العرب والهاوية المقلوبة

الاثنين, 31 أكتوبر 2011 23:35

د. عبدالعزيز المقالح

قضايا ومناقشات
طباعة

 

منذ أيام أعجبتني عبارة جديدة قرأتها في إحدى المقالات، لم تكن عبارة شعرية، فحسب بل كانت واقعية أيضًا، وهي تقدم صورة مبتكرة تصلح لتكون التعبير الحقيقي والمثير عن الواقع العربي الراهن، والعبارة المشار إليها هي «الهاوية المقلوبة» وما تعطيه من صورة واقعية للهاوية التي وقعت فيها الأمة العربية دون أن تعي أنها وقعت وفي هاوية مقلوبة لا يمكن للفرد أو الجماعة أو الشعب الذي يقع فيها أن يصل إلى حضيض معين يستقر في قراره، وإنما يظل يتقلب ويتسكع في هاوية مفتوحة توهمه أنه في حالة بين الوقوع واللاوقوع، وتمنحه تصورًا خادعًا يعطيه إحساسًا ببقايا أمان كاذب لا يجعله يفكر في التخطيط لإيجاد وسيلة تمكنه من الخروج من الهاوية والبحث في جدرانها السميكة عن مكان هش يسهل عليه عبره الخلاص من قبضة الرعب وفقدان حالات التوازن.

 

الوطن العربي إذًا كله في هاوية، لكنّ أبناءه لم يدركوا ذلك تمامًا، لأن الهاوية مقلوبة ولأنهم في حالة فقدان للتوازن ولو لم يكن ذلك هو حالهم لكان عليهم أن يبحثوا عن أسباب النجاة بعيدًا عن الأوهام والتصورات البالية، ولكانت الحرية للجميع هدفهم المنشود، وكانت الديمقراطية بمعناها الإنساني الشامل وبمحتواها الصحيح غايتهم المثلى، ولا أشك في أن المتفائلين منهم كانوا عندما اقتربوا من حافة الهاوية يدركون أن الإيمان بالحرية للجميع هو طريق الخلاص الوحيد، وأن الرأي الواحد والحزب الواحد والانتماء الواحد والعقل الواحد لا يؤدي إلا إلى الهاوية سواء كانت هاوية مقلوبة أو غير مقلوبة.

وإذا كان التباين في الرأي والاختلاف في وجهات النظر وهما من قوانين الحياة النابضة بالحركة وتطبيق مبدأ الرأي والرأي الآخر، إذا كانا قد انحرفا في التطبيق العربي فذلك يعود إلى سوء الاستخدام والإفراط في تحويل التباين في وجهات النظر إلى خصومة وتحويل الاختلاف إلى خلاف وذلك بعض ما تصنعه الهاوية المقلوبة التي تجعل الواقعين فيها ينظرون إلى الأشياء مقلوبة، فالاختلاف يتحول إلى خلاف والتباين في الرأي يتحول إلى اختصام وعدوان، والخطر الدائم هو فيما ينتج عن ذلك من استبعاد كل إمكانيات الحوار والتعاطي الإيجابي مع كل ما يدعو إلى البحث السليم عن مخارج وطرق وحلول عاجلة لا تحتمل التأجيل والتسويف فضلاً على الحذر من الخارج مهما أبدى من أقوال ناعمة وأظهر من عواطف زائفة فانتكاس العرب ووقوعهم في مزيد من الانكسارات والانحدارات هو ما يتمناه الخارج - الخارج العولمي الاستعماري الجديد القديم- ويعمل من أجله.

ومن النافل القول إن الشعوب عندما تقع بإرادتها أو رغمًا عنها في الهاوية، والهاوية المقلوبة خاصة، فإنها لا تعود ترى الأشياء كما هي في الحقيقة والواقع، ولا تنظر إلى أحوالها ومشكلاتها نظرة فاحصة متأملة بل يهبط بها مناخ الهاوية إلى رؤى وتصورات لا علاقة لها بالواقع ولا بما يساعد على تخفيف حدة الانحدار وتهافت أساليب المعالجات السطحية، ولن يكون في مقدور العرب في المرحلة الراهنة وهم ينظرون إلى أوضاعهم المقلوبة من هاوية مقلوبة اختيار الموقف الصحيح سواء على المستوى المحلي، والقومي والدولي ما داموا في قبضة الهاوية، وفي قعرها، ومن الواضح أن كل محاولة هادفة إلى التصحيح - أي الطلوع من الهاوية- ينبغي أن تبدأ من تصحيح وضع الرؤية المقلوبة والنظر إلى الأشياء كما هي في وضعها الطبيعي وما يترتب على ذلك من مواقف عقلانية صادقة وخالصة لوجه الله والناس والأوطان، ومن رؤى صحيحة منطقية عقلانية، لا تحيل الصواب إلى خطأ والخطأ إلى صواب والأسود إلى أبيض، والأبيض إلى أسود، وهو ما عانت ولاتزال تعاني منه الأقطار العربية حتى في مُناخها الجديد وما رافقه من أحلام وأمانٍ واسعة.

 

د. عبدالعزيز المقالح

تعريف بالكاتب: كاتب وشاعر
جنسيته: يمني

 

 

شاهد مقالات د. عبدالعزيز المقالح