مصر تستكمل ثورتها

الثلاثاء, 31 يناير 2012 22:18

عبداللطيف مهنا

قضايا ومناقشات
طباعة

الهتاف بالدارجة المصرية، "دي مش حفلة.. هيَّ ثورة"، الذي تردد عالياً في مختلف ميادين تحرير محافظات مصر التسع عشرة، خلال إحياء الجماهير الشعبية مناسبة مرور عام على اندلاع ثورة 25 يناير، يعني بكل بساطة أن هذه المظاهرات المليونية لم تحتشد أو تسيَّر لمجرد الاحتفاء بمرور الذكرى

الأولى لاندلاع ثورتها، وإنما لإيصال رسالة هذه الجماهير المتظاهرة إلى كل من يهمه الأمر... رسالة توجّهها، بدايةً للأوصياء على الثورة، أو المجلس العسكري الحاكم بأمره، من جهة، والفائزين في الانتخابات التشريعية، أو السلطة الموعودة، والتي هي بعض مكتسباتها، من جهة أخرى، ثم للعرب، ومن بعدهم للعالم، بشقيه المتآمر والمتفرِّج، وإجمالاً، لهذه اللحظة التاريخية المصيرية التي تمر بها مصر وأمتها العربية، تقول للجميع، إنكم إزاء ثورة متجدِّدة، أو هي كما يقوله لكم شعارها الذي ترفعه لافتاتها "ثورة مستمرة"... ثورة حتى استكمال الثورة. حتى تتحقق كل أهدافها التي خطها بدمائهم في روزنامة عامها الأول مصريوها المضحَّون من أجل التغيير والطامحون لصناعة مصر المستقبل. أهدافها التي رسمها ورفعها وناضل وسيناضل من أجلها شبابها المعتصمون الآن في ميادينها، أو هؤلاء الذين بدوا بعد عام على تفجيرهم لها وكأنما هم وحدهم من باتوا يغردون خارج السرب أو من عزلوا عنه. أو هي مسيرة ثورية مازالت، كما يتندر المصريون، مجرد "سنة أولى ثورة".

 

جماهير ميدان التحرير الرئيسي، أو القاهري، وسائر ميادين التحرير الأخرى في أربع جنبات مصر، أكدت أنها لم تخرج في هذه المناسبة إلا لتؤكد على ما سبق، أي لم تخرج لاحتفال كرنفالي يحاول تنظيمه الأوصياء، ومعهم من هم في مقدمة الفائزين بالسلطة الموعودة، أو من أصبحوا قاب قوسين أو أدنى منها. ولعله في هذه المرة كان خروجاً مختلفاً، فكان محفزاً في بادئ تأثيره ومشجعاً لأن تخلفه دعوةً ﻠ"جمعة غضب ثانية"، بدا وكأنما هو كان بمثابة تحضير لها، والتي دعى إليها ستون حركة وحزباً...

لقد كانت، وكما أرادها الداعون لها وابتغاه مسيِّروها، مشاركةً شعبيةً واسعةً فاقت حشودها المليونية الزاحفة حشود "جمعة الغضب" السابقة لها، حيث شهدت قاهرة المعزّ وحدها عشرين مسيرة زاحفةً باتجاه ميدان التحرير لتصب فيه وتفيض منه لتملأ تلك الشوارع العديدة من حوله. كان من السائرين في شلالاتها المتدفقة، التي فاقت، وفق بعض التقديرات، المليونين، من ارتدوا أقنعةً تمثل تصاوير الشهداء الذين سقطوا على امتداد عام الثورة الأول. غاب شعار "الشعب والجيش يد واحدة". كانت الرسالة الجلية غير القابلة للتأويل، التي أرسلتها مصر للميادين التحريرية، أن لا من قوة أو عائق بقادر على الحؤول بين مصر 25 يناير واستكمال ثورة لا تريدها ناقصةً وتصُّر على تحقيق كامل أهدافها، وبالتالي كان إعلانا شعبيا صريحا دوَّى في كافة ميادين الخارطة المصرية بفشل فاقع للاحتفالية المراد لها رسمياً أن تكون مسك ختام الثورة ونهاية مشوارها مع بدء أول مكتسباتها المتمثل في بدء الحياة النيابية بانتظار وعد تسليم العسكر للسلطة... تبارى هذه المرة مع شعار "عيش. حرية. كرامة. عدالة اجتماعية" شعارات أخرى ارتقت إلى مصاف ما يشبه المسلمات، من مثل، القصاص، وسقوط كل من العسكر والإعلام الرسمي... شعارات يختصرها مطلب استرداد الثورة من الاتقاليين، وتعلن: الشارع هو الشرعية، ووحده هو مانحها وحاجبها...

