د طيب تيزيني: صمت المؤرخين المطبق!

الأربعاء, 05 يوليو 2017 14:04 قالت الصحـــف
طباعة


الاتحاد الامارتية- الأربعاء 05 يوليو 2017م

قد نُغامر في القول بأن الوطن الكبير (العربي) والصغير (سوريا) أخذ ينفد صبره حيال المرحلة الحالية، التي تجتاحنا بوتيرة آخذة في التسارع والخراب.

وكانت المرحلة المنقضية بين الحربين العالميتين قد أتت بنتائج ما زالت تجثم فوق رؤوسنا، وهي تقسيم الوطن إلى كيانات ومقاطعات، أنتجت بدورها ما ترك الأبواب مفتوحة أمام انقلابات أنتجت نظماً عسكرية تحكم بمقتضى القوة، فكانت أنظمة حكم شمولية قطعت الطرق أمام تقدم متوازن في الأقطار العربية، وضاعت في ظلها بواعث النمو الاقتصادي والمجتمعي والثقافي والسياسي.

وجاءت الوحدة الثنائية بين مصر وسوريا كتجربة غير ناضجة، لتتفكك سريعاً بعد قيامها، بل جاءت وكأنها إحياء لتجربة مرّت فيها سوريا حين حصلت على الاستقلال عن فرنسا الاستعمارية، ثم سارت في الطريق المسدود الذي أتى كتكملة لمأساة تجد تجلياتها في مشاريع التقسيم لسوريا والعالم العربي ككل.

إن ما ذكرناه هنا ربما يمنح الباحث المؤرخ شعوراً شمولياً بوحدة تاريخ الأمة العربية، كما يرى الكتيّب الصادر في عام 1977 كتوثيق لندوة عقدت بدمشق في العام ذاته تحت عنوان «مشروع كتابة تاريخ العرب»، وساهم فيها مجموعة من المؤرخين والمفكرين، لكن الصورة التي أُريدَ لها أن تكون خلاصة لجهد المشاركين أتت أقرب إلى التجريد النظري المغلق، بعد تجنب الإشكاليات والصعوبات التاريخية والمعرفية التي تواجه المؤرخ بكيفية مُربكة أحياناً، ما يجعلنا نتمنى على المؤرخين العرب، ومنهم سوريون، تجاوز التقصير والتقوقع حيال التأملات المفترضة والسابقة على الدخول في قلب الأحداث، مما يضعنا أمام رؤية مثالية تتحدر من رؤية سياسوية قائمة على التمنيات، وليس على واقع الحال التاريخي، المعقد والمفعم بالإشكاليات المنهجية والنظرية.

إن الكتابات السائدة في العالم العربي تفتقر إلى رؤية استراتيجية تضع أمامها خططاً ومشاريع كبرى، كالتي نواجهه الآن، رؤية تمكن بلورتها في مؤتمر بحثي معمق. إن هذا أمر وارد، لكن نتائجه تأتي مُتراصّة مختزلة تضع نصب عينيها مهمة إنجاز الأهداف المطلوبة بشيء من الإجمال والنفس المنهجي المفتوح، بحيث لا تأتي النتائج صورة مكررة لنتائج سابقة.

وكما نلاحظ فإن المبادئ السياسية والحزبية والدينية، التي ظلت تشكل المنظور الحاسم للقائمين على إنتاج الرؤى والسياسات والخطط، ما فتئت تلح على النهج الغالب في المجالات الثلاثة، وهذا منحدر من الرؤية المهيمنة في بلد عربي أو آخر، ما يحول دون مناقشة المسائل الخاضعة للبحث على ضوء التقدم العلمي.

وهذا يضعنا أمام مسألة المنهج، فالأمر هنا يستمد شرعيته من الهيئات المهيمنة في دوائر القرار ووسط المثقفين والعاملين في مؤسسات جامعية أو مراكز بحثية، فقد لا نجد مؤسسة أو مرجعية بين مرجعياتنا العلمية، تخصص حيزاً مقبولاً لدراسة المناهج وتعبيراتها المتعددة، إلا ما ندر، وهذا ما لاحظناه في أبحاث المؤتمر المذكور.

إن ما ذكرناه هنا بصورة مختزلة، قد يشكل مسألة مفتوحة ينبغي تعقّلها، وهو أمر مهم للغاية، لا سيما بالاعتبار الإبستمولوجي (المعرفي المنهجي)، وذلك لاتصاله بكل ما ينتجه العلماء العرب في أقطارهم على اختلافها، ومما يمكن ذكره على هذا الصعيد، التأسيس لمراكز بحوث ملحقة بالجامعات العربية، فأهمية هذا الأمر تدخل فيما نعيشه راهناً من صراعات على الصعيد العربي، لذا لا يمكن الاكتفاء بما هو موجود في جامعة هنا وهناك، فذلك يمثل أمراً قد يكون حاسماً في مرحلتنا، مرحلة الانهيارات في العالم العربي، مع تجويع الشعوب العربية وإذلالها.. فلماذا صمت المؤرخين أصبح مُطبقاً؟!