جورج إسحق: حقوق الإنسان في مصر.. إلى أين؟

الاثنين, 24 يوليو 2017 23:32 قالت الصحـــف
طباعة


الشروق- الأحد 23 يوليو 2017

حقوق الإنسان هي المبادئ الأخلاقية أو المعايير الاجتماعية التي تصف نموذجا للسلوك البشري الذي يفُهم عموما بأنه حقوق أساسية لا يجوز المس بها «مستحقة وأصيلة لكل شخص لمجرد كونها أو كونه إنسانًا»،

ملازمة لهم بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم أو لغتهم أو ديانتهم أو أصلهم العرقي أو أي وضع آخر، وحمايتها منظمة كحقوق قانونية في إطار القوانين المحلية والدولية.

يمكن تصنيف حقوق الإنسان وترتيبها بأشكال شتى، وفي الغالب توزع الحقوق الإنسانية في ثلاث مجموعات هي حقوق السلامة الشخصية، الحريات المدنية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو تقسم بطريقة تقسيم مواد الإعلان العالمي إلى أربع فئات: الفئة الأولى وتتناول الحقوق الفردية والشخصية. الفئة الثانية وتتناول علاقات الفرد بالمجموع أو بالدولة. الفئة الثالثة وتشمل الحريات العامة والحقوق الأساسية. الفئة الرابعة وتشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

يحتفل العالم باليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر من كل عام وقد تم اختيار هذا اليوم من أجل تكريم قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الصادر يوم 10 ديسمبر 1948 حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان بمثابة أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان.

ومن أهم مواد الإعلان هي المادة 2 وتنص على « لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلا عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلا أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود.

***

يحتفل العالم بحقوق الإنسان نظرا لأهميتها وأنها لا غنى عنها في سبيل إقامة حياة إنسانية سوية للعالم أجمع، وبالتالي لا أتصور أن يتم مقارنتها أو تجاهلها من أجل أي شيء آخر في الحياة. بل من الممكن أن تعادل أهميتها مثلا أهمية الأمن القومي لأي بلد فلابد أن يحافظ على كليهما معا بالتساوي والتوازي فلا تهمل حقوق الإنسان من أجل الأمن القومي والعكس صحيح. ومن هنا لابد أن يذكر أنه بعد أن قتل الموضوع بحثا والمتمثل في خطاب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي ألقاه يوم 15 أغسطس 2011 بعد أحداث شغب شاهدتها البلاد سعيا وراء العثور على عبارته الشهيرة «عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي لبريطانيا فلا أحد يكلمني عن حقوق الإنسان».

وجدنا أن تلك العبارة التي يتناقلها الكثيرون على شاشات التليفزيون منذ فترة ليست بالقصيرة، وانتقل الأمر بشكل جارف إلى مواقع التواصل الاجتماعي ليتضح في النهاية أنه لم يقلها!! لدرجة أن السفارة البريطانية أصدرت بيانا تنفي فيه أن يكون رئيس الوزراء قد قال مثل هذه العبارة. فعلى كل من يريد ترديد هذه العبارة السفيهة التي لا أصل لها يرددها على لسانه هو فقط ولا ينسبها بالكذب لكاميرون أو غيره.

***

أما إذا تحدثنا عن حقوق الإنسان في مصر وكيف أصبحت في مهب الريح فلابد أن نسرد كيف تراجعت وتراجعت حتى أصبحنا نخشى أن تتحول سرابا. فكل ما حاولنا علاجه بعد ثورة يناير وحاولنا أن نضمنه كحقوق للمواطنين المصريين بعد الثورة يتراجع بشكل يعد خطرا على المجتمع المصري.

