في ذكرى أزمة الخليج (1990) وفوقية الغرب وتبعية العرب:

الثلاثاء, 11 يوليو 2017 20:44 دراسات - دراسات
طباعة


أين السبب وأين النتائج في الأزمات المتلاحقة في المنطقة؟

استحضار هذه الذكرى ليس ضد أي بلد من بلادنا ولا هو تجاوز على جراح أي شعب من شعوب أمتنا لسبب بسيط هو أن كل هذه الآلام كان السبب وراءها هو السياسة الأمريكية الأنانية التي لم تحسب لغير مصالحها الحصرية حساباً في معالجة ظواهر الأزمة

ولهذا فإن استرجاع العبرة هو ضد الأسلوب الاستعماري الفوقي الذي تعاملت به الولايات المتحدة في أزمة تخص أمتنا ففعّلت، كما تفعل اليوم تماماً، برنامج مصالحها وحدها دون الوضع في اهتمامها مصالح المنطقة وأبنائها فنتج عن ذلك سد كل طرق الحلول الدبلوماسية وقيادة المنطقة إلى الدمار الهائل الذي لحق بكل البلاد المعنية بتلك الأزمة في المشرق العربي والإسلامي وكانت الولايات المتحدة هي الرابح الوحيد على حسابنا، وذلك رغم مواقف الحكومات المؤيدة لها والتي خرجت خاسرة بمجموعها سواء على المدى القصير أو البعيد، وليس المقصود من هذه الذكرى سوى العظة والعبرة لأن تبعات تلك الكارثة مازالت مستمرة ومتفاقمة إلى اليوم على الجميع بلا استثناء وإذا كان علينا ألا نلقي اللوم على الآخرين فإن الملوم هو سذاجتنا في تسليم قيادنا لأعدائنا وتفضيل الإصغاء إلى نميمتهم بدلاً من تفاهمنا الداخلي، ولعل الأزمات المتلاحقة التي دخلت فيها المنطقة نتيجة الحضور الأجنبي تزيدنا يقيناً مع مرور الزمن أن هذا الحضور هو منبع المشاكل وليس إحدى نتائجه هو المنبع، وذلك منذ حرب العراق وإيران مروراً باحتلال الكويت وتأكد ذلك باحتلال العراق وها نحن اليوم نعاني من أزمة جديدة أرجو ألا يلوم أحدهم النظام العراقي السابق عليها حيث صور بعض المتغربين اللائذين بالحماية الأجنبية أزمة التسعين نبعاً فياضاً من المشاكل وبالغوا في أثرها الأخطبوطي حتى تأكد اليوم أن ما ظنه التغريب آنذاك نتيجة (الحضور الأجنبي) لسبب (احتلال الكويت) كان هو السبب لكل المشاكل التي عصفت ومازالت تعصف بالمنطقة التي زال منها النظام العراقي السابق ورأسه وأركانه، والعراق نفسه سقط من الجغرافيا السياسية ومع ذلك بقيت الأزمات لأن السبب مستمر وهو الحضور الأجنبي ثقيل الظل، ويجب ألا يظن حالم أن الأزمات ستتوقف مادام السبب قائماً.

بعد إثارة مختلف الأطراف ضد بعضها البعض(1) ليستفز أحدهم جاره ويرد الثاني بانفعال تم غزو الكويت في الثاني من أغسطس/ آب/ أوت 1990، وبعدها بعشرة أيام طرح الرئيس العراقي صدام حسين مبادرة لحل الأزمة، وتخلو وسائل الإعلام المرئي العربي اليوم من أية إشارة للحدث رغم أهميته التاريخية في كشف الخداع الأمريكي للأجيال المعاصرة كما بينت الحوادث المتتالية منذ ذلك الوقت، وربما كان استحضار الحدث حتى في سبيل العبرة التاريخية مازال يجر الاتهامات الانفعالية التي تنسى أنه لم يعد هناك من يمول مثل هذه "الدعاية" وأن كوبونات النفط نفدت بعدما تمت سرقة النفط نفسه بأيدي لصوص الاحتلال الأمريكي.

جاء العرض العراقي في المبادرة وفق البنود التالية التي عرضت الحل الشامل في المنطقة وفقاً للقرارات الدولية، رغم كون هذه القرارات ظالمة عادة، والانسحاب من كل البلاد المحتلة وفقاً للشرعية الدولية التي يلوح بها الغرب ضدنا صباح مساء:

1- انسحاب الكيان الصهيوني فوراً وبلا شروط من الأراضي العربية المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان.

2- انسحاب سوريا من لبنان والانسحاب بين العراق وإيران.

3- وضع ترتيبات للانسحاب من الكويت مع الأخذ في الحسبان الحقوق التاريخية للعراق في أرضه (معضلة المنفذ البحري التي لم تحل إلى اليوم وستظل تؤرق أي حكم قادم في العراق(2) ويتوجس منها حكام الخليج على شاكلة كل مشاكل الحدود التي ورثتها التجزئة من عهد الاستعمار).

4- انسحاب القوات الأمريكية والقوات الأخرى وحلول قوات عربية محلها لا يكون من بينها قوات مصرية (بسبب انحياز نظام حسني مبارك آنذاك الذي تبنى موقف الولايات المتحدة بحذافيره ودوره في تمرير هذا الموقف بالبيان المعد في أمريكا بقمة القاهرة،(3) وهو دور اعترف به بوش وبيكر وجعلا ثمنه إعفاء النظام من الديون).(4)

5- تجميد كل قرارات المقاطعة والحصار وعودة الأمور إلى مجراها الطبيعي في التعامل.(5)

تم رفض المبادرة فوراً، وتصدرت الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني قائمة الرافضين،(6) تحت نفس الذريعة التي ظلت تتردد طوال فترة الأزمة (لا شروط مسبقة)، ووصف الأمريكيون والصهاينة المبادرة بأنها "دعاية رخيصة"(7) (فهم لا يلجئون للدعاية مطلقاً! ويلاحظ أن كل الذين نعتوا المبادرة بالدعاية، غير الجادة بالانسحاب، كانوا يستمدون ذخيرتهم من واقع قبولهم بازدواجية المعايير كأمر طبيعي اكتسب الشرعية بالتقادم، وفرضهم هذا الواقع على العالم المستسلم للقوي، فعندما قالوا إن القيادة العراقية لا تريد الانسحاب وتمارس الدعاية لأن مطالبها "مستحيلة"، هم كانوا يؤكدون بذلك إدانة أنفسهم من حيث لا يعرفون لأنهم يقرون ادعاءات الطرف الآخر الفوقية وكونه غير مستعد مطلقاً لتطبيق المعايير نفسها التي يراد تطبيقها على العراق (الجدار المنخفض) بشكل أحادي ومتسرع رغم أن غيره سدر في غيه لعقود طويلة، ومتهمو العراق، والعرب منهم، يؤيدون استمرار هذا الاعوجاج بدلاً من انتهاز الفرصة والمطالبة الجماعية بتعديل كل المسارات).

لن نتوقف عند رفضهم طلب العدالة والمساواة في المعاملة بين قضايا البشر.

