موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
"داعش" يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مركز الشرطة في حي الميدان في دمشق ::التجــديد العــربي:: الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014 ::التجــديد العــربي:: ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا ::التجــديد العــربي:: وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما ::التجــديد العــربي:: برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء ::التجــديد العــربي:: مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر ::التجــديد العــربي:: أرامكو تقترب من الانتهاء من أول مشروع للغاز الصخري ::التجــديد العــربي:: مصر تصدر سندات دولارية مطلع 2018 تعقبها سندات باليورو ستتراوح قيمتها بين 3 و 4 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة سندات اليورو بين 1 و 1.5 مليار يورو ::التجــديد العــربي:: معرض عمان الدولي للكتاب والامارات ضيف الشرف و المعرض يستقطب نحو 350 دار نشر و أمسيات شعرية وندوات فكرية ::التجــديد العــربي:: معرض بلبنان للمواد المحظورة من الرقابة ::التجــديد العــربي:: الدوري الانجليزي: مانشستر سيتي يعود للصدارة بعد فوزه على مضيفه تشيلسي ::التجــديد العــربي:: برشلونة ينضم إلى الإضراب العام في كاتالونيا ::التجــديد العــربي:: التوقف عن العلاج بالأسبرين يؤجج الازمات القلبية والدماغية ::التجــديد العــربي:: أول مصل عام في العالم يكافح جميع أنواع الانفلونزا ::التجــديد العــربي:: وزراء خارجية الدول الأربع يبحثون آليات جديدة بأزمة قطر في نيويورك ::التجــديد العــربي:: ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي ::التجــديد العــربي:: المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق ::التجــديد العــربي:: حماس تستعجل حكومة الحمدالله في تسلم مهامها بغزة ::التجــديد العــربي:: القوات السورية تسيطر على ضاحية الجفرة الحيوية في دير الزور ::التجــديد العــربي:: أمطار غزيرة تغرق أجزاء من الفلبين وتغلق الأسواق والمدارس ::التجــديد العــربي::

مأزق الفكر السياسي الفلسطيني

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

 

﴿1﴾

 

يستوجب الحديث في مأزق الفكر السياسي الفلسطيني بيان أمرين يتصل بهما وضوح العنوان الذي نروم القول فيه، هما: معنى المأزق، ومعنى الفكر السياسي الفلسطيني. لنبدأ بالثاني: لسنا نعني بالفكر السياسي الفلسطيني الإنتاج الفكري الأكاديمي أو الجامعي الذي تقدمه نخبة متميزة من الباحثين الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني، وفي الجوار العربي، وفي المَهَاجر على امتداد العالم، والذي تدور موضوعاته حول قضايا عديدة ليست جميعها على صلة بقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني. فهذا إنتاج مختلف: له سياقات خاصة يُدْرَكُ في امتداد مقدماتها وأهدافها العلمية، ويقترض قطعاً مقاربة مختلفة عن تلك التي نروم القيام بها. نعني بالفكر السياسي الفلسطيني ذلك الإنتاج الذي ارتبط بالعمل السياسي وبالحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، وأتى يجيب عن جملة المعضلات التي طرحتها تجربة النضال الوطني الفلسطيني، خاصة خلال العقود الأربعة الأخيرة.

 

 

ليس معنى ذلك أن الفكر السياسي هذا يرادف في المعنى الذي نقصده ما تفيده عبارة الأدب السياسي أو الأدب الحركي أي جملة الموضوعات أو الأفكار التي تشكل مادة برنامج سياسي عملي لفصيل من فصائل الثورة أو للحركة الوطنية الفلسطينية برمتها. فهذا على أهميته ليس فكراً وإنما خطاب وإن كانت مادته تستند الى فكر وتنهل منه.

 

كما ليس يعني قولنا إن الفكر السياسي المقصود غير الفكر الأكاديمي وإنما الفكر المرتبط بالعمل الوطني أن هذا الأخير يخلو من التقاليد العلمية التي تطبع الأول. ذلك أن القارئ في المادة الفكرية السياسية الصادرة عن مراكز دراسات فلسطينية، من كتبٍ ومجلات، مثل “مركز الأبحاث الفلسطيني” و”مؤسسة الدراسات الفلسطينية” وهما ليسا بعيدين عن الحركة الوطنية يعثر على مضمون فكري ثري في الكثير منها يضاهي في القيمة العلمية أو يفوق أحياناً، ذلك الصادر عن جامعات أو عن برامج بحثية.

 

الفكر السياسي الفلسطيني الذي يقصده العنوان هو الفكر الذي يؤسس رؤية للعمل الوطني، ويرسم له الاستراتيجيات، ويزود الممارسة النضالية بأجوبة عن الإشكاليات التي تطرحها تجربتها الميدانية. إنه فكر حركة التحرر الوطني الفلسطينية المعاصرة: الفكر الذي أنتجه مثقفون مرتبطون بها، مناضلون في مؤسساتها، أو قادة عمليون لم يكونوا بعيدين عن ميدان التنظير والتوجيه الايديولوجي حتى وهْم يقودون العمل الوطني. إنه الفكر الذي نجد تجلياته التفصيلية في برامج فصائل منظمة التحرير، والذي تحكم معادلاته ومقدماته سائر أشكال التعبير السياسي عن الفكرة الوطنية الفلسطينية لدى هذه الفصائل ولدى الحركة الوطنية عموماً. ويعني ذلك أيضاً أن التأمل في هذا الفكر سيجري كذلك من خلال قراءة في الاستراتيجيات السياسية والبرامج التي أسس لها.

 

الاقتلاع الصهيوني للشعب الفلسطيني أجبر الثورة على إطلاق العمل المسلح من التخوم العربية

 

هذا ما نقصده بالفكر السياسي الفلسطيني في العنوان الذي وضعناه. أما المأزق، فيشير الى حال قصوى من العطب في نظام اشتغال Fonctionnement موضوع ما. إنها حالٌ ترسم حدوداً نهائية لإمكانية استئناف العمل بذات القواعد والأدوات التي جرى العمل بها قبلا، وتستدعي مخرجا من وضعية الشلل التي هي فيها. المأزق حالة عطب حادة أعلى من الحالة التي يعبر عنها مفهوم الأزمة. في الأزمة خلل يقبل تصحيحاً أو تداركاً. وحتى إن فشل التصحيح، قد تعيد الأزمة إنتاج نفسها. وهذا مما ليس ينطبق على المأزق التي يعني الانسداد الذي لا يقبل تصويباً إلا بالخروج الكلي عن المسار الذي خيض فيه وقاده في المطاف الأخير الى المأزق.

 

بعبارة أخرى، حين تدب في فكر ما أزمة فيوصف بأنه مأزوم، لا نملك أن نذهب الى الاستنتاج بأنه وصل الى الطريق المسدود. فلقد يمكن أن تكون الأزمة عارضة، وبالتالي قابلة للاحتواء عن طريق التصويب أو التصحيح الذاتي، ومنه مراجعة المفاهيم والأفكار واليقينيات وسد الثغرات، أو عن طريق التكيف الموضوعي، ومنه استيعاب المتغيرات وأخذ حقائقها في حسبان التفكير والتقدير والتشبع بقيم الواقعية والتاريخية.. الخ. ولقد مر على الفكر السياسي الفلسطيني حينٌ من الدهر كان فيه مأزوماً، أو كانت الأزمة مستبدة به. ومن ذلك أنه كان قبل عقود ثلاثة فكراً طوبويّاً: يفكر في الواجب من دون أن يحتفل بأمر الممكن، يطلب البعيد قبل أن ينال القريب، يشدد على الإرادة منتبها الى وجوب تنمية العوامل الذاتية ويُهمل الواقع معرضاً عن أخذ العوامل الموضوعية في الحسبان. ثم ما لبث تحت ضغط الأمر الواقع وإرادة المراجعة والتصحيح أن تحررَ من طفوليته الفكرية: من الطوبوية والإرادوية واللفظانية المنبرية ليصير فكر الواقعية الثورية: الفكر الذي يدافع عن مشروع التغيير الثوري، ولكن أيضاً الذي يأخذ مقولة ميزان القوى والشروط الموضوعية في الحسبان من دون أن يتخذهما تَكِئَة لإسقاط فكرة التحرر الوطني.

