لا يخفى أن سباقاً محموماً بدأ منذ سنة تحضيراً لملء الفراغ الأميركي الذي تركه الانسحاب من العراق. ليس المقصود بالعراق فقط جغرافية هذه الدولة التي حصل فيها نوع من التفاهم الإيراني ـ الأميركي. العراق دولة فصل ووصل بين سوريا والخليج وبين إيران والعالم العربي. انخرطت تركيا سريعاً في محاولة احتواء سوريا لإيجاد التوازن مع الدور الإيراني. تعثّرت هذه المحاولة ودخلت المنطقة في نزاع إقليمي على تشكيل «منظومة الشرق الأدنى». لافت الآن أن إقليم كردستان هو الموضوع الوحيد الذي يحظى بإجماع الدعم والاعتراف. ما يزال دور «المكوّن» السياسي السني العربي هو الموضوع المعلق. تصاعدت مؤخراً الاتهامات التركية العراقية المتبادلة عن دور سلبي لحكومتي البلدين. يتهم العراقيون تركيا بالتدخل في شؤونهم وتحريض التوتر الطائفي، ويتهم الأتراك حكومة المالكي بسياسة فئوية تساهم في هذا التوتر. لكن ميدان النزاع الأوسع هو الموقف من سوريا. في نظر تركيا ان سوريا يمكن ان تكون حديقتها الخلفية كما هو العراق بالنسبة لإيران، وللاعتبارات الإستراتيجية والجيوسياسية نفسها، ومن بينها التوازن السني الشيعي في المدى الإقليمي. لكن أحد الطروحات الدفاعية السورية عن طبيعة الوضع القائم تتحدث عن التوازن الإجمالي الموجود بين السنة والشيعة في بلاد الشام والعراق عموماً والحديث عن أقليات وأكثريات غير منطــــقي في هذه الدائرة، والأحرى الحديث عن أقليات متقاربة الأحجام. وفي دفــــاع ضمـــني صدرت منوعات من الأفكار في الخطب والمواقف تتحدث عن الحدود التاريخية الطبيعية لبلاد الشام ولسوريا الكبرى وعن منشأ وموئل فكرة العروبة. مجتمع الأقليات هذا وعاؤه «العروبة» لا «الإحياء السني» الأكثري طائفياً أو سياسياً. وإذا كانت اللغة السياسية تتعرّى طائفياً إلى هذا الحد يصبح «إقليم كردستان» مــــرجعية أيضاً يحجّ إليها بعض الزعماء اللبنانيين تباعاً. هنــــاك على ما يبـــدو ستـــنشأ «ســـويسرا الشـــرق» والحياد المفتـــوح لكــل المصالح والتيارات الـــدولية ولتوأمة أقليات الأقليات.
يظهر جلياً أن التعريب القسري الذي مارسه الفكر القومي متجاهلاً أو متنكراً أو لاغياً لمسألة الأقليات قد حوّل العروبة إلى فكرة أقلوية في محمولها الاجتماعي والسياسي والثقافي. فلم تعد الأقليات في زمن صعود التيارات الدينية مجموعات قومية عرقية أو إثنية بل صدّعت العروبة في مكوّنها الإنساني الجامع اللغوي والثقافي والحضاري وحتى الإثني ولو اتخذ مفهوماً عرقياً عنصرياً بمعنى النسب لا بمعنى الشوفينية والتعصب. فهل صرنا فعلاً تحت هذا الضغط الإمبريالي الغربي مرشحين إلى الانتقال من الدولة القومية او الوطنية بما في ذلك تركيا وإيران إلى دول الاثنيات العرقية والدينية والمذهبية. وهل فعلاً شعوب المنطقة التي انتفضت من أجل الحرية والتغيير والديموقراطية انجرفت في المسار الطوائفي الذي تدّعيه الأنظمة والسلطات أو تستخدمه في الصراع على النفوذ الإقليمي والدولي!؟ حتى هذه اللحظة هناك متسع من الزمن السياسي لتدارك انفجار المشرق وتشظيه إلى كيانات طائفية ما دامت صراعات الدول على النفوذ وتوازنات السلطة لم تبلغ حد إدارة الحروب الأهلية، ولم تحسم ان التغيير السياسي يشترط تفكك وتمزيق الكيانات القائمة. اللاعبان الإقليميان الإيراني والتركي ليسا في منأى عن هذه التداعيات عاجلاً أم آجلاً. ولعل تحذير تركيا من احتمالات الحرب الأهلية في العراق وسوريا ولبنان يفترض أنها تدرك هذه الأخطار وتسعى إلى بلورة تسوية سياسية لا تحتمل وضع قوة الحلف الأطلسي العسكرية في الميزان بل تنطلق من المصالح الإقليمية المشروعة لمكونات المنطقة العربية والإسلامية. فهل في هذا الحوار التركي الإيراني ما يوحي بهذا التصور بعد خفض منسوب التدخل والتصعيد على جبهة سوريا، أم أن تركيا تستكشف مدى حصتها الإجمالية في تسوية سياسية إقليمية تشمل العراق وسوريا معاً؟ توترت العلاقات التركية العراقية فجأة واتهم المسؤولون الأتراك رئيس الحكومة العراقية بأنه «مشكلة خطيرة». فأين يكمن الدور الأميركي في هذا النزاع بين قيادتين صديقتين لأميركا؟ وهل يعني ذلك ان دائرة المصالح الإقليمية ستتغلب على دائرة المصالح الدولية؟ أسئلة مفتوحة على الأيام المقبلة. لكن المحرج والأكثر إيلاماً ان العرب وهم يضعون رصيدهم ودورهم في الجبهة الأميركية ليسوا طرفاً فاعلاً ومبادراً، والشعوب التي تؤسس لدورها المستقل لم تبلغ مرحلة الفعل المباشر في المستوى الإقليمي. ويبدو أن الحوار الغربي مع إيران المرجح في تركيا، والذي لم يحدد موعده النهائي بعد، هو المفصل الذي تتضح فيه الصورة بين احتمالات التسوية السياسية الشاملة وبين انفلات النزاع نحو تغذية الحروب الأهلية. خلال هذه الفترة يحشد الأطراف قوتهم ويستخدمون عناصر نفوذهم ويبلورون ويطرحون العناوين الخلافية والملفات التي تهمهم. يتم ذلك في تظهير النفوذ الإيراني على مستوى الخليج والقدرة على إحكام السيطرة على مضيق هرمز والإمدادات النفطية. ويتولى الخليج العربي الإيحاء بتعويض تدفق النفط الإيراني في حال الحظر. وتسعى تركيا إلى تبني مطــالب السنة في العـــراق وســـوريا ولبنان. وتتمسّك روسيا بدعم النظام في سوريا لمصـــلحة استراتيجية، ولا يقـــدّم الإيرانيون والروس تنازلات جديـــة من رصـــيد السلطة في سوريا ولا تقــبل المعارضة الحوار والمشاركة مع النظــام. خـــلاصة المشـــهد فوضى سياسية غامضة قبل التسوية وقبل الانفجار.
| < السابق | التالي > |
|---|






Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