ولن نذكر أن الكويت لم تستثن من الحل وما طلبته المبادرة لا يخرج عن تصريح الأمير سلطان بن عبد العزيز نفسه في 21 أكتوبر من نفس العام بتقديم العربي لأخيه بعض التنازلات التي لا تخرم مروءته عندما يقدمها له بلا لجوء للقوة،(8) ولن نلاحظ إهمال الاستعداد لتحقيق الهدف المعلن وهو الانسحاب من الكويت بلا حرب وخروجها من دائرة الأزمة حال الموافقة على الترتيبات المذكورة، وهذا الإهمال إشارة إضافية لسذاجة من يظن أن مصير الكويت وسلامتها كانا أولوية أمريكية لاسيما بعدما غض الأمريكيون الطرف عن توجيه الأحداث منذ البداية وقبل تفاقمها لصيانة الإمارة من الأخطار التي كان العالم كله يراها ويراقبها عن كثب، وفضلوا استخدامها طعماً في فخ كبير لتحقيق مصالح دنيئة لم يربح منها أي عربي ومن الأرجح أن خسائرها لم تخطر على بال الكويتيين أنفسهم عندما عرض عليهم الدعم الغربي في بداية الأزمة وقبل وقوع الغزو.(9)

ولن نتوقف عند تقويم موظفين أمريكيين كبار لتكرار عرض المبادرة بشكل أكثر تساهلاً في بداية عام 1991 (الانسحاب من الكويت إذا قدمت أمريكا تعهداً بعدم مهاجمة الجيش المنسحب، وإذا غادرت الجيوش الأجنبية المنطقة، والعمل على الاتفاق بشأن فلسطين، وحظر كل أسلحة الدمار الشامل في المنطقة) بأنه "هام" و"يدلل على الاهتمام العراقي بالوصول إلى حل تفاوضي" وكونه موقفاً جدياً يسبق التفاوض، ومع ذلك رفضت الولايات المتحدة كل ذلك فوراً(10) وهي العروض التي كان من الممكن على الأقل منحها زمن اختبار لو كان الغرض هو تطبيق العدالة على الجميع في النظام العالمي الجديد كما زعموا.

ولن نعترض على الرد على المبادرة بالتعلق بأكاذيب تهديد السعودية،(11) لتبرير استمرار الحشد العسكري والذي كان مدخل البلبلة التي وقعت في المنطقة منذ استقر هذا الحشد، مع أن مستندات هذا الحشد كانت أوهى بكثير من مستندات الحشد العراقي على الحدود الكويتية والذي لم ينل التحذير اللازم من الحكومة الأمريكية إلا إيحاء لطيفاً بطلب الحماية الأمريكية،(12) ولما وقع الاجتياح لم تحاول أمريكا منعه في لحظاته الأولى وهي تراقبه بل انتظرت ساعات طويلة إلى أن استتب الأمر للعراق داخل الكويت، وذلك رغم محاولة رئيس الأركان ووزير الدفاع الأمريكيين إطلاق تحذير رئاسي إلى الرئيس صدام عبر قنوات الدبلوماسية السرية ولكن رفض بوش ذلك ليغوص العراق في الأزمة،(13) أي أن الأحداث كلها استغلت لتحقيق مصالح أمريكا الحصرية دون مصلحة أي شريك أو تابع بل ولو تطلب الأمر استخدام الصديق طعماً وضحية لإيقاع العدو في الفخ.

ولن نتكلم عن استقبال مبادرة إطلاق الرهائن (الذين كانوا نصف الأزمة حسب التصريحات الغربية في ذلك الوقت)(14) وغيرها من المبادرات بعنجهية راعي البقر(15) الذي يؤكد باستكبار صحة مسلكه وحده(16) وأنه سيستعمل القوة "ولو رفض الآخرون"(17) بمن فيهم الكونجرس الأمريكي نفسه،(18) ويرفض مجرد الحوار بشأن إنهاء الاحتلال الصهيوني بعد هذه المبادرة، ويستمر في رفع الشعار المتشدد "لا للمفاوضات، لا للتنازلات، ولا للحلول الوسط، ولا لمحاولات حفظ ماء الوجه، ولا لمكافأة العدوان"،(19) ونعم "للإذعان بلا شروط"(20) وهو شعار لا يحل أية مشكلة دولية، ولا ترفعه الولايات المتحدة نفسها ضد ربيبتها الصهيونية المحتلة.

ولكن نلفت الأنظار إلى الحقائق التالية التي لا يمكن فهم الحدث خارج سياقها:

1- لم ترفض هذه المبادرة وحدها، بل تم إفشال كل المبادرات حتى التي تقدم بها الكبار كالاتحاد السوفييتي وفرنسا أو التي وافق عليها الإنجليز والصينيون، وحتى مجرد التصريحات المرطبة التي كان يدلي بها مسئولون عرب كبار كالأمير سلطان، وتقلص المطالب وتنقلها من سعر النفط إلى المنفذ على الخليج إلى حل القضية الفلسطينية(21) أو حتى مجرد الوعد بذلك إلى مجرد الضمانات بسلامة الانسحاب،(22) ودائماً نفس الرد (رفض الشروط المسبقة) أو في الحقيقة طلب الاستسلام المطلق،(23) ولهذا كان رد بوش المتغطرس في اليوم التالي للمبادرة: "لا بديل عن الزعامة الأمريكية، وإن الزعامة الأمريكية لا يمكن أن تكون فعالة في غياب القوة الأمريكية"،(24) وهو ما ردده وزيره بيكر،(25) ورفض الحلول الجزئية،(26) ورفض "مكافأة المعتدي"،(27) وعقد النية على الاستفراد باستخدام القوة ولو رفض الآخرون،(28) ورفض أي بديل عن قرارات الأمم المتحدة، ووجوب تطبيق كل قرارات مجلس الأمن،(29) ورفض أي تنازلات (ولا بوصة واحدة)(30) وهي كلها عبارات تاق العرب إلى سماعها في صراعهم مع الصهاينة.

2- ماذا كان مصير قضية فلسطين التي كان الحلفاء العرب حريصين على عدم دحض حجتها عالمياً لو قبلنا بفكرة الاحتلال؟ ثم زعموا أن القضية انتكست بفعل الغزو العراقي كما لم يحدث في تاريخها،(31) وهل نال العرب المصدقون الذين تسولوا إعلان النوايا بشأن تسوية القضية أي مكافأة أو وفاء بالوعد؟ وعلى فرض رفض الأمريكيين الخضوع للعدو، فماذا قدموا للقضايا الأخرى التي تعهدوا بها بعد تطبيق قرارات الأمم المتحدة على العراق(32) فلم يؤد مؤتمر مدريد 1991 سوى امتصاص نقمة عارمة واستمر التعامل الرخو مع الاحتلال الصهيوني؟ وإذا كان "المجتمع الدولي" رافضاً "مكافأة المعتدي" أو حتى الإصغاء إليه، فماذا فعل توسل "الأصدقاء" للولايات المتحدة وأوروبا بإصدار "التزام ما" من أمريكا أو الدول الغربية أو مجلس الأمن (أو بابا نويل!) "بتحريك" القضية الفلسطينية(33) (وكأننا لم نجرب التحريك منذ 1973!) وتسوية الصراع، ومازال التحريك جارياً وقطار التسوية متحركاً إلى اليوم باحثاً عن محطة وهو ما يؤكد ألا قيمة للعربي في الميزان الأمريكي وهذا ما على أنصار التدخل الأمريكي أن يعرفوه جيداً حتى لو خدعتهم الحظوة الظاهرية مؤقتاً، فمخطئ من ظن يوماً أن للثعلب ديناً ومصير كل العملاء الذين سقطوا بعدما ارتفعوا إلى قمم الطاووس أبلغ درس للواهمين.