 

أما حين يصل فكر ما إلى مأزق، فإن العَوْدَ عنه لا يكون بغير تغيير المقدمات والمنطلقات التي أفضت به الى ذلك المأزق. وفي هذا وجه اختلاف وتباين بين حال الأزمة وحال المأزق. حين الأزمة تفرض أحكامها، لا يكون الخلل في المقدمات والمنطلقات حكماً، فقد تكون هذه صحيحة، لكن البناء عليها (المنهج أو طريقة البناء أو طريقة الاستنتاج والحكم..) غالباً ما يكون مجافياً لما تقتضيه المقدمات إياها أو تحمِلُ عليه. أما حين يبلغ فكرٌ مأزقه، أي طريقه المسدود، فلا سبيل الى خروجه من انسداد طريقه غير خروجه من ذات الطريق التي أخذته الى النهاية المقفلة، بل الى عودته عن المقدمات ذاتها التي أسست لذلك المسار المسدود، لأنها بكل بساطة مقدمات فاسدة كما يقول المناطقة، والمقدمات الفاسدة تقود الى نتائج فاسدة.

 

ولسنا نتزيد حين نذهب الى القول إن الفكر السياسي الفلسطيني ولج اليوم، بل منذ ثلاثة عقود، طور مأزق حاد لم يخرج منه حتى الآن ولم يبشر بعد بما يشي بأنه يوفر جواباً عنه. والمأزق هذا هو مأزق المشروع الوطني الفلسطيني نفسه: المشروع الذي بدأ قبل أربعين عاماً على الأقل مشروع تحرير لوطن اغتصب، وانتهى الى مشروع استقلال وطني، بل قل الى مشروع نضال من أجل بناء دولة مستقلة على قسم صغير جداً من تراب ذلك الوطن! ولسنا نحتاج الى كبير شرح لبيان أن موطن الإعضال في هذه “النازلة”/المأزق هي فكرة الدولة التي تحولت الى مقدمة فكرية سياسية جديدة، في الوعي السياسي الفلسطيني، بديلاً من فكرة الوطن!

 

﴿2﴾

نرجئ الحديث في هذه المسألة الى حين الحديث في مأزق آخر تزامن مع هذا المأزق الأخير، لكن الوعي السياسي الفلسطيني أفلح في الخروج منه قبل عقد ونصف العقد أو يزيد، هو ذاك (المأزق) الذي أسسته فكرة الثورة على المشروع الصهيوني من التخوم العربية.

 

لم تختر الثورة الفلسطينية أن تطلق تجربة العمل الوطني المسلح من التخوم العربية لفلسطين، وليس من داخلها. فلقد أجبرها الاقتلاع الصهيوني للشعب الفلسطيني من أرضه على ذلك، خاصة أن البيئة التي نشأت فيها فكرة الثورة المسلحة والتنظيمات المقاتلة للحركة الوطنية هي مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان والأردن. ومع ذلك، لا تبرر هذه الحالة الاضطرارية استمرار مناطق اللجوء العربية مركز العمل الوطني الفلسطيني وقواعده الأساس لفترة قاربت العقدين. وإذ تقتضي الأمانة الاعتراف بأن المناطق الفلسطينية غير المحتلة في حرب العام 1948 (الضفة الغربية والقطاع)، والخاضعة آنئذ للإدارتين الأردنية والمصرية، كانت ساحة للعمل الفدائي ومنطلقاً له بين العامين 1965 و1967، إلا أن حرب يونيو/حزيران 67 دفعت نحو حسم اختيار طريق الثورة من خارج حدود فلسطين.

 

التجربة الفيتنامية

 

كان ثمة، في مشهد التحرر الوطني على الصعيد الكوني، ما يغري بالاطمئنان الى سلامة خيار بناء مركز الثورة (مؤسساتها السياسية والاجتماعية والإعلامية وقواعدها القتالية) في الخارج، أو قل تحديداً: في الجوار العربي. وكانت تجربة الثورة الفيتنامية أمثل نموذج يمكن أن يُبنى عليه للاطمئنان الى سلامة ذلك النهج. فالثورة هذه نجحت في أن تزحف لإسقاط سايجون من قاعدتها الخلفية في هانوي. ولكن على الرغم من استعارة المثال الفيتنامي (هانوي: القاعدة الخلفية)، إلا أن المماثلة ليست دقيقة. فهانوي الفلسطينية لم تكن الضفة الغربية وغزة مثلما كان أمرها في فيتنام وإنما الجوار العربي. وكثيراً ما رددت فصائل الثورة الفلسطينية، بعد انطلاقتها. إن دمشق هي هانوي فلسطين. ثم ما لبثت هانوي فلسطين أن تعددت فصارت عمان وجرش وعجلون وبيروت والجنوب اللبناني... الخ.

 

ربما كان النفس القومي العربي للثورة الفلسطينية ما يبرر لها تلك الاستعارة للنموذج الفيتنامي، فسوريا ولبنان والأردن أرض الثوار كما فلسطين أرضهم. وربما كان موقف سوريا الداعم للعمل الفدائي بعد انطلاقة الثورة وموقف عبدالناصر المساند للثورة إياها بعد هزيمة 67، مما كرس شرعية تلك المماثلة في الوعي السياسي الفلسطيني. لكن الذهاب فيها بعيداً بغير مراجعة، خاصة بعد مذابح الأردن واندلاع الحرب الأهلية في لبنان وصيرورة المقاومة طرفاً فيها، قاد الفكر السياسي الفلسطيني والثورة الى مأزق حاد سرعان ما بدأت تتبين ذيوله وعقابيله السياسية بالغة السوء على المشروع الوطني الفلسطيني. فقد بات المشروع الوطني هذا بلا أفق مفتوح: يعيش تناقضاته الداخلية ويتآكل تحت وطأة الحقائق المتعاقبة المنهمرة أمامه. وشيئاً فشيئاً، باتت مطالبه أكثر تواضعاً من ذي قبل، وسقفها أوطأ، وأدوات تحقيقها أكثر مدعاة للاشتباه في شرعيتها. لنخص بعضاً من مظاهر ذلك المأزق ونتائجه:

 

انتهت فكرة الثورة من التخوم أو “نظرية” هانوي الفلسطينية إلى إدخال المشروع الوطني الفلسطيني في تناقضات الوضع العربي وإحكام الرقابة على حركته في الداخل العربي. ذلك أن الإقامة الاضطرارية للثورة ومؤسساتها في الجوار العربي لم تسمح لها بواسع مجال أو كبير حرية في العمل. إذ الجوار العربي المضيف محكوم باتفاقات الهدنة (1949) أو باتفاقات وقف إطلاق النار (1967)، وليس يقبل أن تفرض عليه حركة وطنية معركة لا يريدها أو ليس متهيئاً لخوضها. ولأن الهوامش المتاحة أمام الثورة كانت ضيقة، وتزداد ضيقاً وضموراً باستمرار، فقد أجبرت الثورة على التحرك تحت سقف القرار الرسمي للدول التي “استضافت” مؤسساتها. أما حين كانت تتطلع الى توسعة هوامش الحرية المتاحة، أو رفع سقفها السياسي، كانت تتلقى العقاب العسكري المبرح. وذلك بالضبط ما حصل في الأردن ولبنان أعوام 1970، 1971، 1976...، وبدد الكثير من قواها الذاتية، وصرفها عن قضية التحرر الوطني ليزج بها في حروب عربية داخلية لم تنزف فيها بشرياً ومادياً ونفسياً فحسب، بل نزفت فيها سياسياً وأخلاقياً أيضاً حين بدت لقسم من الشعبين الأردني والفلسطيني ميليشيا مسلحة معادية وليست ثورة وطنية!

