نيرون ليبيا

الخميس, 24 فبراير 2011 01:08

د. فايز رشيد

قضايا ومناقشات
طباعة

بداية أرى وقبل الدخول في الموضوع مباشرة. أهمية الحديث عن مسألتين اثنتين: الأولى. هي الإشادة بموقف قطر. بإدانة القمع والهمجية وقصف الطيران للمسالمين في ليبيا على أيدي النظام الفاشي. لقد جاءت الإدانة القطرية في موعدها ومكانها المناسبين. كانت أول إدانة للوحشية في ليبيا. وكانت قبل إدانة كافة الدول بما فيها الدول الكبرى للمذابح. الأمر. الذي حدا بالدول الأخرى إلى إصدار إدانات مماثلة. المسألة الثانية هي الإشادة بقناة الجزيرة على تغطيتها الكاملة والعظيمة. لكل الثورات العربية. وعلى الأخص في ليبيا. نظرا للعقبات الكثيرة التي تعترض تغطيتها. وأولها التعتيم الإعلامي الذي يمارسه النظام القمعي الليبي. وثانيها التشويش المقصود على الجزيرة الذي تمارسه فلول هذا النظام.

تأتي كل هذه الهمجية والقمع والقصف بالطائرات والدبابات للجماهير العزلاء في ليبيا. إلاّ من إيمانها بالثورة وحتمية التغيير في بلدها. لتعبر عن فاشية هذا النظام. القتلى بالمئات والجرحى بالآلاف، كل هذه الهمجية هي من أجل بقاء القذافي في منصبه على رأس الجماهيرية الشعبية الليبية الاشتراكية العظمى!

القذافي إن استمرت الثورة. وهي غالبا ستستمر. فسيجلس على أنقاض الشعب الليبي وعلى أشلاء جثث أطفاله وشيوخه ونسائه، وهو يدّعي بأنه من يفعل من أجل الجماهير، ومن يضحي من أجل المقهورين والمظلومين والفقراء! جرائم القذافي لم يقترفها طاغوت في التاريخ سوى نيرون الذي أحرق روما، فحتى هولاكو وهتلر لم يقترفا همجية القذافي تجاه شعبيهما.

عميد الملوك والرؤساء العرب (مثلما يحب أن ينادى) وملك ملوك إفريقيا. مصاب بداء قاتل اسمه (جنون العظمة). هذا المرض يؤدي بصاحبه إلى اقتراف المذابح والمحارق والمجازر الجماعية. فقط لإرواء هذا الشعور لديه، وهو مثل كل دكتاتور. يعتقد أنه الصح والصواب وغيره مخطئون! القذافي لم يستفد من ثورات الشعوب ودروس التاريخ. لا يدرك أنه وحاشيته وكل المرتزقة الذين استجلبهم لحرق الشعب الليبي لن يصمدوا أمام تيار الثورة الجارف. قد يصمدون لأيام، لأسابيع، لشهور، لكنهم لن يبقوا وسيكنسهم الشعب الليبي مثلما تم كنس الطواغيت والظلمة في التاريخ، ومثلما تم كنس طاغيين عربيين في التاريخ الحديث. صحيح أن التاريخ والكتب ستذكر القذافي بين سطورها. ولكن من الأصح أيضاً: أنها ستذكره باعتباره: جلاداَ طاغية. قام بارتكاب المجازر ضد شعبه، ستذكره بأن مصيره تمثل في قذفه على مزابل التاريخ.

لقد حلم القذافي بوراثة عبدالناصر، لكن شّتان ما بين الثرى والثريا، بين زعيم استقطب الأمة العربية من المحيط إلى الخليج وبين رئيس تلفظه الأمة من المحيط إلى الخليج، بين زعيم انتظرت الأمة خطابه بفارغ الصبر، وجلست حول الراديوات وبين جلاد لشعبه، بين زعيم قدّم استقالته طائعاً بعد هزيمة 1967 وبكل رجولة وشرف، ورفضت الجماهير العربية هذه الاستقالة. فهبّت عن بكرة أبيها تطلب منه العدول عن استقالته، وبين دكتاتور يريد إفناء شعبه في سبيل البقاء على كرسيه!

لقد تخلى القذافي عن الأمة العربية والوحدة العربية واستبدلهما بالأمة الإفريقية والوحدة الإفريقية. نحن لسنا ضد الوحدة الإفريقية بالطبع، ولكن نسوق ذلك من أجل أن نبيّن قصر نظر القذافي وقصر صبره!

القذافي حلم أن يكون ملك ملوك العرب، وملك ملوك إفريقيا لم يطلق اللقبين عليه أحد، بل هو الذي أطلقهما على نفسه، استجابة لشعور العظمة لديه.

ما أن لوّح له الغرب والولايات المتحدة تحديداً بإمكانية إقامة علاقة مع نظام حكمه، حتى سارع إلى تفكيك منشأته النووية، تخلى عنها في سبيل هذه العلاقة، هو الذي يتغنى بالأمة العربية صباح مساءً.

القذافي وفي إحدى نوبات جنونه دعا الفلسطينيين والإسرائيليين إلى تشكيل دولة (إسراطين) أي أنه يعترف بدولة إسرائيل. بعد ادعاءاته بأنه قام بالثورة وفي أحد أسبابها من أجل تحرير فلسطين المغتصبة.

تنكّر القذافي لرفاق سلاحه في الثورة فأزاح زميله، الرجل الثاني في ليبيا عبدالسلام جلود، أزاحه من الطريق خوفاً من الالتفاف الشعبي الليبي حوله. إن من يتنكر لأصدقائه لا يمكنه أن يكون حريصاً لا على الجماهير الليبية ولا على الجماهير العربية.

ما نوجهه من سؤال للزعيم الأوحد: أبعد كل هذه المجازر التي اقترفتها بحق الشعب الليبي... أتستطيع أن تحكم ليبيا؟ الجواب في منتهى الوضوح: سيظل متمسكاً بالسلطة! لكن الرد سيأتي من الجماهير الليبية العظيمة، التي قالت كلمتها في الثورة وفي الاستمرار فيها على طريق إسقاط القذافي.

من الخطأ أن يخرج القذافي من ليبيا، فالواجب يقتضي محاكمته على كل الجرائم التي اقترفها والتي سيقترفها بحق الليبيين. الواجب يقتدي محاسبته عن كل قطرة دم أراقها في ليبيا وهو المسؤول الأول عن المجازر.

القذافي كان يستعد لتوريث الحكم في ليبيا لواحد من أبنائه، وكأن ليبيا خُلقّت لتكون مزرعة لعائلته، لكن الشعب الليبي بكل أطيافه السياسية، بكل قبائله وفئاته يقول.... لا للقذافي! الشعب يريد إسقاط النظام.

عمر المختار الزعيم العربي الليبي قاوم الاستعمار الإيطالي لليبيا. وظل خالداً في الذاكرتين الليبية والعربية. وفي الذاكرة الإنسانية أيضاً، رماه الفاشيون الإيطاليون حياً من الطائرة، لم يحترموا شيخوخته! القذافي يحاول التشبه بالمختار، ولكن شتان ما بين العملاق والقزم، والقذافي ليس أكثر من قزم.


 

د. فايز رشيد

كاتب فلسطيني

 

 

شاهد مقالات د. فايز رشيد