3- هل أفادت (1- الكويت) من إبقائها مدة أطول في طور الأزمة؟ وهل يمكننا أن نتصور مكسباً في وضع مصيرها كطعم منذ البداية في الفخ الذي حاكته السفيرة الأمريكية في العراق بتصريح مهما قيل في تبريره فلا يمكن أن نعده مناسباً لحفظ أمن الكويت في ظل حشود عراقية ترصدها كل الأقمار الصناعية الأمريكية(34) القادرة على رصد دبيب الحشرات على الأرض؟ وقد كانت الولايات المتحدة على يقين من النوايا العراقية،(35) ومع ذلك لاذت بالصمت تجاه العراق أو أعربت عن "القلق" الخجول(36) وحذرت الكويت بخجل لا يناسب حجم الواقع المرئي من جهة ولكنه يترك الانطباع لدى الضحية المرتقبة بأن التحذير وقع ولو كان همساً، حتى لا يقع اللوم مستقبلاً، وذلك مثل كل السياسات الأمريكية المتبعة في الأزمة حيث تم إمساك العصى من المنتصف للحفاظ على المصالح الأمريكية بتوازن دقيق وحذر (فالدعم لجهة يحفزها على التحدي ولكنه لا يكفي لردع الجهة المقابلة، والتصريح بدعم جهة يقابله تصريح بإطلاق يد الجهة الأخرى، وتحذير جهة من نوايا الجهة الأخرى يقابله الصمت عن تحذير الأخرى عن الإقدام بشكل حازم)، وقد تبين من الأحداث أن الغرض لم يكن تحرير الكويت في حد ذاته بل القضاء على القوة العراقية وهو ما لم يخجل منه بوش وتاتشر وبيكر ووزير الدفاع تشيني ووزيرا خارجية سابقين هما جورج شولتز وهنري كيسنجر وشاركهم الصهيوني شامير في عز الأزمة،(37) وقد حذر كيسنجر العاملين في المصارف الأمريكية في حينها من أن عدم تحقيق الهدف من وجود القوة الأمريكية في الخليج سيدفع الأحداث باتجاه التطرف ويزيد احتمال حرب عربية- صهيونية وستتحطم إمكانات السلام بين العرب والصهاينة إذا نجح صدام كما قال بوش أيضاً(38) (فهل زال التطرف بوجود الأمريكيين وهل حل السلام فعلاً وما هي الإجابة عن اندلاع عدة حروب مع الكيان الصهيوني منذ ذلك الوقت؟)، وكان انكشاف الهدف أنه تدمير العراق وليس تحرير الكويت هو السبب في استقالة وزير الدفاع الفرنسي الذي لاحظ البون الشاسع بين متطلبات تحرير الكويت وواقع تدمير العراق في الحرب،(39) وهذا ما أدركه الزعيم السوفييتي غورباتشوف في نهاية الحرب بعدما ساير السياسة الأمريكية إلى منتهاها بل كثيراً ما كان أداة لها(40) ثم وقف على الحياد(41) يراقب المذبحة كما وصفها مستشاره العسكري ورئيس أركان الجيش السوفييتي السابق(42) ولكن غورباتشوف قال في النهاية إن التدمير الكامل للعراق هو هدف الحلفاء الغربيين الحقيقي بهدف تنشيط اقتصادياتهم المتداعية،(43) وقد استمر العدوان بعد خروج الجيش العراقي في طريق الموت واستمر الحصار القاتل لمدة 12 عاماً بعد ذلك حيث وصل حدوداً إجرامية من الحظر والمنع لمواد غذائية ودوائية حيوية مما أوقع ملايين الضحايا بالإضافة إلى إصرار مضحك ومجرم على منع حتى أقلام الرصاص من دخول العراق بحجة استخدامها في أسلحة الدمار الشامل التي تبين عدم وجودها وكذب ادعاءات توفرها، مع العلم الأمريكي الأكيد بذلك (كعلم أمريكا المؤكد بإمكان الانسحاب العراقي من الكويت ولهذا أجهضت كل المبادرات واتخذت من الأساليب ما يحول دون تحقق ذلك لاسيما الإصرار العنيد على الاستسلام العراقي المطلق دون قيد ولا شرط)، حيث أن أجهزة حساسة في رصدها للقيام بأنشطة الدمار الشامل تكشف حقيقة وجودها دون وجوب انتظار التصريحات العراقية التي قد يكون الهدف إعلامياً منها (تماماً كتصريحات عدم الانسحاب من الكويت قبل ذلك وقد أكد كثير من السياسيين آنذاك إمكان الانسحاب)(44) وفي حالة أسلحة الدمار، كان الهدف الإعلامي ردع محاولات العدوان الخارجي في ظل التربص الإيراني كما قال الرئيس العراقي بنفسه فيما بعد(45) وكانت إيران قد رفضت عروض التقارب العراقية منذ 1990 حتى حازت على الثناء الأمريكي(46) وثبت عملياً بعد ذلك معاداتها للنظام حتى ولو بالتحالف مع الشيطان الأكبر، وانتهى الأمر بارتكاب جريمة احتلال أمريكي أكبر من أزمة 1990 بذريعة احتلال الكويت في زمن أصبح هذا الاحتلال ماضياً غابراً آنذاك ومع ذلك ظل الرئيس مبارك ينفخ في رماده لتسويق الجرائم الأمريكية المتجددة ويدعي أن احتلال العراق الكويت سنة 1990 هو سبب تواجد القوات الأجنبية التي تتأهب لاحتلال العراق سنة 2003، وكأن هذه القوات حمم بركانية فجرها العراق وليست دولاً كبرى تحركها سياسات بشرية ومصالح غربية يختارها الناس المعنيون، وهل يمكننا الادعاء أن الجوار العراقي للكويت أصبح مسالماً حتى قد تغير كل شيء فيه؟ ألا نلحظ الأزمات المتفرقة والتصريحات المتشككة والاتهامات المتبادلة التي تتفجر بين الحين والآخر ولا يمكن التنبؤ بمستقبلها كما لم يكن من الممكن توقع ما حدث في الماضي بسبب حرمان العراق من رئة التنفس البحرية في الوقت الذي يرى العراقيون جارهم الجنوبي كله شريط ساحلي وهم يرون الخرائط القديمة التي تؤكد لهم أن الرئة كانت جزءاً من كيانهم؟ أليس هذا ما حذر منه العقلاء كون الجرح الذي غرسه الاستعمار البريطاني سيظل نازفاً ما لم تحل هذه المشكلة المرتبطة بالوجود والحياة اليومية بتنازلات متبادلة تم عرضها في مبادرة الأمير سلطان بن عبد العزيز أثناء أزمة 1990 ولكن السادة الاستعماريين وأدوها في المهد لأجل مصالحهم الذاتية وليس لأجل مصالح العرب؟ كيف يمكننا تحقيق الأمن العربي في ظل هذا الخلل الذي يغذيه التحريض الاستعماري المستمر؟ وهل أدرك العقلاء أن الحضور الأجنبي على ضخامته لم يحل المشكلة رغم المليارات التي أنفقت والأسلحة التي قصفت والدماء التي نزفت والأرواح التي أزهقت؟ وأن السياسة العنيفة التي اتبعتها الولايات المتحدة في الأزمة لم تكن لصالح أبناء المنطقة وهم يرون أنه قد أصبح عليهم دفع أتاوة باهظة ودائمة لا يعلم بشر حتى اللص نفسه مقدارها ومداها وقد وصلت حتى الآن مئات المليارات وهي مرشحة لبلوغ الأرقام التريليونية وهو ما يجب أن نقارنه بالأرقام الضئيلة جداً التي كانت سبب الخلافات التي أشعلت أزمة الخليج سنة 1990 (إلغاء دين بمقدار عشرة مليارات دولار وتقديم منحة مقدارها عشرة مليارات اختلف بشكل محير على المليار الأخير منها بالإضافة إلى أقل من مليارين ونصف تعويضاً عن نفط الرميلة، أي أن المجموع حوالي 22.5 مليار من الدولارات أي حوالي 7 مليارات دينار كويتي وذلك بعد حرب طاحنة خاضها العراق ضد إيران للدفاع عن هذه الدول العربية خسر فيها أضعاف هذا المبلغ، ولكن كما نرى اليوم فإن الدفع للأجنبي أضعاف هذا المبلغ أحلى من الدفع للعربي، ولا بأس بخسارة الأموال في سبيل المشاريع الأجنبية كما حصل في الإغراق النفطي قبل اندلاع الأزمة حيث كانت دول نفطية تخسر مواردها في سبيل الإضرار بجيرانها)،(47) أليس من الأجدى النظر في خيارات أخرى تتعلق بضرورة حسن الجوار المستمدة من حتمية الجغرافيا بدلاً من الاعتقاد الساذج بدوام الحماية الاستعمارية التي "سخرتها" العناية الإلهية؟