 

السقف السياسي العربي

 

هذه واحدة، الثانية أن اضطرار الثورة الى التحرك ضمن هوامش ضيقة، وإلى احترام السقف السياسي المرسوم لها داخل الجوار العربي المضيف، أخذها الى انضمام أكبر الى محصلة الوضع العربي الرسمي. فالذين رسموا لها حركتها السياسية والعسكرية في الأردن ولبنان كانوا يرسمون لها بالنتيجة حدود حركتها في سائر محيطها العربي. وإذ كانت الثورة منذ الميلاد تبحث لنفسها عن دائرة عربية رسمية حاضنة لمشروعها الوطني، فقد قضى وجودها تحت قيد أحكام دول الجوار العربي لفلسطين بأن تنتهي الى التسليم بأحكام الوضع العربي الرسمي برمته ثمناً للاعتراف بها. وحين كانت منظمة التحرير تحصل على الاعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، في قمة الرباط العربية لعام 1974، كان عليها أن تقدم بالمقابل وفي زمن الجزر القومي الذي أعقب رحيل عبدالناصر وتصفية نتائج حرب أكتوبر سياسياً التنازل السياسي الضروري للقرار العربي الرسمي كي تنضم الى مؤسساته. ولم يكن ذلك التنازل المطلوب منها سوى قرارها الوطني. وهذا ما كان في أساس إطلاقها شعار: القرار الوطني الفلسطيني المستقل في ما بعد، أي حين تبين لها مقدار ما كان عليها أن تدفعه مقابل حيازة الاعتراف العربي بها فقط لا غير، أي من دون مكسب سياسي آخر يُذكر أكثر من مجرد فتح مكاتب لها في العواصم العربية أو استقبال رئيسها وقائدها الكبير الراحل ياسر عرفات في تلك العواصم وفي قممها! حتى لا نقول إن ذلك الاعتراف بات كما اكتشفته متأخرة قيداً عليها وترويضاً لها أعاد سياستها الى بيت الطاعة العربي!

 

غياب عبدالناصر

 

أما ثالث تلك النتائج، فهو انحشار قوى المشروع الوطني الفلسطيني في موقع دفاعي سلبي جراء انكشافها أمام آلة الردع العسكري العربية، وما حاق بها من ضربات موجعة في مشاريع الحروب الأهلية التي استُجِرت إليها كارهة أو طائعة في عقد السبعينات من القرن الماضي. وجدت نفسها أخيراً مضطرة الى أن تخوض قتالاً تراجعياً صوناً للبقية الباقية من قدراتها المهدورة. كان في وسع رجل تاريخي كبير مثل جمال عبدالناصر أن يوفر لها ما تبقى من قواها وينتشلها من جحيم المعارك في الأردن. لكن أحداً ما كان يملك أن يحقن دماءها في لبنان، خاصة بعد أن استفرد ببقاياها من استفرد في حروب المخيمات بعد الخروج الكبير من لبنان. في هذه الإقامة الاضطرارية في الجوار العربي، انتقلت الفكرة الوطنية الفلسطينية وقواها من الاشتباك المادي مع المشروع الصهيوني من خارج السلطة الفلسطينية الى مجرد الدفاع عن وجودها وعن بقائها!

 

كانت النتيجة أن الحركة الوطنية الفلسطينية اكتشفت متأخرة شعار استقلالية القرار الوطني. ولم تكن “فتح” وحدها من حملته وإن كانت الأكثر إلحاحاً عليه بل شاركتها في رفعه فصائل اخرى من اليسار الفلسطيني. وقد فات الجميع ان يدرك صلة التلازم بين فقدان استقلالية القرار وبين وجود الثورة خارج ارضها، وما يرتبه عليها ذلك الوجود اللاجئ من نتائج ليس اقلها اضطرارها لأن تعمل في الهوامش الضيقة التي يتيحها لها الوضع العربي في الجوار.

 

***

 

ذلك مأزق حاد عاشته الثورة وفكرها السياسي، منذ هزيمة 67 والى عام 1987. لقد اجبرت بعد صمود اسطوري في حصار بيروت على مغادرة لبنان في صيف عام 1982. بقيت قوى منها اقتتلت في ما بينها في صيف عام 1983، ومنها من شارك في حرب الجبل ضد “القوات اللبنانية”، ومنها من دافع عن المخيمات في عام 1985 ضد مليشيا حركة “أمل”. لكن هذا الوجود ظل يكرر صعودا أو هبوطا في اسهمه مأزق الحركة الوطنية والثورة الى ان اندلعت الانتفاضة في الداخل (ديسمبر/كانون الاول 1987) ليقع التحول في مسار العمل الوطني واستراتيجيته الثورة وفاعليتها.

 

نهاية حقبة الثورة من الخارج

 

ارهصت مغادرة قوى الثورة لبنان في عامي 1982 و1983، وتوزعها على المنافي الجديدة النائية (اليمن، السودان، الجزائر، تونس) في نهاية حقبة الثورة الوطنية من الخارج أو من التخوم. كان في وسع القوى الباقية في لبنان من الفصائل المعارضة لقيادة “فتح” ومنظمة التحرير وزعيمها الراحل ياسر عرفات ان تشارك في حرب الجبل، أو ان تنجح في حفظ وجود لها في مخيمات الشمال والبقاع، وأن تلتئم في أطر سياسية معارضة مثل ائتلاف “التحالف الوطني”. وكان في وسع القوى المرتبطة بقيادة الشهيدين ابي جهاد وأبي عمار ان تحفظ وجودا لها في مخيمات “شاتيلا” و”عين الحلوة” و”المية مية وأن تقاتل دفاعا عنها. لكن الحقيقة الكبرى كانت ان عهد الثورة من خارج ساحتها الطبيعية (فلسطين) لم يعد يفسح كبير مجال امام المشروع الوطني السادر في مأزقه.

 

انتفاضة 87

 

وما ان اندلعت انتفاضة 87 حتى بدأ المشهد والمأزق في التغير، قطعا لم تنشأ هذه الحالة الجديدة من المقاومة المدنية، التي مثلتها الانتفاضة، بقرار رسمي، اندلعت عفوية في مبدأ امرها، لكنها سرعان ما تقدمت في تنظيم نفسها وفي توفير الأطر التنظيمية لإدارة مجابهاتها الميدانية المتسعة مع جيش الاحتلال والإدارة العسكرية القائمة في المناطق المحتلة عام 67، وتقتضي الامانة القول إن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي فاجأتها الانتفاضة اسوة بسائر فصائل الثورة والحركة الوطنية نجحت بسرعة في استيعاب درس تلك الانتفاضة، وفي محاولة مد الجسور التنظيمية بها. وإذا كان من تحصيل الحاصل التشديد على الصلة، فالأمانة تستدعي التذكير بدور نشط نهض به الشهيد خليل الوزير (أبوجهاد) في باب تنمية تلك الصلة من موقعه كمسؤول عن المناطق التي كانت مسرحا للانتفاضة، والتذكير بذلك الدور هنا ليس من باب احتسابه للرجل في سجل عطائه ولا مرية في انه يستحقه بل للتشديد على دور منظمة التحرير في قيادة هذه المحطة الجديدة من العمل الوطني من خلال امتداداتها في الداخل الفلسطيني.

اخرجت الانتفاضة الثورة والمنظمة والعقل السياسي الفلسطيني من المأزق الحاد الذي قادت إليه فكرة الثورة من خارج، أو من التخوم العربية، سددت ضربة استراتيجية لهذه الرؤية المحكومة بالاقتلاع الصهيوني العنيف ولكن ايضا بالمثال التحرري الفيتنامي حين نقلت مركز العمل الوطني من “الخارج” (التخوم العربية) الى الداخل الفلسطيني، وحولت الصراع مع الدولة الصهيونية من حرب غير متكافئة على حدود فلسطين الى اشتباك يومي مع جيشها وادارتها واقتصادها وأمنها داخل فلسطين.

 

قبل الانتفاضة، كان الصراع صراع جيش من المقاتلين الفلسطينيين متواضع العدد والعدة وجيش صهيوني متفوق بشريا وتقانيا، وكانت تخوضه “إسرائيل” خارج “حدودها”. اما مع الانتفاضة، وفي امتداد وقائعها ونتائجها، فبات صراع شعب برمته مع الاحتلال وبات صراعا يوميا لا يتصيد مناسبة سانحة، وبات يجري داخل “حدود” الدولة اليهودية (“السيادية” والعسكرية)، وبات قادرا على ارهاق أمن “اسرائيل”، وتحطيم استقرارها النفسي، وإنهاك اقتصادها، وتمريغ صورتها اخلاقيا، ثم زج بأجيال فلسطينية جديدة في المعترك ووضع نضالها في قلب العمل الوطني.

