يبدو أن العديد من القوى السياسية التي خرجت من رحم ما يسمى “الربيع العربي” أو ركبت موجته وحملت سيوف التغيير، وتسعى لتشكيل واقع سياسي جديد في دولها بعد وصولها إلى السلطة، أو تلك التي تحاول الوصول، بدأت في تبديل وجهة سيرها بالانقلاب على أدبياتها ونهجها وشعاراتها وسياساتها التي كانت تصدح بها يوم كانت في صفوف المعارضة، أو تعمل سراً تحت الأرض أو في المنافي.
اللافت أن معظم هذه المعارضات، أكانت بدأت ممارسة السلطة، أو ما زالت تحاول الوصول إليها، كانت قد بنت وجودها وحيثياتها وشعبيتها على مبادئ وشعارات ترفض الأنظمة الشمولية والاستبداد والتسلط، وتدعو للحرية والديمقراطية والتعددية وتداول السلطة، وكانت المواقف القومية تشكل ركيزة من ركائز مبادئها، مثل الدعم المطلق للشعب الفلسطيني في صراعه مع “إسرائيل” ورفض المساومة على الحق الفلسطيني أو التفريط به، ودعم المقاومة ورفض التنازلات والمعاهدات الجائرة التي أبرمت مع العدو الصهيوني، وكل أشكال التدخلات الأجنبية، وخصوصاً الأمريكية منها في الشؤون العربية، أو الارتهان للخارج أو املاءاته، أو القبول بالمساعدات المشروطة.. وطبعاً كانت مسألة تحرير الأرض العربية المحتلة تتصدر أدبيات ومواقف كل هذه القوى، وذلك تأكيداً للترابط بين ما هو وطني وما هو قومي.
بعد أكثر من سنة على بدء “الربيع العربي”، وتولي بعض هذه القوى للسلطة في بلدانها (تونس، مصر، ليبيا، والمغرب)، وتلك التي مازالت تحاول (اليمن وسوريا)، نلحظ صورة مغايرة، وتعديلاً في المواقف والبرامج والأدبيات، إذ تم تغييب معظم القضايا القومية المتعلقة بالصراع مع العدو الصهيوني، وأيضاً مسألة التدخل الأجنبي أو الارتهان للخارج، بحيث بدا أن هناك انفصاماً بين ”مبادئ المعارضة“ و”مبادئ السلطة“، وكأن ما كان يقال أيام المعارضة كان للاستهلاك ولا يعبّر عن قناعة أو التزام، وما يقال وما يوضع على الرف وهي في السلطة يمثل الحقيقة.
بعض القوى التي قطفت ثمار “الربيع العربي” من دون عناء كانت ترفض مثلاً تسمية “النظام المصري” أو “نظام مبارك”، بل كانت تصفه ﺒ”نظام كامب ديفيد” لتأكيد رفضها اتفاقات كامب ديفيد التي فرطّت بالحقوق المصرية والعربية وازدراء لما فعله النظام، كما كانت تعتبر بيع الغاز المصري للكيان الصهيوني خيانة.
الآن، تبدو الصورة مغايرة تماماً، فاتفاقيات كامب ديفيد صارت مسألة فيها نظر، وليست قضية عاجلة، والتسوية السياسية مع “إسرائيل” ممكنة، والتدخل الأجنبي لم يعد محرماً أو مرفوضاً، والحقوق الفلسطينية والصراع مع العدو “الإسرائيلي” واحتلال الأرض العربية أسقطت من أجندات هذه القوى والأحزاب، وذلك واضح من خلال تصريحات متعددة أطلقها بعض زعماء هذه المعارضات بهذا الخصوص، وبعضها كان لوسائل إعلام “إسرائيلية”، ربما من باب تأكيد “حسن النوايا” و”الواقعية الجديدة”.
بل أكثر من ذلك، فإن هذه “المعارضات” التي أصبحت حاكمة الآن، باتت ملتزمة باقتصاد السوق وفتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية، و”الدولة المدنية” بديلاً ل”الدولة الإسلامية”.
فماذا جرى يا ترى ما أدى إلى هذا “الانقلاب” في السياسات والمبادئ والمفاهيم والأفكار؟
من يتابع مسار الاتصالات والمحادثات التي جرت وتجري منذ سنوات، وحتى الآن، بين هذه “المعارضات” والدول الغربية، وخصوصاً مع الولايات المتحدة عبر سفرائها ومسؤولي مخابراتها هنا وهناك، يرصد جملة من المواقف أدت إلى “تدجين” هذه “المعارضات” وقبولها بسلسلة من الشروط التي تؤهلها للحكم وتحظى بالقبول الغربي، ومن بين هذه الشروط: الديمقراطية والتعددية وتبادل السلطة ونبذ التطرف والإرهاب والمشاركة في محاصرته، وقيام “دولة مدنية” بدلاً من “الدولة الإسلامية”.. والأهم وضع مسألة الصراع مع “إسرائيل” على الرّف وعدم ايلائها الأولوية، والقبول بالأمر الواقع من خلال البحث عن تسوية سياسية.
من الواضح، أن المطلوب هو “تدجين” هذه “المعارضات” التي وصلت إلى السلطة أو التي يجري التخطيط لوصولها، من خلال اعتماد “النموذج التركي”، وخلق شرق أوسط جديد يمثل “الإسلاميون المعتدلون” فيه حالة قادرة على الامتثال للسياسات الغربية، وعلى ضمان الاستقرار في المنطقة.
هل هذه هي مخاضات “الربيع العربي”؟ وهل هذا ما يريده المواطن العربي؟
بالتأكيد لا.. إنها مجرد بداية لمخاضات أخرى قد تأخذ مسارات مختلفة، لأن الثورة ليست عملية تغيير آنية أو ترقيع، هي تغيير متواصل في البنى والهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.. وهذا يحتاج إلى وقت ومعاناة.
ومن يركب موجة الثورة ويقطف ثمارها في مرحلة، لا يعني أن الثورة انتهت عنده، أو أمسك بزمامها.. بل قد يتحول إلى ضحيتها مع استمرار نضوجها
*******
ibrahimmerhi@hotmail.com
محمد كيم
said:
| عند قراءة اية ظاهرة طبيعية نجد هناك الشيء وضده وكذلك في الظواهر الاجتماعية فعند قيام اية ثورة هناك ثورة مضادة وعند قيام اي ثورة مضادة يكون هناك ثورة وكل واحدة تملك ادواتها وبرامجها وامتدادات عالمية لها وعملية صناعة الثوار في الغرف السوداء في امريكا والدول الرجعية هي احدى ادوات الثورة المضادة كثوار ليبيا وثوار سوريا انظر... انهم نسخة واحدة مطبوعة عليها " mad in ciA" | |
|
تقرير عن خطأ
صوّت ضد التعليق
صوّت مع التعليق
|
| < السابق | التالي > |
|---|







Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