4- وماذا كان مصير (2- سوريا) التي فرحت بالحفاوة الأمريكية والرسائل المتبادلة والمكالمات الهاتفية والزيارات المكوكية والعلاقات الدبلوماسية ولقاءات قمة جنيف في منتصف الطريق؟(48) وأين أصبحت من التجمع الذي حمل اسم عاصمتها (دول إعلان دمشق) بعدما تجمعوا في ظل الموقف الأمريكي من أزمة الخليج ثم صار أعضاؤه هم المعادين لها بكل عنف؟ وهل أفادت أي شيء من سيرها في ركاب الولايات المتحدة على أمل النظر في قضية العرب في الوقت الذي كان الصهاينة على أعلى المستويات يلوحون بتهديدها رغم كونها في معسكر التحالف؟(49) وهل اندثرت ديون (3- مصر) التي صُور الإعفاء منها والمساعدات السخية التي قدمت في زمن الأزمة نصراً مؤزراً(50) وذلك بعدما كان السلام الصهيوني هو الفردوس الموعود الذي سيعفي مصر من كل نفقات الحرب الباهظة لتتفرغ بعدها للتنمية، فهل تحقق أي شيء من هذا؟ وهل يمكننا أن نعد مكسباً، بأي شكل من الأشكال، تحول (4- الخليج) إلى مستعمرة أمريكية ترابط فيها جيوش الاحتلال ويتنافس المتنافسون فيها لاحتضان قواعد الاحتلال ويتطاول بعضهم على بعض أيهم أكثر جدارة بارتداء قيود هذا الاحتلال في الوقت الذي تتطاحن فيه أنظمة الأهالي الأصليين وتُستنزف مواردها المالية حتى الفلس الأخير بصفقات ذات مبالغ فلكية للأسلحة الصدئة والاستثمارات البليونية في اقتصاديات الآخرين ومشاريع الحروب العبثية مع الأعداء الوهميين، ومازالت المنطقة تخرج من صراع لتدخل في صراع يليه بفعل هذا التحريض الاستعماري الاستنزافي الذي يوهمنا بأن إرادته هي إرادتنا وحروبه هي حروبنا، والمنطقة يرتع فيها الأعداء الحقيقيون من الصهاينة ويناورون مع جيوشها ويرقصون على أنغام هدم الأقصى في عواصمها؟ وبعد عقود من الإنشاد المستمر بوحدة الخليج وشعبه انقلبت الأنظمة على نفسها وأصبح المطلوب من الخليجيين أن يعادوا بعضهم بعضاً وأصبحت محبة الخليجي لدى أنظمة خليجية جريمة يعاقب عليها القانون في الوقت الذي تفتح فيه الأذرع للصهيوني بكل مودة وترحيب، فهل هذه هي مصالح الخليج التي حققها الحضور الأجنبي؟ ثم ماذا أفاد (5- العراق) الذي دارت كل دعاية العدوان الأمريكي على تخليصه من الاستبداد والدموية؟ فهل تم القضاء فعلاً على الاستبداد والحكم الدموي أم أنهما تضخما وتلاشت أحلام الديمقراطية؟ وباختصار من هو الطرف العربي الذي خرج رابحاً من الأزمة نتيجة السياسات التي اتبعها ملوك الطوائف من الأندلسيين الجدد بعدما رأينا أننا قد أصبحنا مجرد أدوات لتطبيق الخطة التي أعلنها الكيان الصهيوني لتفتيت المنطقة منذ بداية الثمانينيات(51) وها هي تنفذ اليوم بالحرف على بلادنا ومنها نفس الدول التي مر ذكرها؟ هذا مع العلم أن عمر هذه الخطة التي أصبحت حديث الإعلام أطول من بداية الثمانينيات لأنها استمرار لخطة صهيونية أخرى وضعت بعد العدوان الثلاثي (1957) ونشرها الصحفي الهندي كارانجيا بعنوان "خنجر إسرائيل"(52) وطبقت عملياً في حرب النكسة (1967) واستمر تطبيقها مع بعض التعديلات التي تلائم الظروف المستجدة ولكن دون التخلي عن الجوهر الذي هو تفتيت العرب والاستيلاء على أراضيهم، ومع كل ذلك مازال العرب يقعون في الفخاخ المكشوفة ومن المستبعد أن يكون ذلك لأنهم لا يقرءون كما ظن يوماً موشيه دايان، بل لأنهم استمرئوا المذلة لأعدائهم.

5- لقد حمّل كثيرون القيادة العراقية مسئولية الحرب والدمار لعدم الاستجابة المطلقة وغير المشروطة لطلب الانسحاب، مع أن هذه القيادة وصلت في النهاية إلى مجرد طلب الضمانة بعدم العدوان على العراق في حال الانسحاب وكان الجواب يأتي دائماً بالرفض الأمريكي المتغطرس والمطلق لأي "شروط مسبقة"،(53) حتى لو كان هذا "الشرط" هو البقاء على قيد الحياة فقط، وأغلق الأمريكيون الباب في وجه أي استحسان دولي أو حتى استعداد لمنح هذه الضمانة البسيطة مادام الانسحاب سيتم،(54) مما أوصل العراقيين إلى استنتاج قطعي بأن المعركة حتمية سواء انسحبوا أم لم ينسحبوا، ومع ذلك أثّر تحميل القيادة العراقية المسئولية على سلوكها في غزو 2003 عندما كانت تدمر أسلحة العراق والعدو يحتشد على الأبواب، فماذا كانت النتيجة؟ طلب راعي البقر الأمريكي بغطرسته المعروفة، تنحي القيادة واستسلامها المطلق ولكن أيضاً دون التنازل عن نية الغزو والعدوان، أي أن المطلوب هو الإذلال لأجل الإذلال وليس كثمن للنجاة، وظل هناك من يبرر العدوان الصريح هذه المرة بأنه بسبب "وجود" القيادة العراقية في بغداد، كما صرحت بذلك إذاعة خليجية آنذاك، مع أن الأمريكي نفسه أعلن أنه سيدخل حتى لو غادرت هذه القيادة بغداد، وهو نفس ما حدث في الأزمة الأولى عندما قال بوش الأب إنه حتى لو انسحب العراق من الكويت فسيبقى الهدف هو إزاحة القوة والإمكانات العراقية، فهل يشك أحد بعد ذلك في الهدف الحقيقي للأزمة وهامشية مصير الكويت عند من ادعى حمايتها وكونها مجرد أداة في نظر مآربه دون أي اعتبار لأمنها؟ فإلى أي مدى وصل الاستكبار الأمريكي وإلى أي هوة نزلت الكرامة العربية؟ فهل أدرك المدركون أن سلوك الأعداء وعدوانهم ليس متوقفاً على ميولنا سلمية كانت أم مقاومة؟ وأن استمرار تقديم شهادات حسن السلوك لا علاقة له بالموضوع؟ وأن الحديد لا يفله إلا الحديد، وإذا كان زعيم كوريا الشمالية غريب الأطوار كما يصوره الإعلام الأمريكي فإنه على الأقل أكثر حصافة من القيادات العربية إذ أوقف العنجهية الأمريكية عند حدها ورفض أن يكون حاله كاستسلام العرب.

6- استند رفض المبادرة عربياً(55) إلى آراء عجيبة جداً ومع ذلك كانت النتيجة وخيمة على الجميع:

أ‌- "لا يمكن تبرئة احتلال الكويت بأي نية مهما كانت نقية"، مع أن العراق نفسه لم يطلب إليهم هذه البراءة والمباحثات السياسية لا تستند إلى المثاليات أصلاً.

ب‌- "فكرة الربط بين القضيتين مجرد دعاية لتبرئة احتلال الكويت"، وهل كانت الأطراف الأخرى بريئة من ممارسة الدعاية؟ أليست السياسة كلها دعاية في دعاية؟ ألم تبدأ الدعاية الأمريكية ضد العراق منذ ما قبل غزو الكويت(56) ولم تتوقف حتى بعد غزو العراق؟ من الذي استخدم الأكاذيب التي فضحها العالم ككذبات الحشود العراقية على الحدود السعودية وكذبة حاضنات الأطفال وكذبة تلوث طيور لا تعيش في الخليج أصلاً ومئات التقارير الكاذبة قبل الغزو الأمريكي وكذبة أسلحة الدمار الشامل وكذبة العلاقة بين العراق والقاعدة.... إلخ، ووفقاً لكل هذا استخدمت دعاية التشبيه الانفعالي بهتلر الذي اجتاح أوروبا كلها والاستحضار العاطفي لكوارث الحرب الكبرى الثانية ليطبق على اجتياح بلد صغير ويصبح الرئيس العراقي أسوأ من هتلر في مجاز يستخف بقراء التاريخ؟(57) هذا فضلاً عن إخفاء الأخبار التي لا تناسب السياسة الأمريكية في الأزمة منذ بدايتها،(58) ألم يتم حشد الجيوش الأجنبية في المنطقة تحت ستار دعائي وهو المهمة الدفاعية؟ وضمان أعلى المستويات السياسية عدم القيام بالهجوم والتأكيد على عدم وجود أي التزامات تجاه الحضور الأجنبي الذي زعموا أنه سيغادر فور إتمام المهمة؟(59) وهل كان ذلك جزءاً من الدعاية أم أن العرب لم يكونوا يملكون من أمرهم شيئاً إذ يتحدثون فيلغي الأجانب كل ما يقولونه كما حدث في مبادرة التنازلات المتبادلة؟ وماذا كان يقصد الذين يعارضون الغزو العراقي من العرب حين قالوا إن مصادقتهم على الغزو سيدحض حجتهم أمام العالم بمناوأة الاحتلال الصهيوني؟(60) فهل كانوا صادقين فعلاً وهم حلفاء الصهاينة فعلياً ويرون حقيقة الموقف الأمريكي الذي لا يخفى عليهم حمايته العلنية للكيان الصهيوني في الأزمة؟(61) وماذا فعلوا لقضيتهم المزعومة بعد انتهاء احتلال الكويت وهم يزعمون التزام المجتمع الدولي بحل القضية الفلسطينية؟(62) ألم يكشف ذلك أن حديثهم كان مجرد دعاية أيضاً؟ ثم ماذا نسمي من دعموا الحرب ضد إيران بكل قواهم ثم زعموا أنهم نهوا القيادة العراقية عن التحرش بإيران؟(63) وماذا نسمي إلباس الحضور العسكري الغربي في سبيل المصالح الأمريكية في المنطقة صفة الإرادة الإلهية؟(64) ألم تكن حرب الخليج كلها دعايات من كافة الأطراف؟ كيف نصف الذين دغدغوا مشاعر شعوبهم بشعارات التنمية وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار بعد الحرب(65) إلى أن خلعتهم شعوبهم وهو ينهبون؟ وماذا نسمي خطب بوش التي أخفت وقائع الأزمة الكاملة والاستفزازات التي سبقتها من جهات عديدة ضد العراق؟ ثم صُورت الأزمة بصفتها صراعاً بين الملائكة والشياطين وأنها انقضاض وحش على حمامة سلام دون أي استفزاز؟(66) وكيف نصف الخطب الرنانة بعدم معاداة الولايات المتحدة للشعب العراقي(67) رغم أنه المتضرر الأكبر من السياسات الأمريكية؟ وأن العقوبات سترفع عند الانسحاب من الكويت وعودة الحكومة الشرعية وإطلاق الرهائن، ولم ترفع العقوبات رغم تطبيق كل ما سبق؟ وماذا نصف خطبة بوش عن عدم استهداف البنية التحتية العراقية(68) فيما كان وزير خارجيته يتحدث عن إعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة؟ وفيما يقوم التحالف الأمريكي بتدمير العراق يعلن بيكر لوزير الخارجية السوفييتي أن الهدف من الحرب تحرير الكويت لا تدمير العراق،(69) وماذا عن الحديث عن عدم استهداف الشعب العراقي بل العمل على تخفيف معاناته(70) ثم تضييق الحصار القاتل عليه 12 سنة بعد ذلك مما قتل الملايين؟ ألم يكن الرئيس الأمريكي يمارس دعاية رخيصة وهو يكذب على الملايين ويستغبيهم ويستخف بإدراك أي عاقل وقارئ للتاريخ عندما قال "إن الولايات المتحدة لم تسع في تاريخها إلى الحرب"؟!؟(71) ثم ألم يكن من الدعاية الهابطة أن يدخل الصهاينة المزاد أيضاً فيدعي المجرم شامير أن كيانه "مولع بالسلام" بل إن هذا هو الثابت الوحيد في الشرق الأوسط(!)(72) ثم ألم يكن إلقاء الأمريكيين والبريطانيين دروساً أخلاقية(73) نكتة تضحك الثكلى بالنظر إلى الدمار غير الأخلاقي العظيم الذي نتج عن سياسة الحلفاء؟ أليس ملف الأزمة كله سجلاً للدعاية الرخيصة كهذه غالباً؟

ت‌- ومن الردود التي بررت رفض المبادرة أيضاً أنه "لو قبلت الولايات المتحدة بغزو الكويت لما طرح صدام حسين مسألة حقوق الفلسطينيين، فقد طمأن السفيرة الأمريكية على مصالح الولايات المتحدة"، وماذا كان يعمل المحتشدون خلف الولايات المتحدة؟ هل كانوا يحاربون مصالحها؟ وهل اهتموا بحقوق الفلسطينيين؟ وماذا فعل استجداء الحلول السلمية منذ ذلك الوقت؟ وأيهما أفضل إذن من يطرح الحقوق للنقاش بندية أم الذي يستسلم لإرادة من سلمه طعماً كما كان عليهم أن يدركوا من حديث السفيرة مع الرئيس، وهو الحديث الذي أشاروا إليه.

ث‌- "لا يمكن جعل الكويت رهينة في يد عربية مقابل رهينة في يد إسرائيلية"، ومن الذي جعل الكويت رهينة لمصالحه أصلاً؟ ألم تسمعوا حديث السفيرة الذي أشرتم إليه؟ وهل لدى المتحدث فعلاً فرق بين العربي، الذي حاربه، والصهيوني الذي صادقه وحالفه واستسلم له ومازال؟

ج‌- "لن تقبل إسرائيل بالإفراج عن رهينتها من أجل تحرير الكويت حتى لو بذلت الولايات المتحدة أقصى الضغوط عليها"، فهل كان الكيان الصهيوني سيرفض حتى لو شنت عليه أمريكا الحرب؟ فلماذا شنت الحرب على العراق وحده؟ وهل علم العرب من ذلك قيمتهم عند الصهاينة الذين يتسابقون اليوم على ودهم وهم لا يقدمون شيئاً للشرعية الدولية المطلوبة منا وحدنا؟ وهنا عدنا إلى وجوب التعامل بالعدل والمساواة مع الجميع وهي المعضلة التي لم تحل إلى اليوم.

إن الهدف من هذا العرض التاريخي هو بيان الثغرات في سياسة التجزئة العربية والتي قادت فيها العواطف والانفعالات، الشخصية في كثير من الأحيان، إلى رفض لملمة الصفوف وتفضيل اللجوء إلى العدو والركون إلى وسوسته وإثارته وعدم الاستعداد لتلبية الحاجات الملحة لأخ أو جار قد يكون طلبه صغيراً مقارنة بالإتاوة التي يطلبها العدو وتظل تتفاقم بمرور الزمن، وبحجة التحرر يعود الاستعمار وبحجة الحق في الثروة يتم تسليمها كاملة للأجنبي، كرامتنا وكبرياؤنا يرفضان أي تفاهم بيننا ويصوران الاتفاق مع الأخ ونجدته استسلاماً وخنوعاً، ونجد الحديث عن الجار مفعماً بالاستفزاز واستحضار الثوابت وعدم التفريط ورفض التنازلات أو حتى المفاوضات وفرض الإرادة وطلب الإذعان والانصياع، والتوعد بدروس لا تُنسى، والاستقواء بالغريب إلى حد الترحيب بالقصف النووي(74) وفي نفس الوقت المزايدة على الأطراف الدولية التي قد يصرح بعضها بوجود إشارات إيجابية من طرف عربي فيخرج أخوه العربي رافضاً ذلك محرضاً على جاره وأخيه،(75) مع القبول في نفس الوقت بالاستسلام المطلق والخنوع الحقيقي للأعداء ولو كانوا يتاجرون بوجودنا وثرواتنا وشعوبنا وحياتنا، ثم لا تكون شعاراتنا التي نرفعها تبريراً لاصطفافنا الصادق إلى جانبهم إلا زيفاً في حق الأخ والجار الذي لا نجرؤ على نصرته إلا إذا تم الإذن لنا بذلك، يكون أخونا عدونا وغريمنا إذا حكم الأجنبي بهذا، وحبيبنا وقريبنا إذا رضي الأجنبي بذلك، وفي الحالين بثمن سرعان ما يذهب مع الريح وتظل مشاكلنا عالقة من الأراضي المحتلة والدماء المهدورة مروراً بالتدخلات الأجنبية إلى الديون المتراكمة والانقسامات المتشعبة ولا تحلها اجتماعات الأخوة العابرة ولا المزاعم المتقلبة عن المصير الواحد ولا الخطب الرنانة عن المصالح المشتركة (التي لا تكون حقيقية إلا في الخنوع المشترك للأعداء)، فكأن حالنا مع عدونا أصبح كحال العبد مع ربه: لا ملجأ لنا منه إلا إليه!

كان الميل الأمريكي البريطاني هو إفشال أي مبادرة لا تحقق الاستسلام العراقي المطلق (كتصريح الأمير سلطان، والمبادرات الفرنسية والسوفييتية، والاقتراحات الأوروبية)(76) وليس العراقية فقط،(77) ففي البداية تكرر الحديث باستمرار عن رفض أي شرط عراقي مسبق أو تفاوض على مطلب عراقي وبهذا قمعت كل مطالب العراق التي لم تكن ظالمة جميعها بل كان بعضها يعبر عن مظلومية واضحة، وفي خضم التنكر والإهانات المستمرة لم يفسح أي مجال لتسوية عادلة، بل كثر الحديث عن التدابير التي ستلاحق العراق حتى لو انسحب من الكويت، وكل ما عرضته أمريكا آنذاك هو انسحاب آمن دون أي شروط،(78) مع التلويح باستمرار الحصار والإجراءات المعادية،(79) وبهذا أغلقت كل أبواب الحلول السلمية في المرحلة الأولى (درع الصحراء)، ولما اشتعل فتيل الحرب وتحول الدرع إلى عاصفة الصحراء رفضت الولايات المتحدة منح أي ضمانات أو حتى مطالب، ينفي العراق كونها شروطاً،(80) تقلل من خسائر المعركة حتى لو كانت مجرد ضمانة بعدم قصف الجيش المنسحب، وبهذا كان العراق مخيراً في البداية بين الاستسلام المطلق أو الحرب دون حصوله على أي ضمانة تخص مظالمه، بل كان الإصرار المبيت على الإيذاء في رفض مبادرة سوفييتية بعد اندلاع الحرب وافق عليها العراق تعلن القبول بالانسحاب دون قيد أو شرط بعد وقف إطلاق النار ثم يرفع الحصار بعد ذلك،(81) فأعلن بوش توجيه إنذار للعراق ثم أعلن الحرب البرية وجدد رفض التوفيق بين شروط التحالف والمبادرة السوفييتية، ورغم الموافقة العراقية الكاملة على المبادرة السوفييتية المعدلة وإعلان القيادة العراقية الانسحاب من الكويت لم يقبل الحلفاء ذلك وأعلن بوش استمرار الحرب وصار معلناً أن هدف المعركة لا يقتصر على تحرير الكويت بل تدمير القوة العراقية،(82) أي أنه في النهاية صار الخيار بين الاستسلام المطلق والأمل الواهي بوقف المعركة ولكن دون أي ضمان(83) بل كان المضمون هو استمرار الحصار، والتوقعات مظلمة بشأن المنسحبين، ووقعت أشد التوقعات السلبية هولاً حين قُصف الجيش المنسحب وتم القضاء على القوة العراقية كما خطط الحلفاء وسط التحريض والهتاف الصهيوني.(84)

وبهذا يتبين أن معضلة عدم قبول العراق بالانسحاب لم تكن مطلقة بل تبحث عن تحقيق مطالب خاصة بمظلومية العراق الخاصة التي ربطها أحياناً بمظلومية بلادنا عامة،(85) وأن الذنب لم يكن بإثارة هذا الموضوع لأهداف إعلامية، بل بالامتناع عن حل مشاكل طال زمنها وسببت الكثير من الكوارث والنكبات، فالاستغلال الإعلامي العراقي الذي زعمه الحلفاء نبع من كوارث ونكبات حلت بدماء وأرواح وأراض وأوطان وثروات وهي أكبر جرماً كثيراً من ذلك الاستغلال، وأنه حتى بعدما نطق العراق الكلمة السحرية وهي القبول بالانسحاب غير المشروط، تبين أن سحرها زائف وأن تحرير الكويت كان ذريعة لأهداف أخرى(86) زادت الاحتقان في المنطقة العربية كما تنبأ بعض العقلاء بطريقة منطقية،(87) وهو ما أظهر تغيراً واضحاً في أهداف الولايات المتحدة إذ كانت في البداية تتحدث بوضوح عن حماية السعودية فقط دون الهجوم على العراق ولهذا سمت حشدها درع الصحراء، ثم تحول الهدف إلى تحرير الكويت دون تدمير العراق وسمت العملية عاصفة الصحراء، وبعد ذلك صار تدمير القوة العراقية هو الهدف المعلن دون غزو العراق،(88) وبهذه الحجة عاد العراق إلى عصر ما قبل الصناعة كما هدد بيكر ولم يقتصر الأمر على تدمير قوته العسكرية، ثم تم غزو العراق واحتلاله وتدمير بناه التحتية وقتل وتشريد وإفقار شعبه الذي لا تعاديه أمريكا حسب ادعائها، فأين صار تحرير الكويت في خضم تلك الأحداث وتقلب الأهداف؟ وهل ظل أحد يذكر هذا الهدف في غمرة الدوامة الإعلامية الأمريكية إلا الذين خاطبهم الرئيس مبارك بقوله إن الاستعدادات لاحتلال العراق سنة 2003 سببها احتلال الكويت سنة 1990! وأين صار هدف تحرير الكويت فيما وصلت إليه بلادنا اليوم من صراعات وتمزقات وانقسامات كانت نتائج متسلسلة مما فعلته الولايات المتحدة منذ البداية وما تزال تمارسه بنفس الأساليب النفعية وما زال العرب يخضعون بنفس أساليبهم السابقة حتى بعدما أسفر اللص عن حقيقته.

