فريدة الشوباشي: أخطاء يوليو؟

الاثنين, 24 يوليو 2017 23:30 قالت الصحـــف
طباعة


الأهرام- الأثنين 24 يوليو 2017 السنة 141 العدد 47712

تتفق مع مبادئ ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر أو تختلف معه، يصعب ان لم يكن من المستحيل انكار انها تستأثر باهتمام الداخل والخارج بدرجة شديدة وكأنها قائمة الآن.. ولا شك ان تلك ظاهرة تسترعي الانتباه والاهتمام..

مر خمسة وستون عاما على تلك الثورة ولم يهدأ اعداؤها لحظة ولم تهن محاولات النيل منها ومن هنا يقول المنطق انها لم تغب وانها محفورة في الوجدان المصري والعربي وشعوب العالم الثالث التي مازالت تشيد بيوليو وما قدمته لجميع التواقين إلى الحرية.. وعندما نتخذ عددا محدودا من نماذج الهجوم وارتداء ثياب الحكماء والوعاظ لضرب مبادئ يوليو وانجازتها، والتشدق ﺑ«أخطاء!» يوليو وكلها تقريبا، أخطاء نقلت شعب مصر من حالة التردي في ظل احتلال متوحش وملكية فاسدة، إلى الانطلاق نحو مستقبل يليق ببلد وُصف بأنه فجر الضمير ولا تزال عبقريته في بناء الأهرام لغزا لم تنجح كل وسائل التكنولوجيا والتقدم العلمي، في فك شفرته حتى اليوم.. والغريب والمحزن في ذات الوقت ان يتأسس الهجوم على يونيو وزعيمها، على نفس نظريات إسرائيل وأمريكا وغيرهما من اعداء الحلم المصري.. فأنت تتابع مذهولا الهجوم المتجدد سنويا على قرار تأميم قناة السويس، دون حياء، وكأن سنوات استغلالنا، منذ حفرها بالسخرة والاستئثار بايراداتها لما يقرب من قرن من الزمان، أمر طبيعي واسترداد القناة جريمة او في أحسن الأحوال خطأ جسيم، لأن بريطانيا كانت ستعيد لنا القناة بعد سنوات معدودة!!..

ولا يتطرق أي من الحكماء إلى مشروعات توسيع القناة التي ملأت ادراج البريطانيين والفرنسيين.. وابسط سؤال هو، كيف تنكر أي جهة حق المصريين في استعادة جزء من أرض وطنهم.. واذكر انني شاهدت فيلما وثائقيا فرنسيا عن تأميم القناة يتهم عبد الناصر ﺑ«سرقة» قناتهم.. وينبري الحكماء عندنا، مؤكدين، «خطأ» عبد الناصر في الدخول في معارك كلفتنا حرب السويس وعرضتنا للعدوان الثلاثي، وهو ما يريد ان يقول: «لنمشي بجوار الحائط»!!.. ونفس المنطق المعوج! استخدم ولا يزال في انتقاد بناء السد العالي الذي حمانا من الموت عطشا في سنوات الجفاف الرهيبة التي ضربت المنطقة في سبعينات القرن الماضي. وحسب رأي الحكماء، فقد حرم السد مصر من السردين، وايضا من الطمي!!. دون الاشارة إلى تخاذل القيادة المصرية بعدم استكمال وضع الماكينات التي تقلب المياه لإبقاء الطمي طافيا بدلا من ترسبه في قاع السد.. ومن أخطاء يوليو «الفادحة»، مساعدة الشعب العربي على التحرر من الاستعمار، مثلما حدث مع الجزائر وثار ضغينة الاستعمار الفرنسي بدرجة مفزعة.. وكذلك من اخطاء يوليو التي لا تغتفر، إرساء العدالة الاجتماعية بين ابناء الشعب الواحد، ومنح فرص التعليم والتقدم والارتقاء إلى ابناء العمال والفلاحين، فبعض الحكماء يرى «ان العين ما تعلاش على الحاجب! » وبطبيعة الحال هم «الحاجب» الذي يعلو ولا يعلى عليه.. فقد انهت مجانية التعليم العالي احتكار طبقة معينة بهذا النوع واعتبروا ان اولاد الفقراء لا بد ان يظلوا يرزحون تحت وطأة فقرهم ومن يخرجهم من هذه الدائرة الجهنمية، كافر.. وقد شاهدت مقطع فيديو لشيخ جليل يصم عبد الناصر بالكفر. لانه طبق الاشتراكية!! وكان عبد الناصر قد قال: بيقولوا الفقراء لهم نصيب في الآخرة، في الجنة... طيب ما ينفعش يبقي لهم نصيب ولو صغير في الدنيا ينفعكم انتم في الآخرة!!..

وربما كان هذا الشعور هو مفتاح سر رفع صور عبد الناصر في المناسبات الكبرى وكأنه مازال بيننا.. لكن الذي يدعو للاسى، ان السياسات التي طبقت في مصر بعد رحيله، ادت إلى افقار مصر، بما سُمي الخصخصة، فتمت تصفية العديد من المصانع واغلاق بعضها، وتجد من يدافع عن سياسة الانفتاح واتهام عبد الناصر بعدم مواكبة العصر.. ولا يقولون لنا ما جنينا من مكاسب جراء تلك السياسة.. ايضا اتهم الحكماء عبد الناصر بانه يريد «زعامة» العالم العربي، وكأن محاولة تحقيق حلم الوحدة، الذي أرق اعداء مصر جريمة كبرى، بينما لدينا كل مقومات الوحدة، من ارض مشتركة إلى لغة مشتركة، بينما يقبلون الوحدة الاوروبية بمختلف اعراق ولغات بلادها.. المهم ان موسم الهجوم الشرس، الذي تخصصت فيه اقلام وصحف وقنوات، لما يقرب من نصف قرن، لم يحقق الهدف منه وستظل ثورة يوليو علامة فارقة في تاريخ مصر والوطن العربي والعالم، وسيظل قائدها، جمال عبد الناصر، موضع هجوم الاعداء وايقونة ذهبية في قلوب الملايين على مر السنين وكما قال الشاعر العربي السوري الكبير نزار قباني: تضيق قبور الميتين بمن بها، وفي كل يوم انت في القبر تكبر..