 

بدأت الانتفاضة مدنية، ثم تحولت الى مقاومة مسلحة في الداخل، منذ عام 1990 وحتى اليوم، ومعنى ذلك ان الثورة عادت بتقاليدها التي كانت في اللجوء الى مكانها الفلسطيني الأصل. وهكذا فالذين اصابتهم خشية في حينه من ان تكرس الانتفاضة (المدنية نهجا في العمل الوطني احتجاجيا وسلميا يحرف ذلك العمل عن خيار الكفاح المسلح الذي اخذت به الثورة منذ منتصف عقد الستينات سرعان ما غيروا رأيهم وبددوا مخاوفهم حين تبينوا ان ساحة العمل المسلح ليست التخوم وانما الداخل الفلسطيني نفسه، وان فاعليته هنا اكبر من فاعليته هناك، وحين انهار نهج التسوية في مفاوضات “كامب ديفيد الثانية” واندلعت الانتفاضة الثانية في سبتمبر/ايلول 2000 (انتفاضة الأقصى) ذهب خيار المقاومة المسلحة في الداخل الى مداه منتقلا نقلته النوعية من الضفة والقطاع الى المثلث والجليل والنقب، ومعززا الفكرة التي اطلقتها انتفاضة 87: إن فلسطين هي مركز العمل الوطني الذي لا بديل منه ولا عوض عنه.

 

انعشت الانتفاضة (الانتفاضتان) إذن، ذاكرة وطنية تحررية لدى الشعب الفلسطيني وثورته عطلت استعادتها التجربة التحررية الفيتنامية ونموذجها الاخاذ، هي ذاكرته العربية الثورية: الثورة الوطنية التحررية في الجزائر، وقبلها ثورة عمر المختار ومحمد بن عبدالكريم الخطابي، وسلطان الاطرش، وعز الدين القسام...، وبعدها ثورة الجنوب اليمني، لم تنطلق هذه الثورات من تخوم، بل من داخل ملتهب في الجزائر وليبيا والمغرب وسورية وفلسطين وعدن، ولعل ذلك مما عجل بانتصارها.

 

نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، في صيغتها السياسية والتنظيمية الجديدة، في ستينيات القرن الماضي للرد على واقعة الاغتصاب الصهيوني لفلسطين وتحرير الوطن، كانت اراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة تحت “السيادتين الاردنية والمصرية آنئذ، حيث لم تسقط بعد في ايدي الاحتلال “الاسرائيلي” (في حرب عام 1967). وما كان واردا حينها اقامة دولة فلسطينية في المناطق غير المغتصبة، وإلا كان ذلك ممكنا وفي متناول الحركة الوطنية تلك والنظام العربي الذي كانت تقوده مصر الناصرية في ذلك الابان.

قبل تأسيس “حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، ثم منظمة التحرير الفلسطينية بمبادرة وتشجيع من الرئيس جمال عبدالناصر كانت قيادة الحركة الوطنية، بزعامة الحاج امين الحسيني، رافضة قرار التقسيم (رقم 181) بما في ذلك ما ينص عليه من حق للفلسطينيين في اقامة دولة لهم على الجزء الذي أقره قرار التقسيم (وهو اكبر بكثير من ذلك الذي تشمله احكام القرارين 242 و338: بعد حرب 67)، وكانت “حكومة عموم فلسطين” هي الصيغة التي ارتئي انها الرد السياسي الممكن والمبدئي على قرار التقسيم وعلى قيام الدولة العبرية على الجزء الأعظم من فلسطين، خاصة بعد ان اضافت الى “مناطقها” المرسومة بموجب القرار 181 الصادر في عام 1947 مناطق جديدة في حرب عام 1948 هي الجليل والقدس.

ويستفاد من ذلك ان “فتح” ومنظمة التحرير والفرع الفلسطيني لـ“حركة القوميين العرب” (الذي سيصبح بعد هزيمة 67 “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، ثم “الجبهة الشعبية” و”الجبهة الديمقراطية” عقب انشقاق الثانية عن الأولى)...، لم تكن لتقبل بأقل مما أخذ به الحاج امين الحسيني وإلا اتت على شرعيتها الوطنية بمعاول الهدم. وحين اضطرت نتائج الحرب عبدالناصر للقبول بـ“مبادرة روجرز” والاعتراف بالقرار 242، كانت الساحة الفلسطينية تضج بالرفض والاعتراض، ولم يكن ثمة من هو مستعد فيها ليسمع عن تسوية على الحدود التي رسمتها العملية العسكرية في حرب 67 وأتى على ذكرها بالتباس مقصود نص القرار 242. فالثورة لم ترفع سلاحها، قبل حرب 67، بعامين ونصف العام، كي تصل الى اقل من نصف حقوقها، بل قل كي تحصل على ما كانت تأنف من اعتباره مكسباً: قيام سلطة في المناطق غير المغتصبة في حرب 48 والخاضعة للإدارتين الاردنية والمصرية.

 

الوطن

 

حينها، كانت الموضوعة الاساسية في الفكر السياسي الفلسطيني هي موضوعة الوطن، وكان الشعار الذي ترجمها سياسيا في ادبيات فصائل الثورة هو: تحرير الوطن المغتصب من الصهيونية. وحين نجحت فصائل المقاومة في ان تصل الى منظمة التحرير بعد الهزيمة وفي أن تسيطر على أجهزتها القيادية سيطرة كاملة في عام 1969، حملت معها الفكرة الثورية النابعة من روح تلك الموضوعة وصبتها في تعديلات جوهرية أجرتها على بنود “ميثاق” المنظمة ليتلاءم مع استراتيجية التحرير، التي تبنتها نظريا وخاضت فيها عمليات منذ اطلقت تجربة الكفاح المسلح في مطلع عام 1965.

 

ليس يهمنا في ما نحن فيه الوجه الادواتي من تلك الاستراتيجية، اي ذلك الذي تعبر عنه اطروحة النضال المسلح كشكل رئيسي وأحيانا قيل كشكل وحيد للنضال الوطني من أجل تحرير الوطن، انما يهمنا منها جانب الرؤية المؤسسة لها وللمستوى البرنامجي فيها. ها هنا نلحظ قدرا كبيرا من الوضوح في النظر الى الأهداف العليا لعملية التحرر الوطني على نحو ما صاغته بنود “الميثاق”، فالأرض التي جرى الحديث عنها في “الميثاق” هي ارض فلسطين التاريخية ضمن حدودها الجغرافية الطبيعية التي أهدرتها الغزوة البريطانية لها بعد “معاهدة سايكس- بيكو”. وفلسطين هذه، ارض الشعب العربي الفلسطيني على اختلاف ملل أبنائه”، مسلمين ومسيحيين ويهود. وكل ما وقع عليها من تعديل في شخصيتها الكيانية إبان الانتداب وبعده من هجرة يهودية واستيطان وتقسيم واغتصاب باطل ساسيا وقانونيا. وهذه الارض التي سلبت بالقوة ينبغي ان تتحرر من الذين اغتصبوها بغير حق. وأهلها الذين شردوا وطوح بهم في الآفاق ينبغي ان يعودوا الى ديارهم وممتلكاتهم. والدولة التي قامت على قسمها الجغرافي الأعظم وجودها باطل، وعليها ان تزول. وزوالها ليس مهمة مطروحة على الشعب الفلسطيني والأمة العربية والأحرار في العالم فحسب، بل على القوى اليهودية المتحررة من الايديولوجيا الصهيونية ايضا بحسبانها طرفا متضررا من المشروع الصهيوني الذي يزج باليهود في خيار انتحاري جديد.

 

وجدت هذه الرؤية المؤسسة على هذه الثوابت تعبيرا برنامجيا عنها في شعار: إقامة الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين: يتعايش فيها العرب مسيحيون ومسلمون مع اليهود على اساس المواطنة الكاملة بغير اعتبار للدين ودون تمييز بينهم، وعلى مقتضى المساواة القانونية التامة والحقوق الناجمة عن الشراكة في الوطن الواحد الجامع. وبقدر ما سددت هذه الرؤية البرنامجية الديمقراطية ضربة لفكرة الدولة الدينية والطائفية التي اقامتها الحركة الصهيونية في فلسطين تحت عنوان “اسرائيل”، بقدر ما زجت بقوى سياسية يهودية معادية للصهيونية مثل “ماتزبن” الى حد ما “الفهود السود” في النضال ضد ذلك المشروع الطائفي وإن لم يبق منها اليوم سوى بعض جماعات اليهود الارثوذكس، مثل جماعة “ناطوري كارتا” المعادية للدولة “الاسرائيلية” والموالية لمنظمة التحرير وللسلطة الفلسطينية.

