د‏. جلال أمين: ماذا حدث للنموذج الأمريكي في الحياة؟

الاثنين, 24 يوليو 2017 23:36 قالت الصحـــف
طباعة


الأهرام- الأثنين 24 يوليو 2017 السنة 141 العدد 47712

كان الجيل الرائد من الكتاب المصريين، الذين بدأ لمعان اسمائهم في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين (طه حسين، الحكيم، العقاد، أحمد أمين، المازني) إذا أشار إلى موقفنا من الحضارة الغربية، يقصد بهذه الحضارة حضارة أوروبا، بعكس ما نقصده الآن عادة، إذ تشمل الحضارة الغربية في نظرنا الآن، ما أسهم به نمط الحياة الأمريكية في تشكيل هذه الحضارة.

هكذا بلا شك كانت نظرة طه حسين إلى «الغرب»، عندما قال عبارته الشهيرة في كتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، التي نصحنا فيها بأن نأخذ من الغرب كل شيء (حلوه ومره، ما يمدح منه وما يعاب). فمن شبه المؤكد أن نمط الحياة الأمريكية لم يكن جزءً مما عناه طه حسين «بالغرب» في هذه العبارة، إذ لم يكن هذا النمط قد انتشر بعد انتشارا كافيا، لا في مصر أو البلاد العربية أو في العالم كله. ولكن من المؤكد أيضا أن هذا النمط قد اصبح جزءً مما نعنيه الآن «بالغرب» أو «بالتغريب»، سواء كنا نرحب به أو نرفضه.

أذكر أني كنت في نحو العاشرة من عمري، عندما افتتحت عقب الحرب العالمية الثانية، دار جديدة وفاخرة للسينما في شارع سليمان باشا (طلعت حرب الآن) سميت سينما مترو، وكانت مخصصة في البداية لعرض أفلام شركة (مترو جولدن ماير) الأمريكية، وكانت تمتاز بمقاعد وثيرة أكثر من المعتاد، وبالزي متعدد الألوان الذي يرتديه العاملون في السينما، سواء بإرشادك إلى مقعدك أو بيع المرطبات في أثناء الاستراحة.. كان كل هذا من أساليب الرخاء والراحة التي لم نعتدها من قبل، فبدأت فكرة «الحياة الأمريكية» تقترن في أذهاننا بتوفير الراحة وبالبذج في سبيل تحقيق هذين الهدفين.

اتسم نمط الحياة الأمريكية من البداية بميزة لم تتوافر لأي نمط آخر من الحياة وهي توافر السوق البالغة الاتساع، الناتجة عن الحجم الكبير للسكان مع ارتفاع متوسط الدخل. سمح هذا للسلع والخدمات بأن تنتج بنفقة منخفضة، وبتطوير وسائل الدعاية والتسويق مما سمح لهذه السلع بغزو العالم. هكذا كانت بداية ظاهرة نجوم السينما في هوليوود، الذين قدموا للناس باعتبارهم رموزا للحياة السعيدة: الجمال والرشاقة والصحة والرخاء. لا عجب إذن أن اصبحت معايير النجاح في هذه الأمور هي ما يتوافر لنجوم أمريكا من النساء والرجال المشهورين، وتطلع الملايين من الشباب الراغبين في حياة أفضل إلى أي فرصة تتاح من أجل الوصول إلى ما وصل اليه الأمريكيون، أو على الأقل استخدام ما اعتبر رموزا للحياة الأمريكية، كالسروال البلوجينز، أو تقليد قصة الشعر، أو الاهمال المتعمد فيما يرتدى من ملابس.. الخ.

بدأ هذا كله منذ أكثر من سبعين عاما، ومن الشيق أن نتساءل عما حدث لهذه «الظاهرة الأمريكية» منذ ذلك الوقت. لقد جاءت هذه الظاهرة إلى الوجود في أعقاب عقد من المتاعب الاقتصادية (التي انتشرت في البلاد الصناعية ثم انتقلت منها إلى سائر أجزاء العالم)، وهو عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، تلته خمس سنوات من المشاق والقيود فرضتها الحرب، لم يكن غريبا إذن أن تبدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، التي تعتبر ارتفاع مستوى الاستهلاك أهم أهداف الحياة وأهم عناصر السياسة الاقتصادية، ومن ثم اتخاذ ما يحدث في الولايات المتحدة مثالا يحتذى واعتباره رمزا للحياة الناجحة والسعيدة.

