أمريكيون قلقون على مصر

الاثنين, 26 سبتمبر 2011 17:50

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

تطور الأمور في مصر، في جوانب منها، يقلق الجميع. أنصار مصر الثورة، من المصريين والعرب تقلقهم محاولات الالتفاف على الثورة والأهداف التي حددها الثوار، وأعداء مصر، وفي مقدمة هؤلاء الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤهما، يقلقهم إصرار قوى

الثورة على استمرارها والتمسك بأهدافها، ويأملون أن تنتهي الثورة فلا تمس مصالحهم في مصر والمنطقة. الجميع قلقون، وطبيعي أن يقلق الجميع.

 

نظام حسني مبارك لم يكن كنزاً أو “ذخراً لإسرائيل” وحدها، بل كان “ذخراً” للولايات المتحدة أيضاً، علماً أنه يكفي أن يكون “ذخراً” للأولى ليكون “ذخراً” للثانية. هذا ما أثبتته وتثبته أحداث ووقائع أكثر من ثلاثين عاماً حملت في طياتها كل الإنجازات التي تحققت للدولتين الحليفتين في المنطقة. قبل 25 يناير ،2011 كانت الدولتان مطمئنتين إلى أن “ذخرهما” في أمان، لكن بعد ذلك اليوم المشرق من تاريخ مصر بدأ القلق ينتابهما، وكان طبيعياً أن تقلقا. حاولتا أن تستوعبا “الحدث”، فأكثرتا من الزيارات والاتصالات التي بدأت حتى قبل أن يتنحى الرئيس المخلوع، وأخرى قام بها إلى الولايات المتحدة أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي عهد إليه بإدارة شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية. لكن “أواليات” الثورة لم توفر لهم الطمأنينة، فكان تطور الأمور يزيد من قلقهم يوماً بعد يوم، إلى أن وقع الهجوم الثاني على السفارة “الإسرائيلية” في القاهرة يوم 9/9/،2011 وأنزل العلم “الإسرائيلي” للمرة الثانية، فوصل القلق مداه حتى طاول الأوساط الأكاديمية و”مراكز الأبحاث”، و”خزانات التفكير” الأمريكية التي عادة ما تزود وتقف وراء كل السياسات التي تعتمدها الإدارات الأمريكية.

بعد الهجوم الثاني على السفارة “الإسرائيلية” في القاهرة، خرج “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى”، الذي يعد ذراعاً بحثية لمنظمة “إيباك” اليهودية الأمريكية، والذي يترأسه الدبلوماسي الأمريكي السابق روبرت ساتلوف، بأحدث تقاريره محذراً من أن “الفرص بأن تأخذ ثورة 25 يناير نقلة غير ديمقراطية باتت مرتفعة بصورة مرعبة للغاية”. الهجوم على السفارة “الإسرائيلية” أرعب الأكاديمي والدبلوماسي الأمريكي الصهيوني لهذه الدرجة، لأن الهجوم كشف عن حقيقة رأي الشعب المصري في الكيان الصهيوني، ورفضه للعلاقات التي أقامها نظام الرئيس المخلوع معه، وهو ما أنبأه وزملاءه واضعي التقرير أن “نقلة غير ديمقراطية” تنتظر ثورة 25 يناير. فالصهاينة وأنصارهم لا يعنيهم أن يذهب مبارك أو يبقى، أو أن يحكم مصر العسكر أو المدنيون، يعنيهم فقط أن تبقى العلاقات مع تل أبيب وواشنطن كما يريدون. لذلك يحاولون أن يحرضوا المجلس العسكري على الثورة محذرين من أنه “من الوارد أيضاً أن الاحتجاجات الواسعة نفسها التي أسقطت الرئيس حسني مبارك منذ ثمانية أشهر، ربما تنتقل في النهاية ضد المجلس العسكري الحاكم”!

بعد سقوط مبارك، كانت التحركات والاتصالات التي أجرتها كل من تل أبيب وواشنطن مع المجلس العسكري، وكذلك كل التصريحات التي صدرت عن المسؤولين في العاصمتين، تؤكدان وتشددان على أن المهم فيما يجري في مصر هو تمسك “العهد الجديد” بما يسمى “الاتفاقات والمعاهدات الدولية”، وكان المقصود اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية - “الإسرائيلية”، التي تعدّهما الولايات المتحدة منذ توقيعهما حجر الأساس في كل سياساتها وكل ما يجري في منطقة (الشرق الأوسط). لذلك متوقع أن يعلن ساتلوف أن خوفه مما يجري ينبع من خوفه على معاهدة السلام المصرية - “الإسرائيلية” لاعتقاده أنه: بغض النظر عن أي مسار تتخذه الثورة في مصر، فإن هذه المعاهدة ستكون هي الضحية. إنه يعرف ما تعنيه هذه المعاهدة بالنسبة إلى “إسرائيل”، وكذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ويعرف حجم الرفض الذي يكنه الشعب المصري لهذه المعاهدة، لذلك هو يرى أنه “بالتأكيد ستكون هي الضحية”! لقد رأى في الهجوم على السفارة “الإسرائيلية” “انهياراً للوضع في مصر”، و”كارثة بالتصوير البطيء”، وأن “على مصير مصر تترتب عواقب خطرة جداً بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة تفوق بشكل كبير أي شيء على أجندة واشنطن الإقليمية”.

يعترف ساتلوف بأن “كل ما أنجزته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على مدار 30 عاماً، بني على أساس كامب ديفيد، وإذا انهار هذا الأساس فإن كثيراً جداً من وضع أمريكا في المنطقة سينهار كذلك”. ومما لا شك فيه أن مرامي ساتلوف من علاقة الارتباط التي يقيمها بين المصالح الأمريكية ودور (كامب ديفيد) واضحة جداً، فهو في هذه المزاوجة يتقدم بدعوة واضحة موجهة منه، وطبعاً من الجهة التي يمثلها المعهد، إلى الإدارة الأمريكية لأن تفعل كل ما في استطاعتها، وما يمكن لها فعله للحفاظ على الوضع الراهن في مصر. وفي الدعوة، في الوقت نفسه، تحذير شديد اللهجة بما يمكن أن تواجهه المصالح الأمريكية، ويواجهه النفوذ الأمريكي في المنطقة، إن سمح للثورة المصرية أن تحقق أهدافها في الحرية والسيادة.

من هنا، من هذا “القلق” البالغ الذي يبديه الأمريكيون على مصر وثورة مصر، ينبع قلق الوطنيين المصريين والقوميين العرب على مصر وثورة مصر. خوف أعداء الثورة من أن تنتصر الثورة معروف ومفهوم، لأن انتصار الثورة يحمل في طياته فرصاً كبيرة لتحرير المصريين، وبالتالي بناء مصر جديدة تضطلع بدور على المستوى القومي يساعد على تحرير الوطن العربي كله، دور حالت دونه حتى الآن ظروف من أبرزها غياب دور الشعب الذي يتصدى اليوم لمهمات التغيير.


 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق