قبل أن يذهب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للقاء خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الدوحة، كان قد خرج للتو من تجربة مفاوضات جديدة فاشلة مع الوفد التفاوضي “الإسرائيلي” في العاصمة الأردنية عمان . فقد تأكد، للمرة الألف، أن “إسرائيل” سواء أكانت ليكودية أم غير ليكودية،
غير عازمة على توقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين إلا بشروطها هي وأبرزها بالطبع، الاعتراف الفلسطيني والعربي ب “إسرائيل” دولةً يهودية بكل ما يعنيه ذلك من أهداف “إسرائيلية”، والاعتراف بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لهذه الدولة اليهودية، والاعتراف بحدود “إسرائيل” ضمن الإطار الراهن الموجود فيه الجدار العنصري العازل، ما يعني أن كل الكتل الاستيطانية الصهيونية التي أقيمت في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة أصبحت، أو يجب أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من أرض “إسرائيل”، ليس هذا فقط، بل يجب أيضاً منح “إسرائيل” كل الحق في فرض شروطها الأمنية، وأولها السيطرة على غور الأردن كاملاً للفصل بين الكيان الفلسطيني المزمع والمملكة الأردنية . بنيامين نتنياهو كان قد أعلن خلال زيارته مؤخراً إلى غور الأردن، أن “هذه هي الحدود الأمنية الشرقية”، وثانيها، تجريد مناطق الدولة الفلسطينية من أي قدرات عسكرية والسيطرة على أجوائها، ومنعها من عقد أيّ اتفاقيات معادية ل “إسرائيل” أو مع أي دولة معادية ل “إسرائيل” .
أبو مازن ذهب إلى الدوحة وهو مدرك تماماً لذلك، ومدرك أيضاً الالتزامات التي تم التوافق عليها مع الفصائل الفلسطينية الأخرى في القاهرة، وبالتحديد المعالم الأساسية للمصالحة الفلسطينية، وعلى الأخص ما يتعلق بتشكيل حكومة وفاق وطني، وإجراء انتخابات المجلس التشريعي للسلطة والمجلس الوطني الفلسطيني، وإعادة توحيد الأجهزة الأمنية في قطاع غزة والضفة، وحل ملف الاعتقال السياسي، وانخراط حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في “الهيئة القيادية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية التي نَص على تشكيلها في مارس/آذار 2005 وحدد مهمتها بتطوير وتفعيل مؤسسات المنظمة وتنظيم علاقتها مع مؤسسات السلطة الفلسطينية . ذهب أبو مازن إلى الدوحة للقاء مشعل وهو مدرك لهذا كله، ومدرك أيضاً أمرين:
* أولهما: أنه “محمود عباس ومعه “السلطة الفلسطينية، قد خسر كثيراً بسقوط نظام حسني مبارك في مصر الذي كان يشكل أهم أوراق الضغط على حركة “حماس”، وكان هذا يُعدّ أهم أوراق ضغط أبو مازن على حركة “حماس”، وأن خسارة ذلك صب في خانة حركة “حماس”، وهذا يفرض الوعي بكل ما حدث من تحولات جديدة في موازين القوى بين الطرفين بسبب ما يموج على الساحة العربية من ثورات وتطورات واضطرابات .
* ثانيهما: أن حركة “حماس” وخالد مشعل شخصياً، خسرا كثيراً من كل ما يحدث في سوريا، وأن وصول مشعل إلى مرحلة الإعلان أنه غير عازم على التجديد لنفسه رئيساً للمكتب السياسي لحركة “حماس”، سواء كان ذلك بسبب قانوني وهو أنه قد استنفد المدتين المحددتين لذلك، أو أنه لم يعد يشعر بأنه قادر على مواجهة ما بات متأصلاً من خلافات وانقسامات داخل حركته حول مسائل كثيرة من بينها القبول بالتجديد له مرة ثالثة لرئاسة المكتب السياسي .
هذه الانتقادات تتجاوز ما هو مؤكد من تأصيل وتعميق غير مسبوق للتفرد والديكتاتورية والشخصانية، حيث سيصبح محمود عباس رئيساً للسلطة، ورئيساً للدولة الفلسطينية، ورئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيساً للجنة المركزية لحركة “فتح”، وقائداً للقوات المسلحة الفلسطينية، وأخيراً رئيساً للحكومة . وإذا كان أبو مازن قد أعلن قبل مغادرته الدوحة أنه لن يرشح نفسه مجدداً لرئاسة السلطة الفلسطينية في أية انتخابات مقبلة، فإن عقبة دستورية مازالت قائمة الآن بحكم كونه مازال رئيساً للسلطة حيث إن المجلس التشريعي فصل العام 2003 بين رئاسة الوزراء ورئاسة السلطة الفلسطينية، والعودة عن هذا القانون يتطلب صدور قانون جديد بموافقة ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، وهذا النصاب قد يصعب توفيره الآن بسبب وجود عدد كبير من النواب في سجون الاعتقال “الإسرئيلية” .
هناك أسباب أخرى أكثر موضوعية تهدد فرص نجاح هذا التوافق يأتي في مقدمتها ما أكده عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” مسؤول ملف المصالحة، وأبرز مساعدي أبو مازن، بأن الحكومة المقبلة المتوقع إعلانها خلال أيام في القاهرة - ربما يوم 28 فبراير/شباط الجاري، ستلتزم بمبادئ اللجنة الرباعية الدولية التي تنص أساساً على الاعتراف بالكيان الصهيوني، ونبذ العنف “أي التخلي عن خيار المقاومة”، معتبراً أن التزام هذه الحكومة مسبقاً بتلك الشروط ورئاسة محمود عباس للحكومة، سيسحب أهم ورقة من يد “إسرائيل” وأمريكا، وهي اشتراطهما موافقة أي حكومة فلسطينية على شروط “الرباعية”، “أي لن يكون هناك مبرر للحديث عن شروط الرباعية” .
لو أضفنا إلى هذا كله المشكلات والمعطيات التي سوف تعرقل دمج وتوحيد الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة رام الله والتابعة لحكومة “حماس” في قطاع غزة، والتحديات “الإسرائيلية” والأمريكية التي تنتظر الحكومة الجديدة، لتأكد أن هناك تحديات حقيقية تواجه إعلان الدوحة، لكن يبقى الأمل في صدق النوايا والمراهنة على إدراك الجميع خطورة ما يتهدد الشعب الفلسطيني وقضيته هو الرهان الباقي للتعويل على هذا الإعلان.
| < السابق | التالي > |
|---|







Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