من الطريف ان نتذكر ما كتبه المؤرخ الأمريكي والت روستو (w. rostow) في كتاب شهير بعنوان (مراحل النمو الاقتصادي) وحقق نجاحا باهرا في العالم في العالم كله، وقال فيه إن «أعلى» مراحل النمو الاقتصادي هي مرحلة «الاستهلاك الكبير»، حيث يعم استهلاك السيارة والثلاجة الكهربائية وسائر السلع المعمرة، ويصل اليها المجتمع بعد أن يمر بما أسماه «مرحلة المجتمع التقليدي»، ثم مرحلة «التمهيد للانطلاق» ثم مرحلة «الانطلاق» (Take off) ثم يعقبها اتساع نطاق الاستهلاك الكبير وانتشاره في المجتمع، وهو ما يوحي كتاب روستو بأنه يعتبره «الهدف الأسمى» للتطور الاقتصادي.

ظهر هذا الكتاب في مطلع الستينيات، أي منذ أكثر من نصف قرن، وكم تبدو لنا هذه الفكرة الآن ساذجة، كما يبدو أنها تنطوي على تبسيط للأمور يزيد على الحد.

ولكن انتشارها في ذلك الوقت لابد أن يدل على استعداد كثيرين لقبول تلخيص أهداف الحياة في هذا الهدف الواحد: مزيد من استهلاك السلع والخدمات التي تجلب المتعة والراحة.

كانت الأعوام السبعون الماضية كافية - فيما أظن- لتعلمنا أن الحياة أكثر تعقيدا من هذا جدا، ولكن هذا التطور يعلمنا أيضا كيف تخضع أفكار الناس لتأثير عوامل عارضة، وسرعان ما تتغير الأفكار متى زالت هذه العوامل. ما الذي حدث يا ترى ليحدث هذه النتيجة؟

هل مجرد النجاح في تحقيق الهدف سبب كاف لاكتشاف انه لم يكن هدفا جديرا بالسعي من أجله؟ أي ان مجرد تحقيق ارتفاع كبير في مستوى الاستهلاك كاف لبدء البحث عن هدف آخر اكثر جدارة؟ أم أن الآثار المتعددة لارتفاع الاستهلاك كانت غائبة عنا، ومن ثم لم نكن ندرك أن بعض هذه الآثار قد يكون مكروها بل مدمرا لأشياء أخرى طيبة في الحياة؟

ما أريد أن انتهي اليه هو أنه قد حدث خلال العقود السبعة الماضية ما أدى إلى تغيير نظرة ملايين من الناس في مختلف بلاد العالم، المتقدمة والمتخلفة، إلى ما يصلح أن يعتبر مجتمعا مثاليا أو نموذجا يقتدى به في الحياة، لقد أدرك بعض الناس بالطبع هذا الأمر قبل غيرهم، ولكنى أظن أن هذا الادراك قد اصبح شائعا الآن مما أدى إلى أن فقد النمط الأمريكي للحياة الكثير من سحره.

في هذا الصدد أذكر واقعة طريفة رواها الاقتصادى الأمريكي الشهير جون كينيث جالبريث، ترجع إلى أيام عمله لسفير للولايات المتحدة في الهند. إذ قابل الزعيم الهندى الكبير جواهر لال نهرو، وقال له نهرو إن الشيئين المفيدين الوحيدين من بين ما اقتبسته الهند من الغرب هما الدراجة واللمبة الكهربائية. وكأن نهرو، لو كان جادا تماما في هذا القول، لم يكن يتمنى أن تأخد الهند من الغرب إلا هذين الاختراعين، لابد أننا سنختلف فيما بيننا حول هذا الرأي، ولكن قد يكون من المؤكد أن النموذج الأمريكي في الحياة (مأخوذا ككل) لم يعد له من الجاذبية لكثيرين من الناس ما كان له قبل سبعين عاما.