د. جلال أمين: ماذا حدث للرأسمالية والاشتراكية؟

الثلاثاء, 04 يوليو 2017 23:46 قالت الصحـــف
طباعة


الأهرام- الأثنين 3 يوليو 2017 السنة 141 العدد 47691

ما أكثر ما كانت هاتان الكلمتان «بالرأسمالية والاشتراكية» تترددان على اسماعنا، ويتكرر ذكرهما في الصحف ووسائل الإعلام طوال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين،

بعد أن احتلتا مكان الصدارة خلال المائة عام السابقة، باعتبارهما موضوع الخلاف الرئيسي بين المذاهب والنظم السياسية والاقتصادية. من اللافت للنظر أنه خلال الأعوام الخمسين الماضية، أي منذ أواخر الستينيات لم يعد هذا الخلاف بينهما يثير الحماس أو يحفز على تكوين حزب أو القيام بنشاط سياسي وكأن الموضوع قد فقد بريقه والتفت الناس إلى موضوعات وخلافات اخرى يرونها أكثر ملاءمة للعصر الذي نعيش فيه.

هذا التحول في الاهتمام بموضوع الرأسمالية والاشتراكية لابد أن يذكرنا بحدثين تاريخيين، يعود أحدهما إلى نصف قرن مضى، والآخر إلى ربع قرن، يتعلق الأول بما سمي الجدل حول نهاية عصر الايديولوجيا، حيث ذهب بعض المثقفين من أبرزهم دانيل بيل Daniel Bell إلى أنه بعد أن سيطرت الخلافات الايديولوجية على الجدل السياسي لمدة تزيد على قرن من الزمان، يبدو أننا دخلنا عصرا جديدا تراجعت فيه أهمية الايديولوجية في التفرقة بين نظام أو مذهب سياسي وآخر، وبدأت النظم يقترب بعضها من بعض على أرض الواقع، من حيث ما تطبقه بالفعل من إجراءات اقتصادية وسياسية، قيل وقتها إن ما يحدث في الواقع في داخل أي نظام قد يختلف كثيرا عما يرفعه النظام من شعارات إذ يستلهم القائمون على النظام السياسي المصالح العملية المباشرة حتى ولو تعارضت متطلباتها مع الشعارات المرفوعة. وهذا لابد أن يؤدى إلى أن يقترب ما يجري داخل دولة ما مما يجري داخل دول أخرى (Comversion) فيحل التقارب الفعلي محل الخلاف الايديولوجي.

ظهرت صحة هذا الرأي بما حدث من تقارب بين المعسكرين الغربي والشرقي أو الرأسمالي والاشتراكي من حيث الإجراءات والمواقف التي يتخذانها في داخل دولهما أو إزاء العالم الثالث، بل في حدوث انفتاح كل منهما على الآخر اقتصاديا وسياسيا.

أما الحدث التاريخي الآخر الذي يتعلق بتراجع حدة الجدل بين الرأسمالية والاشتراكية فهو ظهور كتاب الكاتب الأمريكي (فرانسيس فوكوياما) في سنة 1992 نهاية التاريخ، الذي أثار ضجة كبرى وجدلا واسعا لعدة سنوات، بسبب زعمه أن مرحلة تاريخية طويلة قد انتهت بسقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والدول الدائرة في فلكه، واعترافها جميعا بأفضلية نظام السوق الحرة، والحافز الفردي أي ﺑ(أفضلية الرأسمالية على الاشتراكية)، مما استحق في نظر المؤلف أن يوصف بنهاية التاريخ.

يثير هذا التحول المهم في الفكر السياسي أسئلة شيقة عما يمكن أن يكون قد حدث في العالم بحيث ينهي جدلا استمر فترة طويلة من الزمن، لكن الحقيقة أن هذا التحول الذي أصبح واضحا منذ أواخر الستينيات كانت قد بدأت بوادر مهمة له قبل ذلك بوقت طويل.

ففي أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين ظهر كتاب مهم من تأليف بيرل ومينز Berle and means بعنوان الشركة المساهمة الحديثة والملكية الخاصة تكلم عن ظاهرة الانفصال بين الملكية والإدارة. فمع نمو الشركات المساهمة التي تتسم باتساع نطاق الملكية فيها حتى يضم ملايين من المستثمرين الصغار الذين ليست لديهم القدرة ولا حتى الرغبة في الانشغال بإدارة الشركات التي يملكونها إذ كل ما يطمحون إليه هو الحصول على عائد معقول على مداخراتهم، كان من المحتم أن تنتقل الإدارة من المالك الرأسمالي (الذي تعود أن يدير مشروعه الصغير ويملكه في الوقت نفسه إلى مجموعة من المديرين الذين قد يملكون وقد لا يملكون نسبة مهمة من اجمالي رأس مال الشركة، لكن لديهم على أي حال الرغبة والقدرة على ممارسة وظيفة الإدارة.

ظهر بعد ذلك كتاب مهم أثار بدوره جدلا واسعا من تأليف ج برنهام J. Burnham في سنة 1941 واسم الكتاب الثورة الإدارية The Managerial REVolution وأكد أيضا حتمية الانفصال بين الملكية والإدارة بسبب تطور التكنولوجيا وازدياد حجم المشروع.

لكن تطورا مشابها حدث ايضا في الدول الاشتراكية كان الاشتراكيون الأوائل يدعون إلى ملكية الدولة للمشروعات الإنتاجية بديلا للملكية الفردية من أجل القضاء على استغلال المالك للعمال، واستئصال تلك الظاهرة التي اعتبروها قبيحة من الناحية الاخلاقية وهي «الربح» إذ يذهب هذا الربح (الذي أعيدت تسميته بالفائض أو كلمة مشابهة إلى أيدي مديري المشروع الذين يعودون فيردونه إلى العمال في الدول الاشتراكية بطريقة أو بأخرى، لكن المديرين في الدول الاشتراكية أظهروا عزوفا بدورهم عن إعادة توزيع هذا الربح أو الفائض على العمال، وفضلوا توجيهه إلى استعمالات أخرى قد تفيد أو لا تفيد العمال في نهاية الأمر.

هل يمكن بهذا تفسير ما نراه من تراجع في أهمية الجدل حول الرأسمالية والاشتراكية، بل حتى في استخدام هذين المصطلحين في الكتابات السياسية؟ ربما كان الأمر كذلك ان أهمية التمييز بين الرأسمالية والاشتراكية كانت تعود إلى حد كبير إلى أهمية التمييز بين من يملك رأس المال وبين من لا يملك إلا قوة العمل. فأثار هذا قضية الاستغلال من ناحية والرغبة في التوحيد بينهما من ناحية أخرى. أما وقد ظهر أن هناك عنصرا ثالثا يزداد قوة وسطوة وهو الإدارة، وأنه ينفصل أكثر فأكثر عن عنصر الملكية (مع نمو حجم المشروع) وأنه قد يأخذ في الاعتبار مصالح أخرى كثيرة غير ما يعود على العمال من نفع كالقوة العسكرية مثلا أو حتى المصالح الخاصة للنخبة الحاكمة، فإن التسمية القديمة التي تعكس الفوارق القديمة بين ما يملكه الرأسماليون وما تملكه الدولة أي إصطلاحي (الرأسمالية والاشتراكية) لم تعد تثير من الحماس ما كانت تثيره منذ قرن أو قرن ونصف القرن.