لم يفلح المجلس العسكري، أو الوصي ثقيل الظل على مصر الراهن المائرة بتحولاتها العميقة، في محاولاته الرامية إلى التخفيف ما أمكن من زخم يوم الخامس من ينايروما يتوقع أن يتبعه من مستجدات في أيام تلحق على شاكلة " جمعة الغضب الثانية " قد تكون الحبلى بالتداعيات. الغى المجلس على أعتاب هذا اليوم قانون الطوارئ، وإن فرَّغ هذا الإلغاء من مضمونه باستثنائه ما دعاه "مواجهة البلطجية"، أو هذا العنوان الملتبس وحمَّال الأوجه، أو القابل عند الضرورة للمراد من التفسير المرغوب. أَّكَّد على التزامه بما دعاه "خطة تسليم السلطة" والعودة إلى الثكنات. وحيث لم تجد لا هذه ولا تلك من يقبضها في ميادين التحرير الغاضبة، أردفهما بوعد منه سوف لن يجد قطعه له فى جنبات الميادين الثائرة حظاً أوفر مصداقيةً منهما، وهو نية الكشف عما دعاه "حقائق ما قبل 25 يناير "التي كان قد ناور عاماً كاملاً لحجبها! أما الفائزون بالسلطة المرتجاة في الانتخابات، أو "المبشَّرون" باستلامها وفق ما تعد خطة التسليم العتيدة، فحاولوا من جانبهم ما استطاعوا الاحتفال بالذكرى التي مرت بعيداً عن مضامين هتافات جماهير ميادينها، لاسيما هتافها الأكبر الذي أشرنا اليه بدايةً، والذي يمكن ترجمته بالعربي الفصيح "الشعب يريد استكمال الثورة". عجزوا فيما حاولوه فالتحقوا مكرهين وعلى استحياء بالميادين وأهلها مكتفين بمشاركة خجولة تنبئ أكثر فأكثر بأن الشارع بعد حين لم يبق كما بدا سابقاً أنه شارعهم... والآن، هل وصلت رسالة ميادين الثورة، إلى سائر أطراف من يهمهم الأمر داخلاً وخارجاً؟

داخلاً، مصر 25 يناير ماضية باتجاه واحد لا غير، هو تحقيق كامل أهداف ثورتها، هذه التي قدمت من أجل انتصارها دماءً زكيةً للشهداء الذين سقطوا في ميادين الحرية من خيرة شبابها، وعليه، فعلى هذا الداخل التكيف مع هذه الحقيقة شاء من شاء وأبى من أبى...

أما الخارج، الغرب وإسرائيله وامتداداته بين ظهرانينا، فتآمره التليد، ليس على مصر فحسب وإنما على الأمة بكاملها، تاريخ مديد ولن يتوقف، لاسيما على قوى المقاومة ومراكز لممانعة وبؤر النهوض أينما وجدت وحيثما كانت في ربوعها... سيوالي محاولاته المستميتة سراً وعلناً للالتفاف على راهن الحالة الثورية التغييرية العربية ما استطاع بغية إجهاضها وحرفها وتشويهها وركوب موجاتها... في مصر العرب، يبقى الرد... "دي مش حفلة... هيَّ ثورة"!


 

عبداللطيف مهنا

فنان تشكيلي ـ شاعر ـ كاتب وصحفي

مواليد فلسطين ـ خان يونس 1946 مقيم في سورية

 

 

شاهد مقالات عبداللطيف مهنا