استحقاق الدولة الفلسطينية وليس استحقاق أيلول

الخميس, 01 سبتمبر 2011 18:05

د. إبراهيم أبراش

قضايا ومناقشات
طباعة

في الوقت الذي تتفكك دول، وتنهار أنظمة، وتُقبِل المنطقة العربية على تحولات مفتوحة على كل الاحتمالات، وفي الوقت الذي وصل النظام السياسي الفلسطيني إلى أسوأ حالاته حيث الانقسام ووصول المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لطريق مسدود، كما وصلت المقاومة أيضا لطريق مسدود.. في هذا الوقت وفيما يشبه المفارقة تلوح القيادة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة لانتزاع اعتراف دولي بفلسطين دولة وهي تحت الاحتلال، وبات ما يسمى بـ"استحقاق أيلول" الشغل الشاغل للقيادة الفلسطينية وعنوان الحراك السياسي والدبلوماسي الفلسطيني والعربي، فيما يخص الصراع في الشرق الأوسط، بحيث طغى هذا الحراك السياسي على غيره من التحركات، سواء كانت مفاوضات أو مقاومة، بل تم تعليق المصالحة الوطنية لحين اتضاح مصير استحقاق أيلول، وكأن مصير القضية الفلسطينية معلق على ما ستتمخض عنه اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 2011.

 

وقد تفاوتت المواقف الشعبية والحزبية ما بين داعم ومبارك لهذا الحراك ومعارض له، وبينهما مواقف متحفظة أو حذرة ليس من الذهاب للشرعية الدولية بحد ذاته بل من التوقيت وآلية إدارة هذا الملف ومن صيغة القرار الذي سيصدر وعلاقته بالقرارات الأخرى الخاصة بالقضية الفلسطينية كقضية اللاجئين وموقع منظمة التحرير الفلسطينية وصفتها التمثيلية.

الوضع الفلسطيني الداخلي يضاف إليه الرفض الإسرائيلي والأمريكي للخطوة الفلسطينية يشكلان تحديا كبيرا أمام القيادة الفلسطينية وقدرتها على مواجهة الرفض والضغوطات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية، وقدرتها على خلق موقف فلسطيني موحد حول قرار الذهاب للشرعية الدولية وحول صيغة القرار الدولي الذي سيصدر، وما بعد صدور القرار أو الاعتراف بالدولة، ذلك أن الاعتراف ليس هدفا بحد ذاته لأنه لن يؤدي لقيام الدولة تلقائيا، بل هو وسيلة أو عامل معزز للنضال السياسي الفلسطيني، وبالتالي إن لم يُرفَد القرار بمصادر قوة أخرى فسيضاف للقرارات السابقة التي تراكمت عبر السنين وستواصل إسرائيل استيطانها وعدوانها بالرغم من وجود قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

بالرغم من صدور عديد من القرارات الدولية حول مشكلة الشرق الأوسط منذ قرار التقسيم عام 1947، وبالرغم من حضور الشرعية الدولية بشكل مباشر أو غير مباشر في العملية السلمية منذ انطلاقتها مع مؤتمر مدريد 1991... إلا أن قرار القيادة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة الآن أثار كثيرا من اللغط والجدل ليس فقط كردود فعل معارضة من طرف تل أبيب وواشنطن وصلت لحد التهديد بوقف التمويل عن السلطة أو إلغاء اتفاقيات أوسلو وإعادة احتلال الضفة أو أجزاء منها، بل أثارت ردود فعل مرتبكة وحذرة من جهات فلسطينية وعربية من الإقدام على هذه الخطوة؛ الأمر الذي يتطلب كثيرا من الاستعداد والجاهزية السياسية ما قبل التقدم بالطلب للأمين العام للأمم المتحدة وجاهزية في صياغة مشروع القرار الذي سيقدم، وجاهزية أكبر في الثبات على الموقف حين مناقشة مشروع أو صيغة القرار في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة، أيضا جاهزية لمرحلة ما بعد صدور القرار أو الاعتراف بالدولة، بحيث لا تكون النتائج محطة تراجع عن الحد الأدنى من الثوابت الفلسطينية كما وردت في بيان إعلان الدولة في الجزائر وكما نصت عليها التفاهمات الوطنية اللاحقة.

