مستعصٍ.. يُحال للأجيال القادمة

الخميس, 24 مارس 2011 02:48

توجان فيصل

قضايا ومناقشات
طباعة

لم أشهد في حياتي استهتاراً بعقول الناس كالذي يجري باسم مكافحة الفساد في الأردن.. إلا أنا، فعقلي لا يجرؤ أحد على محاولة الاستهتار به، وأدعو كل ذي عقل مشابه أن ينتخي لعقله بالحزم الواجب، أو يرخي أذنيه ويعلي قرنيه ويدعي التصديق.

ما يجري الحديث عنه من ملفات فساد الآن، هو ما طالبت بوقفه في بدايته عام 2001، وهو لم يقتصر على الشروع ببيع كل مقدرات البلد بسعر بخس، بل هو فساد طال كل مرفق. وكل وسيلة سرقة للمال العام بمئات الملايين والمليارات، تخطر على البال تجدها هنا ممثلة فيما اقترفته "السلطة التنفيذية" وحمته وشرعت له بأكثر من مائتي قانون مؤقت.. وأول الاستهتار أن تلك القوانين غير الدستورية لم يتم ردها لا من أي مجلس نواب ولا حتى من القضاء حين جرى الاحتكام إليه، على وجوب بل وحتمية هذا الرد وسهولته.

ومن يملك القانون هكذا (ورئيس تلك الحكومة يباهي بأنه يملك أكثر من القانون ويؤيده الصمت الراجف) يملك أن يحدد ما هو قانوني ومن هو البريء ومن هو المذنب. ومع ذلك لم يكن ممكناً أن تمارس تلك الحكومة كل هذا وتمأسسه لتتبع كل حكومة تلت نهجها، إلا بإسكاتي بالسجن وبأحكام جاهزة هدفت لمنعي من الترشح لمجلس النواب كي لا يحاسب أحد على أي فساد..

والنتيجة مجالس نواب كالذي حل والأسوأ منه مجلس اﻠ"111 جبان"، كما تسميه هتافات عشرات الألوف من الأردنيين في كل شوارع المملكة، فيما يرد المجلس بتأجير بلطجية تتصدى للمظاهرات الشعبية ويشتم الشعب تحت القبة، ومع ذلك لا يحل المجلس رغم مطالبة الشعب المعني بهذا.. ما يؤشر على سوية المجالس والنواب المطلوبين للخطة الرسمية للإصلاح!!

حين كنت نائباً ابتدعت الحكومة "مكتباً" في دائرة المخابرات لمكافحة الفساد. وهو ما لم أقبل به كونه تعدّياً على صلاحية مجلس النواب بهدف لفلفة قضايا الفساد أو توظيفها الفاسد. وثبت أني على حق، فبعد بضع سنوات أحيل مدير المخابرات ذاته للمحاكمة في قضية فساد بمئات الملايين عُرفت باسم "قضية التسهيلات البنكية".. ولكن المتهم حظي بتسهيلات محاكمية - لم أحظ بمثلها وأنا أحاكم بنفس الوقت لكشفي أكوام فساد آخر أكبر- وصلت حد قضاء عطوفته فترة محاكمته ثم محكوميته في قصره وفي حضور الحفلات وحتى السفر!!

اما مدير "مكتب مكافحة الفساد" ذاك، فقد حاول إقناعي (منتصف التسعينيات حين كنت نائباً) بالقبول بما يجري بأن دعاني ليطلعني على إنجازات مكتبه التي لم تتجاوز أموراً هامشية. وحين أشرت لأحد كبار الفاسدين (جرى تحويله ﻠ"قطب" دائم في مجالس النواب اللاحقة)، أعلن "مدير مكافحة الفساد" من فوره عدم قدرته على الاقتراب من الرجل كون الأخير شكاه لمرجعية عليا أمرته بالكف عن ملاحقته!!

والآن يعلن رئيس "هيئة مكافحة الفساد" الذي هو ذات "مدير مكتب مكافحة الفساد" سابقاً، وهي هيئة جديدة مبتدعة ضمن سلسلة بدائل القضاء النظامي الذي يجري كف يده عن كل ما لا تريد الحكومات ان ينظر القضاء فيه، بل وتزيد بأن تتدخل في أحكامه كما يصرح القضاة ذاتهم الآن مطالبين بوقف هذا التدخل.. يعلن ان ملفات الفساد باتت شائكة بحيث لا تقدر تلك الهيئة العتيدة، أن تفك خيوطها المتشابكة.

ولشدة ما هي شائكة تلك الملفات التي كانت هيّنة كالكتاب المفتوح عليّ وحدي، ابتدعت تلك الهيئة ما تسميه "استراتيجية" تختار الوقاية لأن العلاج مستعصٍ. والوقاية ليست حتى المعاقبة على الفساد المكشوف حدّ أن "يقول خذوني"، علّ هذا يردع الجديد الذي يتفتق كل يوم.. الوقاية تمثلت بترك اللجنة لملفات الفساد المكدسة والذهاب للمدارس لتعقد ورشات عمل للأطفال والقصّر عن "الحاكمية الرشيدة ومكافحة الفساد".. هذا مع أن ليس بيد اللجنة نموذج واحد تقدمه عن قدرة تلك الحاكمية على كف يد فاسد واحد.

ويخبرنا رئيس الهيئة أنه لجأ لأطفال المدارس "للتخفيف من الضغوط الواقعة على الهيئة من خلال التوعية وزرع مفاهيم النزاهة والحاكمية الرشيدة بين الطلبة تحقيقاً لمبدأ الوقاية خير من العلاج" مشيراً الى الضغوط التي تعانيها الهيئة من وسائل الإعلام والمواطنين بسبب الملفات المحوّلة إليها.

هذا فيما الشباب الواعي الذي أنهى تعليمه الجامعي ينزل إلى الشارع بعشرات الألوف منذ أكثر من شهرين مطالباً بتلك الحاكمية الرشيدة وحل مجلس نواب فاسد وتقديم شخوص الفساد المعروفة بالاسم والصفقات والكثير من تفاصيلها، للقضاء، والدولة ترفض مطالبهم رفضاً باتاً.. هي تنتظر أطفال المدارس لعقد آخر يكبرون فيه وينزلون للشارع مطالبين بالمحاسبة على فساد يكون تضاعف مكعبا عما هو الآن.. تماماً كما جرى للفساد الذي فرّخ عام 2001 وريّش الآن واستنسر.. ويمد لسانه لستة ملايين أردني!!


 

توجان فيصل

كاتبة أردنية

 

 

شاهد مقالات توجان فيصل