 

التراجع

 

ولقد بدأت المشكلة في الوعي السياسي الفلسطيني وفي عقل الثورة وممارستها، حين وقع التراجع عن ذينك المنطلقين التأسيسيين: الرؤية والبرنامج، من خلال الانصراف المتزايد الى فكرة “الحل المرحلي” وتجزئة اهداف الثورة الى محطات مختلفة لم يكن ممكنا دائما تبين وشائج الاتصال بينها امام ما بدا وكأنه مسار لا يفتح الباب سوى امام اهداف منفصلة ومتباعدة الصلة، وهكذا أنتج الانتقال من فكرة الدولة الديمقراطية على كامل فلسطين الى فكرة الدولة المستقلة على بعض فلسطين مأزقا سياسيا لم يخرج منه الوعي الفلسطيني بعد، ولا يبدو انه سيخرج منه في الأمد المنظور!

 

﴿3﴾

 

أقر المجلس الوطني الفلسطيني، في عام 1974، “البرنامج الوطني المرحلي” لمنظمة التحرير. وكانت صيغة مشابهة له قد طرحت في صيف عام 1973 في مناقشات داخلية على صعيد “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” وحملت عنوان: “برنامج النقاط العشر”. وليس معنى ذلك بالضرورة ان الجبهة بكّرت في التبشير ببرنامج “الحل المرحلي” وفتحت موضوعاتها فيه باب مشرعا امام إجازته على الصعيد المركزي الفلسطيني، ذلك ان مثل هذا الخيار المرحلي راود كُثراً داخل حركة “فتح”، منذ هزيمة الثورة في الاردن، وعبر عنه قادة شهداء مثل ابي أياد وأبي السعيد وأبي عمار. لكن مساهمة “الجبهة الديمقراطية” في هذا الباب احاطت المسألة بقدر من التنظير والتأصيل كانت المسألة في حاجة اليه حتى تُوفر لنفسها شرعية بدت - في حينه- عسيرة المنال امام ثقافة سياسية جمعية لم يكن المؤمنون بها ليقبلوا بأقل مما نص عليه ميثاق الثورة من اهداف.

 

قضت فكرة الحل المرحلي - التي دار حولها وحول برنامجها جدل سياسي صاخب انتهى الى تكوين جبهة سياسية داخلية رافضة قادتها “الشعبية”- بالذهاب بالمشروع الوطني الفلسطيني الى حيث يعيد تعريف نفسه وممكناته السياسية بوصفه مشروعا يقبل تمرحلاً تاريخياً وسياسياً يصرف اهدافه الاستراتيجية - المعلنة في “الميثاق”- تصريفاً تكتيكياً ايجابياً. كان ذلك اول عهد الثورة بالتكتيك والمرحلية، واول عهد العقل السياسي الفلسطيني بفكرة الواقعية السياسية. وحين كان “البرنامج الوطني المرحلي” لمنظمة التحرير يشدد على أن هدف الحركة الوطنية الفلسطينية الراهن (آنئذٍ) هو إقامة سلطة وطنية على اي شبر من التراب الوطني يجري تحريره، لم يكن يدور في خّلد الاغلب الأعم من الوطنيين الفلسطينيين ان المرحلية ستتحول الى هدف نهائي، وأن التكتيكي سينتهي الى استراتيجي، وأن الواقعية الثورية ستؤول الى واقعية براغماتية. كانت صيغة “سلطة وطنية على اي شبر يتم تحريره” تُقدم الاطمئنان السياسي والنفسي الكافي بأن الامر يتعلق - في المطاف الاخير- باستراتيجية تحرير لا بمساومة سياسية على النزر القليل من الحقوق، كما كانت الثقافة السياسية البلشفية والماوية والفيتنامية - التي يجري استدعاؤها للقياس على موضوعاتها- تعزز الاعتقاد بوجاهة الخيار الذي سلكته الثورة وبسداده.

 

حقيقتان سياسيتان

 

والحق ان المرحلية في الوعي السياسي الفلسطيني لم تنشأ عفوا وعلى حين غرة، ولا حتى بسبب تمرين نظري أو مراجعة فكرية من نوع تلك التي كان يفترض ان تحمل عليها هزيمة الثورة في الاردن، وتصدع الطوبي الثورية التي استبدت بها منذ الانطلاقة، وإنما نشأت في امتداد حقيقتين سياسيتين جديدتين على تجربة الثورة وعلاقاتها.

 

* اولاهما: اندلاع حرب اكتوبر 1973 والامكانيات التي فتحتها امام استعادة المناطق المحتلة في يونيو/حزيران 67 باعتبارها الإمكانية الواقعة المتاحة امام منظمة التحرير والدول العربية. ولا يمكن ادراك تأثير هذه الحقيقة الاقليمية إلا في ضوء ما استقر عليه الوعي السياسي الفلسطيني من قناعات - منذ احداث سبتمبر في الاردن ورحيل عبدالناصر- حيال السياسة العربية، وأهمها ان لهذه السياسة سقفا لا تستطيع تخطيه وهو حل الصراع العربي - الصهيوني في اطار القرار 242. وهو ما أكده من جديد الاعتراف العربي بالقرار 338 واتفاقيات فض الاشتباك على الجبهتين العربيتين. اما حين نوقش موضوع الاعتراف العربي بمنظمة التحرير، في قمة الجزائر (1973)، وأقر رسميا في قمة الرباط (1974) الاعتراف بها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، فكان واضحاً ان ذلك سيرتب عليها الانضمام الى السياسة الرسمية العربية والعمل تحت سقفها، بما فيه العمل من اجل حل للصراع في نطاق الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، حتى وإن نظرت اليه الثورة كحل مرحلي.

 

* وثانيتهما: السياسة السوفييتية والحدود المتواضعة لمطالبها في ملف الصراع العربي - “الاسرائيلي”، واضطرار الثورة لمراعاة ذلك كي تحظى بالدعم والمساندة من اكبر دولة “ومعسكر” في العالم تستطيع موازنة الدور الامريكي في منطقتنا المنحاز الى الدولة العبرية. لا حاجة الى التذكير بأن الاتحاد السوفييتي من أبكر من اعترفوا بـ“اسرائيل” وسمح بهجرة مواطنيه اليهود الى فلسطين المحتلة منذ 1948 والى حدود عام 1967 حين قطع العلاقات الدبلوماسية بها. ولا حاجة الى التذكير بأنه لم يساند - يوما- اية دعوة فلسطينية او عربية الى ازالة “اسرائيل”: لأنه كان من صناع القرار 181 الذي اخرجها الى الوجود.

 

لكن، من المفيد التذكير بأن اقصى ما كانت تريده السياسة السوفييتية هو انسحاب القوات “الاسرائيلية” الى حدود الرابع من يونيو/حزيران 67، وان دعمها العسكري لمصر وسوريا - كما كشف محمد حسنين هيكل سابقا- لم يتخط تقديم سلاح دفاعي لا يسمح للجيوش العربية، في افضل الاحوال، بأكبر من تحقيق انتصار تكتيكي غير حاسم، اي غير كفيل بتدمير الدولة العبرية. وغني عن البيان ان منظمة التحرير لم يكن يسعها غير ان تأخذ هذه الحقيقة الدولية في الاعتبار وتؤسس عليها سياساتها، وإلا وجدت نفسها - في غياب الحليف الدولي- معزولة.

 

استعدنا تينك الحقيقتين ليس بغرض ان نبرر للوعي السياسي الفلسطيني جنوحه للمرحلة في العمل السياسي - علما بأن المرحلية أو التمرحل جزء من صميم السياسة والعمل السياسي بل ليذكر بالسياقات التي حملته على ذلك الجنوح. اما مسؤوليته في الذهاب بعيدا بفكرة المرحلية والواقعية السياسية الى حد الانقلاب على اهدافه الاستراتيجية، فـ“مسؤولية” ثابتة لا لبس فيها ولا غبار عليها، على نحو ما تشهد على ذلك مآلات فكرة المرحلية في العقل السياسي الفلسطيني وفي تجربة الثورة. لقد ابتذلت فكرة المرحلية في الفكر السياسي الفلسطيني وفي تعبيراته البرنامجية، منذ النصف الثاني من عقد السبعينات الماضي، وعنت غير ما تعنيه في تجارب التحرر الوطني. وبدلا من ان تكون المرحلية جملة اعتراضية في السياسة، باتت هي النص نفسه: نص السياسة!

