انحطاط الخطاب السياسي العربي

الأحد, 08 مايو 2011 02:00

د. عبدالعزيز المقالح

قضايا ومناقشات
طباعة

لم يكن الابتذال الذي وصل إليه الخطاب السياسي العربي في الآونة الأخيرة جديداً ولا مفاجأة غير متوقعة، فقد سبقته مراحل من الإعداد والانحدار هيأت له وساعدت على انتشاره. وكانت البداية مع الصراعات المؤسفة التي دارت بين الأنظمة العربية والهجوم الإعلامي

غير الرشيد وغير الحصين الذي شاع واستخدم من الألفاظ والكلمات الجارحة ما لم يكن محتملاً، وما لبث هذا الخطاب أن تحول تدريجياً ليكون بين الأنظمة ومعارضيها وارتفع سقفه بمرور الأيام إلى أن تحول من اختلاف في الرأي والرأي الآخر إلى حالة من الشتم والشتم الآخر. ثم خرج هذا الأسلوب من دائرة السياسة إلى دائرة الحياة العامة فأصبح لغة شريرة يستخدمها الصغار والكبار في حالة نادرة من الانفلات وجلد الذات والآخر، تحت مبررات ومسميات لا علاقة لها بحياة الناس وما يعانونه من بؤس وتدهور مستمر في مستويات المعيشة.

 

وفي مثل هذه الأجواء الكريهة، أجواء المشاحنات والمماحكات تكوّن جمهور واسع من المشجعين والمفتونين بقراءة المزيد من الألفاظ البذيئة والكلمات الخارجة عن نطاق المتعارف عليه في الخلافات أياً كان نوعها سياسياً أو ثقافياً. وبدأ المختلفون، أو بالأصح المتصارعون يستخدمون الألفاظ الكبيرة والجائرة ويتنافسون في اشتقاق صيغ وتعابير يعافها الذوق السليم وتتنـزه عنها الأخلاق الفاضلة. ولأن هذا الجمهور الواسع من المشجعين قد استساغ هذا اللون من التعبير بالصوت والصورة فقد بدأ ينفر تماماً من كل خطاب مقروء أو مسموع لا يسف أو يهبط إلى هذا المستنقعات ولا يداعب الشر الكامن في بعض النفوس التي اعتادت خطاباً متشنجاً لا يضيف رؤية تنفع الناس وتذهب بهم نحو المستقبل المنشود.

وما يضاعف من تصاعد هذه البلية اتساع وسائل الإيصال وتعددها فبعد الصحيفة والراديو والتلفزيون فوجئ العالم بالصحافة الالكترونية التي أطلقت العنان لقول كل ما يخطر وما لا يخطر على بال. وبقدر ما حققته من نجاح في اختراق حواجز المنع فقد فتحت الباب على مصراعيه لبعض من لا يحسنون استخدام هذه الأداة العلمية والفنية والإعلامية في "فبركة" الأخبار وقراءة الأحداث بشكل مغلوط، ودخلت في مجال لا أخلاقي يقوم على العبث بصور الأشخاص "وضع رؤوس الناس على جثث الحيوانات، وجثث الحيوانات على رؤوس الناس" على حد صورة خيالية قديمة للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور الذي لم يعرف من حسن حظه هذا النوع من وسائل التوصيل الإعلامي. وقد جعلني أحد الأصدقاء المتابعين لما ينشر من نماذج مبتذلة في هذه الصحافة أشعر بالتقزز والغثيان مما وصلت إليه بعض المواقع غير المحترمة من إسفاف وهبوط، "وردح" متبادل بالصور والصور المضادة!!

لقد ثبت على مر العصور أن الكلمات التي ترتاد الطريق وتقود إلى التطور والتقدم لا تكون متسخة ولا وقحة. وكان على أي كاتب في الشأن السياسي أن يحرص على كلماته وأن يغسلها من المبالغة والعنف قبل أن يضعها على الورق لكي تصل إلى قلوب الناس، كما أن على الكلمات نفسها أن تقول كل شيء بإيمان مجرد من الهوى وأن تكون مع الحرية والعدل والمساواة دون أن تنـزلق في الخطاب الهابط. ولا يساورني شك في أن نظافة القلوب تعكس نفسها في نظافة الكلمات التي تصدر عنها. والكلمات المتشنجة المتسخة الصادرة عن هذا الطرف السياسي أو ذاك لا تستطيع أن تشق طريقها إلى قلوب الناس أو أن تعمل على بناء شيء جميل، وأقصى ما تستطيعه أنها تزيد من دائرة الأعداء لقائليها والمستخدمين لها، فضلاً عما تقوم به من إضعاف حجة الطرف الذي تناهشه أو تختلف معه.

*******

تأملات شعرية:

كأنك وحدك يا شعب

من يرفع الكلمات على كتف الصدق

يأبى لها أن تخون،

وأن تتدنس بالزيف والابتذالْ.

باطلٌ كل ما زوروه

وما زيفوه

وما أطلقوا من شعارات باسمك يا شعب

يا مصدر الحب والحق

والاعتدال.


 

د. عبدالعزيز المقالح

تعريف بالكاتب: كاتب وشاعر
جنسيته: يمني

 

 

شاهد مقالات د. عبدالعزيز المقالح