استحقاق أيلول حتى الآن ليس واضح المعالم، والصورة الملحمية التي لا تخلو من تبسيط ساذج للأمور التي يروج لها المتحمسون لهذا الخيار قد لا تكون حقيقية، فالأمور قد تسير خلاف ما يتوقعونه ويروج له، فلدى واشنطن وحلفائها كثير من أحابيل الدبلوماسية للالتفاف على المطلب الفلسطيني، ولا نستبعد أن يكون المتحمسون لاستحقاق أيلول يعلمون صعوبة وخطورة هذه الخطوة، ولكن غياب البدائل عندهم وتمسكهم بالسلطة يجعلهم يصرون عليها. لا يعني هذا رفضنا للشرعية الدولية ولكن علينا توقع كل الاحتمالات بما فيها التراجع عن الفكرة في آخر لحظة في إطار تفاهم حل وسط بين منظمة التحرير وواشنطن وإسرائيل، أيضا توقع أن تتصرف واشنطن ومجلس الأمن بصيغة الطلب الذي سيقدمه الفلسطينيون للأمم المتحدة ويعيدوا صياغته بما يفرغه من مضمونه الأصلي ويصبح مجرد إشارة مبهمة لدولة فلسطينية، وآنذاك لن تستعمل واشنطن حق الفيتو ضد القرار وبالتالي لن يتم عرض القضية على الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي نفس السياق علينا أن نحسب جيدا نتائج صدور اعتراف دولي بدولة مبهمة المعالم من حيث تأثير هذا الاعتراف على الاعتراف السابق بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، ولا ندري إن كان ممكنا لهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الاعتراف بالشعب الفلسطيني كحركة تحرر "منظمة تحرير" والاعتراف بفلسطين كدولة في نفس الوقت؟! وإذا ما تم الاعتراف بفلسطين دولة فمعنى هذا إلزام الفلسطينيين بالتزامات الدول دون أن يكونوا دولة، وهذا معناه غياب جهة فلسطينية تمثل كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات وإسقاط مرحلة التحرر الوطني والحق في المقاومة وهي مرحلة وحق قد يحتاجهما الفلسطينيون إذا ما رفضت إسرائيل الانسحاب من أرض الدولة الفلسطينية.

ولذلك يجب أن لا نرهن الحق المشروع للشعب الفلسطيني في دولة مستقلة بما سيحدث في أيلول، أو بصيغة أخرى الفصل بين ما يسمى استحقاق أيلول واستحقاق الدولة الفلسطينية، فاستحقاق أيلول تولد بداية من تمنيات للرئيس أوباما وللأوروبيين قبل سنتين برؤية دولة فلسطينية تتحقق نهاية عام 2011، كما جاء ليملأ الفراغ السياسي ويحافظ على وجود القضية دوليا بعد مأزق التسوية والمفاوضات، وهو جاء أيضا كمحاولة للحفاظ على السلطة ومؤسساتها، أما استحقاق الدولة فهو مستمد من حق شرعي طبيعي وتاريخي، حق مستمد من تاريخ طويل للنضال بكل أشكاله ومستمد من حقيقة الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني على أرضه، هذا الحق بالدولة إن كان يحتاج للشرعية الدولية لإظهاره أو دعمه فهو غير مرتهن بما يؤول إليه اجتماع الجمعية العامة في سبتمبر وغير مرتهن بالفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، وعليه فعلى القيادة الفلسطينية أن تشتغل على استحقاق الدولة دون ربطه بتاريخ محدد أو بقرار محدد، واستحقاق كهذا يتطلب تهيئة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تجمعه لهذا الاستحقاق في أيلول وما بعد أيلول.

وخلاصة القول، إن إعادة القضية للأمم المتحدة، وإن كان يشكل تصحيحا لخطأ بدأ في أوسلو عندما تم تجاهل الشرعية الدولية وبالرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن الأمر لا يخلو من مغامرة سياسية دبلوماسية إن لم نحسن التعامل معها فستنقلب ضدا على المصلحة الوطنية الفلسطينية، أو على الأقل لن تكون أكثر من كسب للوقت لحين اتضاح معالم المتغيرات العربية والدولية أو تغيير الحكومة الإسرائيلية.

 

د. إبراهيم أبراش

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات د. إبراهيم أبراش