فكم من حالات الاختفاء القسري!! وكم من حالات القبض العشوائي!! وكيف عادت ظاهرة زوار الفجر!! وكيف اعتقل الكثير والكثير من الشباب بسبب آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي!! وكيف اعتقل الشباب الذي اعتزل العمل السياسي لمجرد الاشتباه؟ وكيف يفرج عن الشباب بكفالة ويستمر احتجازهم وتعرضهم «للكعب الداير» لمجرد تشابه أسماء لا تمت للعقل والمنطق بصلة!! كيف تحجب المواقع الإخبارية !! وتمنع المقالات!! ويتعرض المعارضون للحملات القذرة القائمة على التشويه والتخوين والإساءة والسب والقذف دون أي رادع أو محاسبة!! كيف يموت الشباب المعتقل بسبب الإهمال في علاجه!! كيف يلجأ السجين الشاب للقضاء رافضا حبسه الانفرادي!! كيف يلجأ السجين للقضاء للحصول على حقه في أن يقرأ ويسمح له بالكتب داخل محبسه!! وكيف تعرض قيادات العمل السياسي والأحزاب للاعتداء في مظاهرات سلمية من أجل الحفاظ على الأرض!! كيف تعرضت نقابة الصحفيين للاعتداء الوحشي من قبل أفراد الأمن وإصابة بعض الصحفيين !! كيف يتحاكم كفيف في تهمة قنص بالسلاح!!

من أهم اختراقات حقوق الإنسان ما يحدث في السجون، رغم أن المجلس القومي لحقوق الإنسان وقع اتفاقا مع وزارة الداخلية لتحسين الأداء داخل السجون ومع ذلك لا يطبق هذا الاتفاق كيفما أبرم له، إلى جانب منع دخول الكتب والأدوية ومنع الزيارة. والأدهى والأمر هو أماكن الاحتجاز في أقسام الشرطة، هذا شيء غير آدمي ولا يمتُّ لحقوق البشر بصلة. وكذلك طالب المجلس بدخول كتب متنوعة إلى مكتبات السجون حسب اقتراح الدكتورة نيفين مسعد التي قامت بدورها بجمع مجموعة كبيرة من الكتب ومع ذلك لم توزع هذه الكتب على السجون حتى الآن. مع ملاحظة أن وزارة الداخلية لها جهاز خاص بحقوق الإنسان!!.

***

مؤخرا كيف انتهك أهم حق من حقوق الإنسان وهو الحق في السكن، في الأحداث الأخيرة لجزيرة الوراق الذي راح ضحيتها أحد شباب الجزيرة وأصيب الآخرون. فليس من حق أحد أن يخرج سكان من أراضيهم وينتزع حقهم في بيوتهم ومنازلهم وخاصة بهذه الطريقة العشوائية. فإذا لزم أمر الإخلاء لخطر يحيط بهم أو سبب مجتمعي أو اقتصادي أو حتى سياسي استدعى أمر الإخلاء فلابد أن يطبق بطريقة مدروسة مخططة وأن يفتح حوارًا مجتمعيًا بناءً يحمل المصداقية والشفافية، يعرض على السكان المشكلة وأسبابها والخطورة إن وجدت، ويقترحوا البدائل معا ويتناقشوا فيها حتى يستقر الطرفان (الحكومة والسكان) على حل بديل لا يهدر حق السكان ويضمن حقهم في حياة آمنة مستقرة. أما ما حدث مؤخرا هو المعنى الحرفي للعشوائية والفوضى في إدارة الأزمات وهذا هو الضرر الحقيقي للوطن والمواطنين. والمواجهة التي حدثت من الأهالي والاشتباكات هو رد فعلى طبيعي لسكان استيقظوا على صوت البلدوزر يهدم بيوتهم دون أي مقدمات.

اسمعوا المواطنين، قدروا ظروفهم، افتحوا مجالا للحوار، اغلقوا باب العنف الأمني فقد ثبت فشله في إدارة الأزمات وخاصة الاجتماعية منها. ضعوا حقوق الإنسان في المقام الأول، فما حدث في الوراق من تصدى الشعب للقوات الأمنية هو نذير خطر يدق ناقوس المجتمع.

ضعوا حقوق الإنسان المصري نصب أعينكم فهي الآن تتعرض لرياح عاتية من الممكن أن تدمر الكل إذا لم يتم حمايتها والحفاظ عليها حتى لا تندثر وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.