربية قادمة في الطريق بينما كان العدوان الإسرائيلي وتوقيته قد تقررا بالفعل... وهكذا.
وهنا يثور السؤال: لماذا تقدم إسرائيل إذن على هذا التهديد وقادتها السياسيون والعسكريون يعرفون بكل تأكيد المبادئ الأولية السابقة عن أفكار "التهديد" و"الردع" وما إلى ذلك؟ وخاصة أن من المعروف أن الوظيفة الأساسية للسلاح النووي تتحقق من خلال الردع وليس الاستخدام الفعلي. هكذا أشارت الخبرة السوفيتية- الأميركية إبان الحرب الباردة، وكذلك الخبرة الهندية- الباكستانية في أعقاب توصل الهند وباكستان إلى إنتاج سلاح نووي، ولابد أن إسرائيل تعرف أيضاً أن عداء إيران لها المبالَغ في التعبير عنه لفظيّاً لن يدفع إيران إلى استخدام سلاحها النووي ضد إسرائيل أو غيرها إن تمكنت من التوصل إليه، وإنما ستكون الوظيفة الأساسية لهذا السلاح هي ردع إسرائيل عن الهجوم على إيران. فلماذا إذن تقدم بين حين وآخر على هذه التهديدات التي لا تنفذ؟ لاشك أن الغرض الأساسي منها هو الأمل في تخويف إيران فإن لم يحدث ذلك تكون الوظيفة الأساسية لهذه التهديدات هي حشد التأييد الدولي لإسرائيل ضد إيران عن طريق التأكيد على أنها باتت تهدد السلم العالمي ومن ثم لابد من وأد تجربتها النووية، فإن لم يكن هذا ممكناً على الصعيد العسكري فليكن بتشديد العقوبات على إيران، وهذا هو المكسب الحقيقي الذي يمكن أن يتحقق لإسرائيل من تهديد إيران.
ويعزز التحليل السابق أن المواقف الدولية لا تبدو متحمسة على الإطلاق لتوجيه هذه الضربة، وأقصى تأييد لإسرائيل في هذا الصدد مصدره الإدارة الأميركية بطبيعة الحال، ويتمثل هذا التأييد في الاتفاق مع إسرائيل على أن إيران تمثل خطراً داهماً، ولذلك يجب منعها من امتلاك سلاح نووي بأي ثمن، ولكن الإدارة الأميركية لا تبدو مؤيدة للضربة الإسرائيلية العسكرية، وإن كانت لا تستبعدها من الخيارات المتاحة، وسبب الموقف الأميركي معروف، وهو أن أي إخفاق لإسرائيل في توجيه ضربتها سيعود بأقصى الضرر على الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج، وكذلك سيسبب للولايات المتحدة مصاعب اقتصادية مؤكدة إذا أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه ثلث النفط المنقول بحراً في العالم، ناهيك عن أننا نتحدث في سنة انتخابات الرئاسة الأميركية التي لا تحتمل أية مغامرة فاشلة من قبل الإدارة الأميركية. ومن ناحية أخرى تقف باقي القوى الغربية -وبالذات فرنسا- ضد توجيه ضربة عسكرية لإيران، وتعتبر مثل هذه الضربة كارثة، وتدعو في الوقت نفسه إلى تعزيز العقوبات على إيران كبديل.
والآن لنفترض أن إسرائيل قد تصرفت على نحو غير رشيد، وأقدمت على ضرب المنشآت النووية الإيرانية. هنا ستكون الكارثة الحقيقية لأن إيران يجب أن ترد. صحيح أن القوة العسكرية الإيرانية لم توضع في اختبار جدي منذ الحرب العراقية- الإيرانية، ولكن حداً أدنى من القدرة العسكرية على الرد متوافر لديها بكل تأكيد، وقادر على إلحاق ضرر جسيم بالمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، بالإضافة إلى أن خطوة إغلاق مضيق هرمز ستكون ممكنة بسهولة. والغريب أنه يفترض أننا نحن العرب نمثل الطرف الأكثر تضرراً من هذه الضربة. فمن الصحيح أن تحول إيران إلى دولة نووية ستكون له عواقبه الوخيمة على ميزان القوى في المنطقة لغير صالح العرب، كما أن الضربة الإسرائيلية ستكون لها تداعياتها الخطيرة علينا لأن المنطقة ستتحول كلها إلى ساحة للنزال العسكري الذي لابد أن يصيبنا منه ضرر كبير، ولذلك فإن حديث الضربة العسكرية الإسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية يجب أن يحظى باهتمام العرب، واضطلاعهم بدور يوجه الأمور في منطقة الخليج لما يحقق مصالحهم، ويصون أمنهم، ويحمي مستقبلهم.
| < السابق | التالي > |
|---|







Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










