قد يكون النشاط المفاجئ لحزب العمال الكردستاني جزءاً من الرسائل المتبادلة التي تقوم بها الدول الإقليمية لتذكير تركيا بطبيعة المشكلات الخاصة بها، وهي تحاول لعب دور إقليمي تحت راية الدفاع عن الديمقراطية. فالقوى المؤثرة في الساحة العراقية (إيران، سوريا، حكومة إقليم كردستان( لها مصلحة في استخدام هذا الضغط على تركيا. لكن خلق المشاكل لتركيا أو فتح الملفات لا يذهب بعيداً في المسألة الكردية المزمنة، لأن مضاعفاتها البعيدة المدى تطاول كل دول الإقليم. لذا نجد الحكومة العراقية تغض النظر، بل تتجاهل، التوغل العسكري التركي داخل أراضيها. كما ان هناك تواطؤاً معروفاً بين الدول الإقليمية على التعامل مع إقليم كردستان كسوق اقتصادية حرّة مفتوحة لكل الاتجاهات، بما في ذلك الدور الإسرائيلي المتنامي. غير أن الأهم في الأمر يكمن في انبعاث كل الهويات الإثنية وعودة سياسات «الملل» إلى صدارة النزاعات في المنطقة. في تركيا برزت إلى واجهة السياسة اهتمامات بالجماعة «العلوية» وبالدور الذي يلعبه زعيم الحزب المعارض «القومي الجمهوري» الذي ينتمي إلى المذهب العلوي. ولأول مرَّة يزور رئيس الحكومة المراجع الدينية في المناسبات الدينية. وفي إيران يقوم المرشح بمحاولة للتقرّب من جماعة السنة. وفي سوريا درج الحديث عن الجماعات الدينية، وفي العراق تبلورت كيانات سياسية طائفية في تقليد للنموذج اللبناني. وفي الاتجاه ذاته يجري الحديث عن المعارضة البحرينية أو الإقليمية الشيعية في السعودية، أو عن خارطة المذاهب في اليمن وعن الأقباط والمسلمين في مصر.
المسألة كما تطرح نفسها جدية من غير أن تكون في مستوى المبالغات المقصودة أحياناً القائلة بوجود مشروع تقسيمي أساسه إنشاء دويلات طائفية على قياس الإثنيات والمذاهب والأقليات.
هذا التكوين التعددي موجود في الشرق الأوسط الكبير منذ مئات السنين. شهدت هذه المنطقة توترات داخلية وإقليمية مع انفجار «المسألة الشرقية»، ولم يكن ممكناً للاستعمار المباشر أن يضع خريطة لكيانات المنطقة تطابق حدود الأقليات وجغرافيتها.
بعد قرن من الزمن تزايد اندماج الجماعات واختلاطها، خاصة مع تعاظم دور المدن والحياة الاقتصادية الجديدة. ليس سهلاً الآن الحديث عن جغرافيا للأقليات أو للجماعات كلها، ربما باستثناء الأقليات القومية الوازنة التي يمثلها الأكراد. في ما خلا ذلك لا جغرافيا مسيحية ولا جغرافية مذهبية إسلامية. ربما كان انتشار المسيحيين في كل المدى الوطني لكل البلدان ساهم في عدم شعورهم بالأمن والأمان. ما يحصل الآن هو صعود التيارات السياسية الدينية والمذهبية كنتيجة لأوضاع اجتماعية ناتجة عن أزمة الأنظمة السياسية. لكن كل ما يحكى عن أقليات وأكثريات لم يؤدِ ولن يؤدي إلى طغيان حقيقي، بل يمكن، في أسوأ الأحوال، ان ينتج عنه ترجيح لفاعلية ونفوذ طرف، كما حصل في لبنان والعراق. وعلى رغم عدم «ديمقراطية» هذه النتيجة، وعلى رغم سلبيتها في مستوى تطور الدولة العربية، فهي نتيجة غير ثابتة وغير قابلة للاستمرار. في الغالب هذه حصيلة لتأثيرات الجوار ولصراعات الدول، ولهذه الفوضى التي عمّت الشرق الأوسط على مشارف تشكيل نظامي إقليمي ودولي جديدين. ففي ظل مناخ الثورات العربية، الذي لا يمكن حصره أو حشره في زاوية النزاعات بين الدول، هناك فاعل جديد دخل المسرح يتمثل في حركة الشعوب ومشاركة أوسع القطاعات والفئات في هذا الحراك السياسي. ينشئ هذا الحراك ثقافته ويطرح طموحاته ومصالحه بشكل تدريجي في اتجاه بناء دول تقوم على المشاركة والوسائل الديمقراطية.
