الغرب لا يقدم مساعدات

السبت, 12 مارس 2011 01:18

عوني صادق

قضايا ومناقشات
طباعة

بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع الثورة الليبية، أصبح ثلاثة أرباع ليبيا في أيدي الثوار. ومع شخصية كشخصية القذافي لم يكن منتظرا أن تسير الثورة الليبية على طريقة الثورتين التونسية والمصرية، سواء من حيث عدد الأيام أو من حيث الأسلوب شبه السلمي، بل كان منتظرا أن تطول أيامها وأن تصطبغ باللون الأحمر لتتأكد دموية القذافي التي لا يجهلها أحد، إلى جانب ديكتاتوريته وصفات أخرى كثيرة سيئة عرفت عنه قبل الثورة.

منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة حاول القذافي استعداء الولايات المتحدة والغرب الإمبريالي عليها، فاستعمل من أجل ذلك أوراق “القاعدة” و”الإرهاب” والتخويف بفتح باب الهجرة إلى أوروبا، وانتهى بمناشدة الولايات المتحدة التي قال إنها “خانته” والغرب لنجدته. وعندما رأى تقاعسهم اتجه إلى حيث موطن الاهتمام الأول لديهم فبدأ بضرب مصافي البترول وخطوطه. وبعد ثلاثة أسابيع اقترف فيها القذافي ومرتزقته ما اعتبر “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، لا يحتاج إثبات حدوثها إلى أدلة لأنها كانت منقولة على هواء الفضائيات مباشرة، أصبحت الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا الغربية، خصوصاً فرنسا وبريطانيا، قريبة جداً من اتخاذ قرار بفرض حظر جوي على ليبيا “لمساعدة الشعب الليبي”، مغطى بقرار دولي من مجلس الأمن الدولي، بعد أن تأكدا أنه لن يكون بوسع القذافي أن يستمر في السلطة مهما تأخر سقوطه. لكنهما حتى اللحظة يناوران ويماطلان ليمنحا القذافي أطول وقت ممكن لعله ينجح في محاولاته لإعادة السيطرة على الوضع، ولإظهار أن لا منقذ للشعب الليبي من جرائم القذافي، في غياب المساندة العربية للشعب الليبي، غيرهما. وهما إن قررا ذلك فلن يفعلاه ذلك استجابة لرغبة أي من العرب أو الليبيين.

الآن يتجه الموقف إلى اتخاذ قرار بفرض الحظر الجوي، ويبدو أن الموقف العربي يوافق على هذه “المساعدة” الغربية، ومن دون مناقشة لماذا لا تقدم الدول العربية هذه المساعدة التي يحتاجها الشعب الليبي، نلاحظ أن الثوار الليبيين يوافقون أيضاً، بل ويطلب بعضهم هذه المساعدة وإن كانوا في الوقت نفسه يصرون على رفض “التدخل العسكري” الأمريكي أو الأجنبي عموماً. هنا يجب أن ننبه إلى أمرين:

* الأول، أن الموقفين الأمريكي والغربي، الرسميين على الأقل، هما نفاق محض، ويجب أن يظل حاضراً في ذهن الثوار الليبيين. فالولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموما، لا يهمهما الشعب الليبي في شيء، ولا تعني لهما حقوق الإنسان شيئا سواء تعلق الأمر بالشعب الليبي أو أي شعب آخر. ومعاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التي حملها التدخل العسكري الأمريكي والبريطاني للعراق لم تغادر الذهن العربي ولا غادرت صورها العين العربية. لذلك على الثوار الليبيين أن لا يصدقوا أن هذا الغرب الاستعماري قلق على الشعب الليبي أو على حريته أو حياة أبنائه. كما أنه لو حصل ذلك فإنه سيكون تدخلاً في شؤون ليبيا للسيطرة على مقدراتها، ولا أهمية لما يقوله الليبيون الذين يطلبون المساعدة.

* والثاني، أن الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً، ليسا جمعية خيرية أو منظمة من منظمات المجتمع المدني أو المنظمات الإنسانية حتى تقدم مجاناً لوجه الله أو وجه الإنسانية خدماتها لمن يحتاجها، بل هي دائماً تريد المقابل لما تقدمه، وأحياناً لما لا تقدمه! فالولايات المتحدة ومعها الغرب الاستعماري يعرفان أهمية ليبيا أولاً دولةً نفطيةً، وثانياً موقعاً استراتيجياً جيوسياسياً في إفريقيا، مطلة على البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. الآن هناك ثورتان انتصرتا في تونس ومصر وبينهما ثورة ثالثة في ليبيا، ترى ماذا يمكن أن يحدث لو تحركت الثورات الثلاث في خط سياسي واحد، وماذا يمكن أن يحدث في بقية الشمال الإفريقي العربي، وماذا سيكون تأثيرها في الشرق العربي، خصوصاً أن هناك ثورات تولد في أكثر من مكان في هذا الشرق؟ والسؤال المحصلة لكل تلك الأسئلة: ماذا سيكون وضع “إسرائيل” وسط الصورة الجديدة المحتملة؟

الحظر الجوي المطلوب فرضه على ليبيا، على اعتبار أنه “مساعدة” للشعب الليبي والثورة الليبية، لن تقدم عليه الولايات المتحدة، ولن يقدم عليه الغرب الاستعماري، إن كانت فوائده ستعود على الشعب وثورته. هذا من جهة، وكذلك لن تقدم/ يقدم عليه إن لم يكن فرصة لهما لوضع اليد على ليبيا، نفطاً وموقعاً، من جهة أخرى. إن الشعب الليبي والثورة الليبية في حاجة شديدة إلى المساعدات التي يجب أن تقدمها الشعوب العربية، على الأقل في مجال الأغذية والأدوية والدعم السياسي، ما دام من غير الواقعي، بل إنه إغراق في الخيال، الطلب من الأنظمة العربية مساعدة الشعب الليبي لإسقاط النظام.

بالحظر الجوي ومن دونه سينتصر الشعب الليبي وستنتصر الثورة الليبية، بالإصرار على مواصلة الثورة والانتصار، حيث لم يعد أمام الشعب مجال للتراجع أو خيار غير مواصلة الثورة والانتصار. التراجع وعدم مواصلة الثورة سيهدر كل التضحيات التي قدمها الشعب حتى اليوم، وسيعيد الشعب إلى كتائب القذافي الأمنية التي ستعمل فيه السيف بلا انتظار أو حدود.

بالحظر الجوي قد يسقط القذافي، وسيتحمل الشعب خسائر أقل، لكن الانتصار الذي سيتحقق لن يكون انتصاراً صافياً يتحقق من دون شوائب، وقد لا يكون انتصاراً بالمرة لأنه قد يقع في حضن الغرب الامبريالي. الخيار الوطني الثوري للشعب الليبي هو ثمن أعلى لانتصار أنقى وأكبر، خير من ثمن أقل وانتصار غير مضمون النتائج.


 

عوني صادق

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات عوني صادق