وكل تلك التقلبات في الأهداف المعلنة والتسويفات في حل المشاكل يدل على عدم وجود الرغبة الأمريكية بالحل منذ اندلاع الأزمة، وأن ما كان جارياً هو مجرد تحقيق مصالح ولو على حساب الآخرين بمن فيهم الأصدقاء والحلفاء والأتباع، وهذا ما لم يفت ملاحظة المراقبين، فقد أشار الصحفي الأمريكي مايكل ماسينغ إلى "أنه في الأيام الأخيرة للأزمة، وقبل تفجيرها، كان أسوأ سيناريو بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية هو احتمال استجابة الرئيس العراقي لطلب الانسحاب. وإن هذه الإدارة كانت محتاطة لذلك، وكانت لديها الخطط لإحباط عملية الانسحاب هذه"،(89) ويقول الدكتور سامي عصاصة إنه يوجد مراجع تشير إلى أن الرئيس الأمريكي جمع حوله عدة مستشارين بعضهم من أصول عربية "ليقترحوا عليه التعابير اللغوية العربية التي تثير الرئيس صدام حسين"،(90) وكل ما سبق يبين أن هناك أهدافاً أمريكية تختلف تماماً عن حل الأزمة بتحرير الكويت ولم يكن هذا التحرير هو سبب الأزمة أصلاً كما بيّن استمرارها بعد إتمام التحرير بزمن طويل، ويلاحظ الدكتور ناظم الجاسور أن الأسلوب الأمريكي الاستفزازي استمر في عدوان 2003 "حين ظهرت التصريحات السياسية الأمريكية التي لم تترك مجالاً لأي تسوية، حتى وإن كانت بخروج صدام حسين من العراق مع عائلته".(91)

وفي ذلك يقول المفكر الأمريكي المعارض نعوم تشومسكي إن هناك "معلومات وفيرة متاحة عن عروض العراق الخاصة بالانسحاب والرفض الأمريكي الفوري والقطعي لها. حكومة الولايات المتحدة هي التي رفضت، وبدون قيد أو استثناء، الفرص الوفيرة المتاحة لها لتحري مخارج تفاوضية"،(92) وكان هذا التشدد لا يخدم سوى التصميم على الحرب وهو ما حدث رغم تكرار العراق عروضه في بداية 1991 كما سبق ذكره، ورغم ملاحظة عدة مسئولين دوليين كانوا في مناصبهم أو غادروها هذه الرغبة العراقية في الحل التفاوضي وانتقدوا الاندفاع الأمريكي وولعه بالحرب،(93) والدليل على ذلك تكرار الولايات المتحدة وبريطانيا طوال فترة الأزمة شعارات متطرفة: لا شروط مسبقة، لا حلول جزئية، لا مفاوضات، لا لحفظ ماء الوجه، إنذار، إذعان، استسلام، وحتى عندما قبل العراق بمبادرة زيارة طارق عزيز لواشنطن وجيمس بيكر لبغداد وضح بيكر أنه يريد الإبلاغ وليس التفاوض، وأنه سيوضح أنه لن يتفاوض،(94) كانت غطرسة الغرب الأمريكي هي سيدة الموقف، بالإضافة إلى استخدام أسلوب الإهانات الشخصية المنحطة في المحافل السياسية الرسمية والاجتماعات الجماهيرية الحاشدة،(95) ولم يكن هذا العزوف الأمريكي عن التفاوض بسبب الرفض لمبدأ المفاوضات، فالأمريكيون والغربيون مختصون في التسويف والمماطلة وتعويم الحقوق كما يبين تاريخ القضية الفلسطينية التي أصبحت مجرد مفاوضات مطولة بلا نهاية، كما أن المفاوضات مع إيران أثبتت قدرة الدول الكبرى على مط أعصابها مطاً لا نهاية له ما دام التفاوض يحقق أهدافها، والمهم في أزمة الخليج أن التفاوض كان سينتج مخرجاً يحول دون تحقيق الهدف الحقيقي وهو تدمير القوة العراقية، وسيفقد الولايات المتحدة الذريعة الذهبية لتحقيق هذا الهدف، ولهذا يلاحظ متتبع اليوميات أن الأزمة تمحورت حول تركيع العراق ولو بأغلى التكاليف وليس تخليص الكويت بأقل التكاليف، ولهذا ضيع التشدد الغربي فرصة حل الأزمة نهائياً عندما عرض الأمير سلطان فكرة التنازلات المتبادلة(96) التي كانت ستمنح العراق المنفذ البحري وتقضي على سبب الصراع من جذوره، وأظهر التشنج الأمريكي والبريطاني(97) الذي زايد على الأطراف العربية صاحبة الشأن عندما تقدم الأمير بعرضه أن الهدف لم يكن حل الصراع وأسبابه بل فرض الحل العسكري الذي تريده الولايات المتحدة وبريطانيا، ولم تؤد السياسة المجنونة التي اتبعها الأمريكيون إلا إلى تفجير سلسلة من الحروب المتتابعة والتغطية على توسيع الجرح العميق وزيادة الاحتقان المستقبلي وتراكم الأحقاد المتبادلة بدلاً من العلاج الجذري، وكل ذلك لأن الولايات المتحدة اهتمت بتحقيق مصالحها الحصرية حتى لو كان ذلك على حساب أصدقائها وحلفائها وأتباعها، فكان قرارها هو النافذ، فدمرت العراق وأرجعته إلى العصور الوسطى خارج إطار أي مطلب عالمي بتحرير الكويت، ولم تكلف نفسها بإسباغ مسحة دولية على وجود قواتها في المنطقة،(98) وكان مسئولوها هم المتولين لقيادة الأزمة ومحادثاتها وليس مندوبو الأمم المتحدة، حتى اعترف الأمين العام خافيير بيريز ديكويار أن الولايات المتحدة تسيطر على مجلس الأمن وأن سلوكها عندما منعت وزير الخارجية العراقي من حضور اجتماعات مجلس الأمن (1991/2) مخالف للقوانين الدولية، وأن حرب الخليج ليست حرب الأمم المتحدة بل حرب سمح بها مجلس الأمن،(99) الذي تهمين عليه الولايات المتحدة، ولم يتحقق أي رأي خلاف رأيها، فلا فرنسا فرضت المؤتمر الدولي لحل قضية الشرق الأوسط بعيداً عن معضلة الربط العراقي،(100) ولا هي تمكنت من تحرير الكويت فقط وليس تدمير العراق كما كانت تعلن،(101) وكما كان ذلك مطلب العالم والأمم المتحدة، ولا الاتحاد السوفييتي تمكن من إنفاذ مبادراته السلمية العديدة نتيجة الرفض الأمريكي العنيد لاسيما في الأيام الأخيرة للحرب، ولم تحقق الموافقة العراقية على ما اقترحه السوفييت في آخر أيام الحرب أي مكانة للاتحاد السوفييتي الآفل في المفاوضات لأن القرار كان أمريكياً حصرياً ولم يستطع السوفييت إجراء أي تعديل في مسار الأحداث،(102) ولم تأبه الإدارة الأمريكية بغورباتشوف وهو يحذر الولايات المتحدة من تدمير العراق وأصرت على الاستسلام العراقي الكامل،(103) ولا السعودية تمكنت من تحقيق رأيها بالتنازلات المتبادلة، ولا هي استطاعت قصر وجود القوات الأجنبية فيها على مهمة الدفاع دون الهجوم، ولا سوريا لفتت الأنظار إلى الخطر الصهيوني، ولم يجد الرئيس حسني مبارك سوى التماهي مع الموقف الأمريكي في مؤتمر القمة العربية الطارئ وفي الموقف من تصريح الأمير سلطان وفي الموقف من المبادرة السوفييتية وفي رفض فكرة الربط بين أزمات المنطقة وفي رفض تقديم أي تنازل للعراق قبل الانسحاب(104) والتغطية على ذلك بالخروج أحياناً بمواقف تصطنع الاستقلالية والأهمية مثل رفض المبادرة السوفييتية، بعد إعلان الرفض الأمريكي بالطبع، وكأن هناك من ينتظر موقف الرئيس المصري أو كأن موقفه سيغير مسار الأحداث(!) ولا العرب تمكنوا من الحصول على مجرد التزام بحل قضيتهم، أي لم يتمكن أي من حلفاء أمريكا بالحصول على أذن صاغية لرأيه ولم ينفذ إلا الرأي الأمريكي الذي دعمه بل دفعه الصهاينة،(105) وبالوسيلة التي فرضتها أمريكا وكان الكيان الصهيوني يزايد عليها، أي أن الولايات المتحدة استخدمت العالم لإسباغ الشرعية على مطالبها ومساعدتها في تحقيقها.

