د نوال السعداوي: امرأة رقيقة قاتلة

الأربعاء, 05 يوليو 2017 14:05 قالت الصحـــف
طباعة


الأهرام- الأربعاء 5 يوليو 2017 السنة 141 العدد 47693

أشيل الصاروخ وماكينة اللحام والديسك أسهل من إني أعمل كوب شاي، هذه كلمات امرأة مصرية اسمها أحلام طارق إبراهيم بمدينة الغردقة، محافظة البحر الأحمر.

تبدو الكلمات شاذة، لأن تقطيع الحديد بصاروخ النار عمل الرجال وإعداد الشاي عمل النساء. هذا التقسيم للعمل على أساس نوع الجنس، ليس قانون السماء أو الطبيعة الأزلية الثابتة، بدليل أنه يتغير على الدوام، لكن علم الطب النفسي الحديث يعجز عن مواكبة التغيرات السريعة للنفس البشرية، ويعتبر هذه المرأة فاقدة للأنوثة أو مسترجلة، يسلبها من إبداعها وشخصيتها الإنسانية الأصلية، لكن هل يمكن لطبيب أن يفهم امرأة ذكية مبدعة، بعد أن حفظ نظريات سيجموند فرويد والتعاليم الذكورية المقدسة؟

أغلب الأطباء والأدباء والمفكرين في مصر والعالم يقولون إن المرأة لغز غير مفهوم، كأنما هي من فصيلة غير فصيلتهم، ليس لها طموحهم الفكري أو كرامتهم الإنسانية، أقصى ما يسعدها هو الزواج من أحدهم وتقديم الشاي له وهو مضطجع بالسرير يقرأ، أو جالس وراء مكتبه يفكر ويكتب.

عرفنا زوجات مفكرين كبار في مصر وخارجها، لم يكن للزوجة منهن أي طموح خارج البيت، ليس لها ذات مستقلة عن زوجها، تستمد سعادتها من سعادته في تحقيق ذاته، وتكبت في أعماقها الحزن على ذاتها المفقودة ، فتمرض بالاكتئاب أو السرطان. وقد تقدم على الانتحار، لولا الخوف من عقاب الله. وعرفنا فنانات مبدعات وأديبات مفكرات، مصريات وغير مصريات، عاشت أغلبهن وحيدات دون زوج، من أجل الاستمرار في عملهن المبدع. لا يفهم أغلب أطباء النفس أن للمرأة ذاتاً مستقلة عن زوجها وأسرتها، وأن أكبر حزن في حياة المرأة يرجع إلى فشلها في تحقيق ذاتها، وليس فشلها في الحب أو الزواج أو الأمومة. لماذا تفضل امرأة تقطيع الحديد بصاروخ النار عن إعداد كوب شأي؟

ربما ورثت جينات القوة من الإلهة المصرية ازيس أو من الجدة الفلاحة التي كانت تشق الأرض بالفأس، أو من الأم «العتالة» التي كانت تصعد السقالات حاملة فوق رأسها الطوب والحجر، لكن الأهم هو التدريب منذ الطفولة، اشتغلت أحلام إبراهيم وهي طفلة بورشة الحدادة مع أبيها، امتلك الأب الوعي والشجاعة ليكسر الموروث، درب ابنته على تقطيع الحديد بالنار، والتعامل مع الصعوبات بقوة تفوق الرجال، ربما لم يكن له ابن، أو فشل الأب في تدريب ابنه.

من حسن حظ البنت أن يكون لها أخ فاشل ليعتمد الأب عليها بدلا من ابنه، ربما أحبت الابنة فن الحدادة وأتقنته وأبدعت فيه إلى حد أن أصبح تقطيع الحديد بصاروخ النار أسهل لديها من عمل كوب شاي. هذه الكلمات لا تنطق بها إلا إنسانة تذوقت طعم الكرامة ولذة العمل المبدع، وتذوقت معهما متعة الحرية والاستقلال، وسعادة تحقيق الذات. وهذه هي منابع السعادة الحقيقية لأي إنسان أو إنسانة.

كلمات المرأة الحدادة بسيطة تلقائية، لكنها تنم عن ذات عبقرية تذوقت سعادة التحرر من الثوابت الموروثة منذ آلاف السنين، ذكرتني بإحدى بطلات العالم في حمل الأثقال. قالت: حمل الأثقال الحديد أخف عندي من أعمال الخدمة. عمل النساء هو الخدمة بالبيوت ومعها الطاعة والخضوع لسلطة الرجل المطلقة، ومن هنا ينبع الهوان والكمد الذى تعيشه النساء.

منذ طفولتي كرهت أعمال المطبخ والخدمة بالبيت، وإن حاول رجل، وإن كان بطلا وطنيا إعادتي الى مهنة الخدم، لا ينال إلا الاستئصال من حياتي اشتغلت في بداية حياتي الطبية بجراحة الصدر، لاستئصال فص الرئة لمريض بالدرن، كان شق الضلوع بالمشرط أسهل عندي من تقشير بصلة واحدة في المطبخ. وكانت صفات الأنوثة تشمل تقشير البصل ودعك المرحاض، وأيضا الإنفاق على البيت مع رب الأسرة دون حمد أو شكر.

ماذا عن الفتاة الفدائية الفلسطينية التي تفضل الانضمام لجيش التحرير الوطني، عن الحياة الناعمة مع أسرتها؟ كيف تفضل أن تحمل الكليشنكوف عن أن تقدم الشاي لزوجها؟ كيف تستخدم الحجاب لإخفاء السلاح وليس لإخفاء وجهها؟ كيف يصبح القتل عملا بطوليا وليس عملا ذكوريا فظا، يتناقض مع رقتها الأنثوية؟

في السجن قابلت امرأة قتلت زوجها حين ضبطته مع امرأة في فراشها، كانت غاية في الرقة، لم يتصور أحد أنها يمكن أن تقتل بعوضة سمعتها تقول «لا أستطيع قتل بعوضة لكني أستطيع قتل رجل يخون العهد».