من الوهم ان نفترض وجود كامل مقومات التجربة الديمقراطية في مجتمعات عانت هذا المدى الزمني من الركود والكبت والقمع والتهميش. لكن يستحيل على أي نظام سينشأ، بعد تجارب التغيير المريرة، بانعزال عن مؤثرات الثقافة العالمية السائدة التي كانت في أساس حركات الشباب العربي. حتى الآن أي رصد للحراك الشعبي في أي بلد عربي يُظهر ان القوى السياسية المنظمة التقليدية غالباً ما لحقت حركة الشباب وحاولت احتواءها لكنها لم تكن هي التي أطلقت هذا الحراك. في تونس ومصر واليمن على الأقل هذا الانطباع أكيد. ولهذا السبب بالذات غلب الطابع السلمي والانضباطي على هذا الحراك. أما الوجه الأبرز الإيجابي فهو استمرار حضور هذا الفعل السياسي لحركة الشباب العربي الذي يمارس رقابته الديمقراطية ويخوض مواجهات على مطالب جزئية أو تفصيلية ويكسب أو يحصل على بعض الإنجازات.
رغم عنف النظام في اليمن والتورط الإقليمي والبنية العشائرية، ورغم إعادة تنظيم صفوف قوى الثورة المضادة في تونس ومصر، وفاعلية أدوات النظام القديم، ما يزال المناخ السياسي لهذه البلدان يعد بالمزيد من التقدم. لم تتماسك قوى النظام في اليمن، وتتعرض حركة الإسلام السياسي في تونس ومصر إلى جدل واسع وإلى انقسامات، وتتكون منها اتجاهات عدة لا تعطيها فرصة الهيمنة على المسرح بصورة حاسمة. أما ليبيا فقد اجتازت أخيراً احتمالات التقسيم والتقاسم بين قوى النظام والمعارضة ميدانياً، بسقوط كل المدن في يد قوى التغيير وبانتهاء أسرة ألقذافي ومقتله من دون أن يكون للنظام الليبي قوى تستمر من خارج حكم العائلة. وفي سوريا، حيث لم تستطع المعارضة أن تقيم لنفسها سلطة انفصالية ولا حتى ان تشكل جبهة موحدة سياسية تمثل معظم اتجاهات الرأي والقوى والنخب وقوى الحراك الشعبي، فليس هناك في الأفق ما ينبئ باحتمالات التفكيك أو التفتيت أو التقسيم، خاصة أن التوازن الدولي والإقليمي الذي نشأ حول سوريا يفتح الطريق إلى مشروع تسوية، إما أن يصنعها الداخل السوري أو يصنعها اللاعبون الإقليميون والدوليون. على الأقل ليس في المدى المنظور ما يوحي باحتمال تدخل خارجي عسكري قد يؤدي إلى فوضى إقليمية واسعة.
انطلاقاً من هذه القراءة يمكن الاستنتاج أن المستقبل القريب يتسم باستمرار الصراعات والنزاعات، وبتجدر الحراك الشعبي واتساع النشاط السياسي، وتشكل القوى والتيارات السياسية، فضلاً عن التفاعلات والمداخلات الخارجية، لكن لا شيء يدل على ان خارطة المنطقة وكياناتها عرضة لأي شكل من التفكك ولا إلى رسم حدود جديدة. هناك آلام كبيرة من هذا المخاض، وهناك المزيد من الأسباب للحركات الاحتجاجية ومن العنف ومن التوترات، كجزء من هذه المرحلة الانتقالية، قبل أن تتلاقى المصالح المتنافرة على نظام جديد.
| < السابق | التالي > |
|---|






Google
Facebook
Twitter
Myspace
Linkedin
Yahoo
Digg
del.icio.us
Windows Live
Furl
Reddit
Blogger
Technorati
Rain Concert