 

المرحلي صار نهائيا

 

انتقل الوعي السياسي الفلسطيني سريعا من برنامج “سلطة وطنية على ارض محررة” الى برنامج دولة فلسطينية مستقلة في اراضي الضفة والقطاع وعاصمتها القدس. ومن برنامج دولة مستقلة الى برنامج “حكم ذاتي انتقالي” في اجزاء مجزوءة من اراضي القرار 242 كمقدمة نحو الدولة. لم يعد المرحلي مرحليا، أمسى نهائيا بل تحول - في احيان من السياسة والتفاوض- اكبر من الممكن والمتاح! وإن يعني ذلك شيئا، فهو يعني ان فكرة المرحلية - وهي مشروعة في السياسة- إما أنها لم تكن نضجت في الفكر السياسي الفلسطيني، وإما انها سبقت، من قبل بعض، كي تغدو استراتيجية نهائية للعمل الوطني!

 

ليس الانتقال من فكرة “السلطة الوطنية” الى فكرة “الدولة المستقلة”، ومن هذه الاخيرة الى “الحكم الذاتي الانتقالي” - الذي نص عليه “اتفاق اوسلو”- هو الذي أتى يمثل مأزقا في الفكر السياسي الفلسطيني، وإنما هو الانتقال ذاك من تجلياته وتبعاته. اما موطن الإعضال في المسألة والتعبير المُركز عن ذلك المأزق، فهو: الانتقال من موضوعة الوطن الى موضوعة الدولة، ويرادفه الانتقال من استراتيجية التحرير الى استراتيجية الاستقلال. لم يعد الوطن في قلب العقل السياسي، باتت الدولة “المستقلة” تحتل محله. وأثمر ذلك اختزالا للعمل الوطني الى مجرد نضال من اجل “الاستقلال الوطني”، أو قل من اجل الاستقلال في وطن صغير داخل الوطن الكبير!

 

فادحة كانت نتائج ذلك التحول من موضوعة الوطن الى موضوعة الدولة في العقل السياسي الفلسطيني وما نجم عنه من تحول برنامجي من استراتيجية التحرير الى استراتيجية الاستقلال، لنحص سريعا بعض تلك النتائج:

 

* أولاها: ان التفكير السياسي الفلسطيني من داخل اشكالية الدولة، بدلا من الوطن، اسقط الشطر الاهم من عملية التحرر الوطني: تحرير الوطن، وسلم بأن هدف ذلك التحرر تحصيل كيان سياسي لا يطابق الوطن في حدوده التاريخية والجغرافية، فالدولة في خطاب الواقعية السياسية الجديدة ليست الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين، التي رسمها ميثاق المنظمة هدفا لنضال الشعب الفلسطيني، وانما الدولة المستقلة على مناطق عام 1967. وحين سميت مستقلة، قصد بالتسمية أنها كيان سياسي منفصل عن “اسرائيل” وخاص بالشعب الفلسطيني، ويوحي ذلك بالكثير من المعاني السلبية: بأن الثورة سلمت بوجود “اسرائيل” وبخروج مناطق الـ48 من جغرافية فلسطين، ولم تعد تسعى الى تحرير الاراضي المغتصبة في المثلث والنقب والجليل، وانها تعترف بأن دولة “اسرائيل” مستقلة وسيدة على أرضها وشعبها، وهو يوحي بأن الثورة نفضت يدها من قسم من شعبها يعيش في مدنه وقراه في فلسطين 48، وسلم عمليا بأن قضيته خرجت من نطاق المسألة الوطنية ودخلت في اطار المطالب الديمقراطية الداخلية من اجل المساواة القانونية وحقوق المواطنة داخل كيان “اسرائيل”.. الخ!

 

* وثانيتها ان برنامج الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف يسلم بأن غرب القدس جزء من الدولة العبرية حتى وان كان الرفض صريحا لأن يكون عاصمة لها، وهو برنامج يغامر ايضا بالنيل من حق اللاجئين في العودة الى اراضيهم وديارهم وممتلكاتهم في مناطق 48 حين يسلم بأنها جزء من “اسرائيل” غافلا عن أن الفقرة 11 من القرار الأممي رقم 194 تربط الاعتراف الدولي بـ”اسرائيل” كدولة عضو في الأمم المتحدة بتطبيقها مقتضيات القرار القاضي بالحق في العودة للاجئين، وقد ادركت “اسرائيل” في المفاوضات (في مدريد وما تلاها) المطب الذي اوقعت فيه المنظمة نفسها حين تبنت صيغة الدولة المستقلة وحين اعترفت “بحق “اسرائيل” في الوجود” (في رسائل الاعتراف المتبادل الملحقة باتفاق اعلان المبادئ في العام 1993) فرفضت مبدأ الحق في العودة الى اراضي الـ48 واعتبرت وطن اللاجئين هو الكيان الفلسطيني الذي سيقوم في الضفة والقطاع.

 

* وثالثتها: ان اسقاط فكرة تحرير الوطن وإحلال فكرة الاستقلال والدولة محلها وضع منظمة التحرير مباشرة امام اطروحة الحل السياسي والتسوية على قاعدة القرارين 242 و338، تأخرت كثيرا في الجهر باعترافها بالقرارين. فعلت ذلك ضمنا وفي نطاق عربي اجمالي في قمة فاس الثانية (1982) عقب خروج المقاومة من لبنان، لكنها اعترفت بهما صراحة في “اعلان الاستقلال” الذي اصدره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في الجزائر (نوفمبر/تشرين الأول 1988) وحتى اشعار آخر، سيظل مبهما احجاما المنظمة والمجلس الوطني عن اعلان الدولة على أراضي القرار 181 (قرار التقسيم) وإعلانها على مناطق القرار 242 بدلا من ذلك، على الرغم من ان حدود الأول أوسع، وأنه يقر بدولة عربية في فلسطين، بينما يتعامل القرار 242 مع القضية كقضية لاجئين فقط! والمهم هنا ليس هذا التفصيل، وانما دخول القضية الفلسطينية طور التسوية المنقوصة الناجمة عن اقرار الاهداف المنقوصة.

 

ان كل وقائع المسار الانحداري الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية، منذ ثلاثين عاما، وصولا الى “اوسلو” يجد ما يفسره في ذلك الانتقال المأزقي في عقل الثورة وتجربتها من فكرة الوطن الى فكرة الدولة ومن استراتيجية التحرير الى برنامج الاستقلال، ورب قائل ان مسؤولية ذلك تقع على قيادة م.ت.ف وهذا غير دقيق لأن سائر فصائل الحركة الوطنية بما فيها الفصائل الاسلامية يتبنى اليوم برنامج الاستقلال الوطني والدولة على حدود يونيو/حزيران 1967 اما ما يفيض عن ذلك من المطالب، فلا ينتمي الى البرنامج السياسي، وانما الى الجهد الايديولوجي: الدعوي والتعبوي.

 

ما العمل اذن امام هذا المأزق؟ وكيف الخروج منه؟ دعونا نتساءل ابتداء: هل نقف بهذا الذي عبرنا عنه من رأي موقفا سلبيا من برنامج تقرير المصير والاستقلال الوطني وبناء الدولة؟

 

ليس في كل من حرره كاتب السطور، منذ أزيد من عقدين، من مقالات ودراسات وكتب حول القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني ما يفيد بوجود موقف سلبي لديه من المرحلية في العمل السياسي الفلسطيني او من برنامج الاستقلال وبناء الدولة، بل لعله غالى احيانا، والى حد التبريح، في مساجلة دعوات الرفض والاعتصام بالحلول الاستراتيجية، في مراحل سابقة وخاصة في حقبة الخروج من لبنان واندلاع الانتفاضة في 87 و”اعلان الاستقلال” وهو اذ يعيد اليوم وعي الدولة المستقلة في سياق المطب الذي وقع فيه العقل السياسي: الفلسطيني والعربي، لا يعتذر عن دفاعه عن الفكرة ضد معارضيها لأنه كان دفاعا مشروعا وهو ما يزعم انه ما زال كذلك اليوم.

 

هل في الأمر تناقض؟

 

ليس كذلك، اذ الدفاع عن دولة مستقلة لا يقود، بالضرورة، الى اسقاط حق الشعب الفلسطيني في كامل وطنه؟

 

اذا كان الأمر كذلك، فكيف يجوز اذن الحديث عن مأزق الانتقال من فكرة الوطن الى فكرة الدولة كما حاولنا بيان ذلك؟

 

هذا يتوقف على معنى الدولة وعلى موقعها من معركة التحرر الوطني، اذا كان حق تقرير المصير يعني حصرا اقامة دولة مستقلة أو انجاز استقلال وطني في المناطق المحتلة عام 67، فالدولة تقوم، في هذه الحال، ضد الوطن. اما اذا قصد به ممارسة حق الشعب الفلسطيني في ارضه، كل ارضه، فالأمر يختلف تماما. وهو يختلف بمعان عديدة مترابطة: بمعنى ان الحق في الارض اشمل وأعم من الحق في السيادة عليها. إذ ماذا يملك فلسطينيو مناطق 48 غير حقهم ولو المحدود في ارضهم دون السيادة عليها؟ وبمعنى ان الحق في الوطن لا يقبل الاختزال الى الحق في قيام الدولة ان كانت حدود تلك الدولة دون حدود الوطن. ثم بمعنى ان فقدان السيادة على كل الارض لا يسوغ فقدانها على بعض الارض ان كان ذلك ممكنا عملا بالمبدأ الفقهي الذي يقول ان ما لا يدرك كله لا يترك بعضه. ثم أخيرا بمعنى ان انتشال قسم من الشعب الفلسطيني من براثن الاحتلال وتمتيعه بالحرية والسيادة لا يقبل الانكار بدعوى ان قسما آخر لن يتمتع بذلك. نختصر هذه المعاني فنقول: ان حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولة في مناطق الضفة والقطاع ليس يتعارض ولا ينبغي له ان يتعارض مع حقه في كامل ارضه ووطنه ان احسن ادراك المعادلة بعقل سياسي جدلي غير سطحي أو بسيط.

 

نوضح اكثر فنقول: ان معركة الدولة هي في الوقت نفسه معركة الاستقلال والعودة. ضاعت، للأسف، فرصة تأسيس فكرة الدولة على فكرة تحرير الوطن: كل الوطن. ربما لا تسمح بها الظروف وموازين القوى، وقد لا تسمح بها في الأمد المنظور. لكن حق الشعب الفلسطيني في ممارسة السيادة على جزء من ارضه (الضفة والقطاع) الذي تقره له القرارات الدولية لا يلغي حقه في أرضه كاملة. ان للحق الاول عنوانا سياسيا هوالاستقلال والدولة. اما الثاني، فعنوانه حق العودة الى الوطن. وهو ليس اقل قيمة من الاول حتى لا نقول انه أهم بكثير.

 

فالفلسطينيون المقيمون في فلسطين المحتلة عام 48 افضل حالا من الفلسطينيين الموزعين بالملايين بين اماكن اللجوء والشتات. وهم ليسوا افضل حالا لأنهم يعيشون في كنف دولة “اسرائيل” التي يلاقون منها كل صنوف التمييز العنصري وانما لأنهم يعيشون على ارضهم ولم يشردوا منها. ولعلهم ايضا افضل حالا من الفلسطينيين الذين سيعيشون في كنف الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، ان هي قامت، ليس لأنهم تحت سلطان الدولة العبرية، ولكن لأنهم يعيشون في الوطن الكبير، أو قل في اكثر الوطن.

 

لا يملك فلسطينيو الـ48 حق السيادة على ارضهم. لكن احداً لا يملك حرمانهم من حق لهم في الوطن. ولو عاد اللاجئون الى المثلث والجليل والنقب ومدن الساحل الفلسطيني، فقد لا يملكون حق السيادة على الوطن، لكنهم سيستعيدون وطنا جرى اجلاؤهم عنه بالعنف المسلح والتهجير القسري. ان افضل هدية لـ“اسرائيل” ليس التسليم لها بالحق في الوجود على اراضي الـ48 والاستقلال بدولة في اراضي الـ67 أو بعضها وإنما في تسليم ارض من دون اهلها إليها. ان في حلقها شوكة منغصة اسمها مليون ومائتا الف فلسطيني، فكيف اذا أصبح العدد خمسة ملايين بعدد يهودها أو يزيد؟!

 

الشعب الفلسطيني اليوم امام سؤال مفصلي حاسم، يتوقف الخروج من المأزق الذي هو فيه اليوم أو الامعان فيه على الجواب عنه: هل يريد الوطن أو يريد الدولة؟ ان أراد الدولة فحسب، فهي لن تقوم إلا على اقل من ربع مساحة الوطن “في افضل تقدير”، وقطعا لن يعيش في جغرافيتها الضيقة ثمانية ملايين فلسطيني. وان أراد الوطن، فالدولة ان قامت فستكون من مكاسبه الفرعية. وان هو لم يستطع ولن يستطيع على الارجح توسعة جغرافيتها السياسية بحيث تشمل سائر الوطن، فقد يتكفل بذلك ما قد يخلقه نموه الديموغرافية من حقائق جديدة تحول المستوطنين “الاسرائيليين” في اراضي الـ48 الى اقلية سكانية بعد اقل من جيلين ان تحقق مطلب العودة ولم تقع مساومة عليه. ومرة اخرى، فإن بيت القصيد في معركة الوطن ليس الاستقلال، بل العودة. وأن تنجح تسوية تسقط حق العودة أو تزوره، فلن تكون نتيجتها سوى اسقاط الوطن الى النهاية!

 

لعشرات العقود، عاش شعب جنوب افريقيا الاصلي في ظل أو في ظلمة حكم البيض العنصريين. وعانى من التنكيل والبطش والحرمان وامتهان الكرامة القومية. وما كانت له سيادة في وطنه ولا سلطان على مصيرة. لكنه عاش في وطنه. وعند عتبة من تطور نضاله، أتته السيادة والسلطان ثمرة تمسك اسطوري بالارض والوطن وبالحق فيهما. لم تكن مشكلته عصية على الحل وان كانت صعبة لأنه مارس حقه في البقاء على ارضه. ثم لم يلبث ان صحّح التاريخ، فمارس السيادة على تلك الارض وأقام الدولة الديمقراطية على كامل تراب جنوب افريقيا: نفس حلم الحركة الوطنية الفلسطينية وميثاقها قبل جيل. لم يستعجل حله: العجلة من الشيطان.

 

كان فكر الثورة الفلسطينية السياسي مشغوفا بالمثال الفييتنامي. وبحث عن هانوي في الجوار العربي. لعلها مناسبة للقول ان الدولة المستقلة هي تلك الـ“هانوي” الحقيقية ان كان في برنامج الحركة الوطنية وقيادتها طموح الى استعادة سايغونها. قد لا يكون ذلك ممكنا بالسلاح. لكن مجرد تأسيس هانوي فلسطينية داخل فلسطين لا على التخوم قد يؤسس لرؤى وممكنات اخرى لتحرير سايغون فلسطين بوسائل وأدوات اخرى. وكما لم تكن الثورة الفيتنامية معنية بأمر آخر غير تحرير الوطن، فكذلك على الثورة الفلسطينية ان تفعل، وان تدرك ان ذلك التحرير بات ممكنا اليوم لا على الطريقة الفييتنامية بالضرورة، بل على طريق جنوب افريقيا.

 

وبعد، يفيد السياسيين الفلسطينيين كثيرا ان يصغوا لأدبائهم وأن يقرأوا اعمالهم. ففي الأدب والفن الفلسطينيين درجة عالية بل مثالية من التشبع بفكرة الوطن لا نعثر على ما يشابهها في السياسة. حين تنتقل روحية الأدب والفن الى السياسة في فلسطين، سنصل الى المعادلة المطلوبة: قليلا من الحديث في الدولة، كثيرا من التفكير في الوطن.

 

 

د. عبدالإله بلقزيز

تاريخ الماده:- 2005-01-02

 

د. عبدالاله بلقزيز

كاتب ومفكر مهتم بالشأن القومي
جنسيته: مغربي

 

 

شاهد مقالات د. عبدالاله بلقزيز

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

الحكومة الفلسطينية تعقد الاجتماع الأول لها في غزة منذ 2014

News image

عقدت الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله اليوم (الثلثاء) أول اجتماع لها منذ العام 201...

ستيفن بادوك، المشتبه بإطلاق النار في لاس فيغاس، كان مقامرا

News image

كان ستيفن بادوك، الذي تعتقد الشرطة أنه أطلق النار في لاس فيغاس، محاسبا متقاعدا ثري...

وفاة رئيس العراق السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 84 عاما

News image

أعلن التلفزيون العراقي اليوم الخميس عن وفاة رئيس البلاد السابق والسياسي الكردي البارز جلال طال...

برلمان العراق يمهد لتعليق عضوية نواب أكراد شاركوا بالاستفتاء

News image

بغداد ـ كلف رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري خلال جلسة اعتيادية عقدها البرلمان، الثلاثاء، لجن...

مسلح ستيني يقتل 59 شخصاً ويجرح 527 شخصا في لاس فيغاس.. وينتحر

News image

قتل مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل ...

ماتيس: واشنطن لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في الأزمة الكورية ونغيانغ تصف عقوبات الأمم المتحدة بأنها "عمل عدائي شرس، غير إنساني، وغير أخلاقي

News image

قال وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس إن بلاده لديها "الكثير" من الخيارات العسكرية في موا...

المحكمة العليا العراقية تأمر بوقف استفتاء الأكراد ومناورات تركية على حدود العراق

News image

بغداد - أنقرة - قال الجيش التركي في بيان إن القوات المسلحة بدأت مناورات عسكرية عل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

الأعمـــــدة

حين يكتب الشاعر صالح أحمد كناعنة قصيدته ..!!

شاكر فريد حسن | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

    صالح أحمد كناعنة شاعر فلسطيني مجيد ، غزير العطاء والانتاج ،لا يكتمل نهاره ان ...

عملية اشدود "اكيلي لاورو" وتقييم التجربة

عباس الجمعة | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

في لحظات نقيم فيها التجربة نتوقف امام فارس فلسطين الشهيد القائد الكبير محمد عباس ابو...

أمريكا واليونيسكو

د. حسن مدن | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

على الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، نقرأ أنها تأسست عام 194...

النكتة والكتابات الساخرة.. أساليب نقد مؤثرة تنتظر الإحياء

نايف عبوش | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

يلاحظ ان جل الكتابات التي تنشر اليوم سواءٌ في الصحافة، الورقية منها والإلكترونية، أو في ...

الأيام كاشفة أسرار المصالحة الفلسطينية

د. فايز أبو شمالة | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

تساءل بعض السياسيين والمفكرين عن الأسباب التي عجلت بالمصالحة الفلسطينية في هذه المرحلة بالذات، حيث...

الانعتاق العقلي وحرية التفكير والاستيلاء على العقول

سميح خلف | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

حصار الثقافة الوطنية بأبجديات وتجربة فاشلة:- عملية تجهيل العقل واقصاؤه تعني حالة التبعية للآخرين ومح...

هل لي أن أتكلم؟...

محمد الحنفي | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

في الكلام... الكثير... من الكلمات الممتنعة......

هيدي طلعت مش هيدي

كرم الشبطي | الاثنين, 16 أكتوبر 2017

أتاري الهندي متنكر بشورت وجينز متمنكر والاسم حكومة المتمكن...

فتحي الشقاقي الشعر على صهوة الشهادة

هيثم أبو الغزلان | الجمعة, 13 أكتوبر 2017

    مَزَجَ الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الأمين العام السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بين ...

رئيس لجنة التراث: الحرفيون يطالبون بسوق يجمعهم في منطقة باب البحرين

مكي حسن | الخميس, 12 أكتوبر 2017

    طالب رئيس لجنة التراث في مشروع الحرفيين المزمع تشييده بباب البحرين في العاصمة المنامة ...

زلزال داعش.. ماذا بعد؟

حسن علي آل جميعان | الأربعاء, 11 أكتوبر 2017

    " التواصل المذهبي وما بعد داعش " هكذا جاء عنوان محاضرة الشيخ حسن الصفار ...

نبذة عن حياة سبينوزا وفكره 1/2

سعدي العنيزي | الأربعاء, 11 أكتوبر 2017

  يعتبر باروخ سبينوزا ( ١٦٣٢م -١٦٧٧م ) من ضمن علماء وفلاسفة آخرين مثل توماس ...

العشق الصوفي

سائد أبو عبيد | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

أرى نفسي أرى معنايَ أشيائي أرى بيني وألمسُ وجدَ أحشائي   ...

بعض الأفكار حول قصة "دعسوقة وشموسة في القدس" للكاتب طارق المهلوس

سامي قرّة | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

"ما فائدة الكتاب دون صور أو حوار"؟ تسأل الطفلة أليس في كتاب "أليس في بلا...

رواية "الصوفي والقصر" والعبرة من التاريخ

جميل السلحوت | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

صدرت عام 2017 رواية "الصوفي والقصر- سيرة ممكنة للسّيّد البدويّ" للرّوائيّ المتميّز الدّكتور أحمد رفي...

انتفاضة الاقصى وخالد علوان

عباس الجمعة | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

سبعة عشرة عاما مرت على انتفاضة الاقصى، هذه الانتفاضة التي اتت ردا على اقتحام الا...

توطين العمالة في الخليج العربي.. التحديات والضرورات

نايف عبوش | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

يلاحظ ان العمالة الوافدة الى الخليج بقصد السعي للحصول على فرص عمل، غالبا ما تست...

عَزفٌ كثير يا موزار

د. حسن مدن | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

«عَزفٌ كثير عزيزي موزار. عزف كثير»، هكذا قال الإمبراطور جوزيف الثاني مخاطباً الفنان الموسيقي موز...

سلاح المقاومة أبعد من المرحلة

د. فايز أبو شمالة | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

أعرب كثير من الفلسطينيين عن قلقهم على مستقبل سلاح المقاومة، ولاسيما بعد لقاء السيد محم...

العلاقات الإسرائيلية الكردية بين الحقيقة والادعاء

سميح خلف | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

في 25 من شهر سبتمبر انجز الاكراد استفتائهم حول قرار الاستقلال بأغلبية كردية وان كان...

أحلامنا تمطرنا خير الميعاد

كرم الشبطي | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

لا توجد شجرة على وجه الأرض ترفض احتضان الأمطار الخير نحن من نهاب ونختبئ الخ...

كدت أنسى: من أكون؟...

محمد الحنفي | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

تعودت... في مسار حياتي... أن لا أنسى......

إيريكا 17

إبراهيم أمين | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

جلس أندا أحد أحفاد ساتورو نامورا في حديقة قصره بطوكيو التي تُحاط بها من كل ...

في الذكرى السابعة عشر للإنتفاضة الثانية

راسم عبيدات | الثلاثاء, 10 أكتوبر 2017

    لم تكن عملية اقتحام شارون للمسجد الأقصى السبب في إندلاع الإنتفاضة الثانية،بل ان مجمل ...

قراءة في الواقع السياسي العربي الراهن ..!!

شاكر فريد حسن | الاثنين, 9 أكتوبر 2017

    تعيش مجتمعاتنا وشعوبنا العربية وضعاً نوعياً غير مسبوق ، ويزدحم الواقع العربي بالصراعات الطائفية ...

شيء من الموسيقى

د. حسن مدن | الأحد, 8 أكتوبر 2017

  أهي مجرد مصادفة أن يكون مؤلف «آراء أهل المدينة الفاضلة»، المفكر الإسلامي الشهير، الفارا...

هذه هي مدرستي : قصة قصيرة

نايف عبوش | الأحد, 8 أكتوبر 2017

  فوق أعلى تلك التلة.. التي عند تخوم سفحها الجنوبي تنتشر بيوت القرية القديم...

الاثنين العظيم اليوم المرتقب والوعد المنتظر

د. مصطفى يوسف اللداوي | الأحد, 8 أكتوبر 2017

    الفلسطينيون جميعاً يترقبون بفارغ الصبر وعظيم القلق صباح يوم الاثنين، الموافق للثاني من أكتوبر/تشرين ...

مستلزمات التغيير

نجيب الخنيزي | الأحد, 8 أكتوبر 2017

    نحن نعيش في زمن عولمة عاتية ومهيمنة، لا انفكاك منها (حتى لو أردنا الانزواء ...

الفكر الاحتكاري

حسن علي آل جميعان | الأحد, 8 أكتوبر 2017

    انتقد سماحة الشيخ حسن الصفار في محاضرة الليلة الخامسة من موسم عاشوراء التي جاءت ...

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم29896
mod_vvisit_counterالبارحة38345
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع156960
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي225854
mod_vvisit_counterهذا الشهر648516
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1063018
mod_vvisit_counterكل الزوار45710904
حاليا يتواجد 3590 زوار  على الموقع