وقد لاحظ مشرف ومعدو موسوعة حرب الخليج بعد مراجعة اليوميات والوثائق والتقارير أن تاريخ الأزمة يظهر كيف تحدت إدارة الرئيس بوش العراق وكيف واجه الرئيس صدام حسين التحدي بالمثل،(106) ولهذا تقاسم الطرفان فيما بعد مسئولية محاصرة محاولات إنهاء الأزمة سلمياً، فكلا الطرفين كانا يستعدان للمواجهة ويتحدثان عن الحلول السلمية، ولكن يتضح أيضاً السبب في ذلك كما جاء في كلام الأستاذ فؤاد مطر وهو أن قرار الحرب كان متخذاً مع انطلاق أول مجموعة من القوات الأمريكية إلى منطقة الخليج، ومن أجل ذلك فإنه لمجرد أن تتقدم قليلاً فرص الحل العربي للأزمة يحدث إجهاض لها أو يحدث ما يشبه الانقضاض عليها،(107) وتبين وما زال يتبين من الحوادث كذب كل الذرائع التي قدمت والشعارات التي رفعت، حتى تحرير الكويت الذي لم يكن يتطلب تدمير العراق وفقاً لتهديد وزير الدفاع الأمريكي(108) ولا إعادته لعصر ما قبل الصناعة وفقاً لتهديد وزير الخارجية الأمريكي(109) أو "فوضى خلاقة" استمرت سنوات بعد الحدث، ولم يتبق سوى حضور نتيجة واحدة هي تدمير العراق والمنطقة كلها وتقسيمها وليس مجرد نزع السلاح، وهو السر في التشدد الغربي الذي طغى على كل التوجهات العالمية للتسوية.

وإذا كان هناك من يرون أنه من حق الغرب أن يحقق مصالحه رغم كل الوحشية التي استعملها والدمار الذي حققه والنذالة التي تصرف بها وتبرير الازدواجية التي عاملنا بها فبالتأكيد من حق المعتدى عليه أن يدافع عن نفسه وأن يحقق مصالحه وفق منطق القوة نفسه الذي برر به الغرب ازدواجيته وحينئذ عليه أن يتقبل نتائج هذا الصراع في النهاية كما فرض على أهل بلادنا تقبل هذه النتائج في البداية وألا يصيح مولولاً من نتائج إرهاب انطلق من عقال الكبت والإذلال وهو مجرد عينة صغيرة من الإرهاب الحقيقي الذي مارسه الغربيون.

* بين شروط المدللين وشروط المنبوذين

وفي النهاية تجدر الإشارة إلى العبارة التي كثيراً ما ترددت في الأزمة وهي وجوب الانسحاب العراقي بلا شروط مسبقة، وهو أمر رفع كقميص عثمان ليكون ذريعة لتدمير العراق لاسيما أن العراق عرض الانسحاب وفق مطالب لا تعد شروطاً حتى بالميزان الأمريكي إلا إذا حسبنا الرغبة المسبقة بالتدمير مع الإذلال، وإلا فإن تاريخ الولايات المتحدة يطالعنا بأنها وافقت على الانسحاب الصهيوني من قطاع غزة في أزمة السويس (1956- 1957) بعدما ارتكب الصهاينة الفظائع لمدة أشهر ثم عرضت مندوبة الكيان الصهيوني (ورئيسة الوزراء فيما بعد) جولدا مائير الانسحاب على أساس "افتراضات" ثلاثة منها انتقال السلطة في القطاع إلى قوات الطوارئ الدولية دون سواها بعد الانسحاب الصهيوني وأن تقوم بواجبها تجاه القطاع (الذي ارتكب فيه الصهاينة "واجباتهم"!) إلى أن يحين موعد اتفاق نهائي يحدد مستقبل القطاع، ولم تجد الولايات المتحدة في كل ذلك ما يسمى شروطاً،(110) ولكنها رأت بعد ذلك أن طلب العراق رفع الحصار أو حتى ضمان سلامة الانسحاب شرطاً يخل بما يجب عليه ويبيح استمرار المذبحة، وهذه الحقائق نسوقها لمن ظن أن تلكؤ العراق بالانسحاب دون قيد أو شرط هو الذي جلب عليه الدمار ولكن الحقيقة أن الحكم كان صادراً منذ البداية بغض النظر عن أي موقف عراقي.

* الخلاصة

وها نحن نعيش في تبعات موافقتنا للغرب على عدم تطبيق العدالة بالتساوي على الجميع، فهل خطر على بال أحد المشاركين في صناعة الأزمة التساؤل ماذا لو كنا قد وافقنا على عكس ذلك وتمسكنا بتطبيق تلك العدالة على كل المذنبين بلا تمييز؟ وقد كانت شعارات "النظام العالمي الجديد" كما عرضها بوش الأب نفسه: عصر جديد وحقبة للحرية وزمن للسلام لكل الشعوب، والتحرر من الإرهاب، والبحث عن العدل، والسلام، عصر تستطيع فيه كل أمم العالم غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، أن تنعم بالرخاء وتعيش في تناغم،(111) وقال أيضاً إن عصراً جديداً قد ولد حيث تحل سيادة القانون محل قانون الغاب،(112) ثم في ظل ذلك تحدث المنافقون عن دخول العالم مرحلة احترام القانون الدولي والديمقراطية،(113) وعن نظام عربي جديد يسود فيه حسن الجوار وحل الخلافات بالحوار والتعاون؟(114) فأين هؤلاء المتحدثون اليوم في ظل تتابع الأزمات واستمرار تسرب الموارد بعدما أعلنوا أن احتلال الكويت سيكون خاتمة الجرائم ونهاية الأحزان؟ وماذا فعلوا بالعالم العربي بعدما أزالوا المجرم الأخير؟ هل انتهى توترهم؟ أم صارت كل حرب تلد أخرى وكل أزمة تتلوها مثلها؟ ألم يحن وقت التدبر في العداوات العربية البينية التي مازالت قائمة منذ بداية التجزئة وكانت سبباً مباشراً للهزائم المتوالية حتى أن مما قاله الرئيس جمال عبد الناصر في الذكرى الرابعة عشرة لثورة يوليو (1966) إن "الرجعية العربية تكرهنا أكثر مما تكره إسرائيل"، وإن "عليها أن تتحرر أولاً من القواعد الأمريكية والبريطانية ثم تتجه إلى فلسطين"، وإن "الرجعية العربية لن تحارب إسرائيل"،(115) ألا نرى هذا الكلام ينطبق اليوم كما انطبق أمس، بل نراه اليوم يتحقق بنتائج أعمق كارثية مع المبالغة في العداوات البينية واصطناع الأعداء الوهميين وإعلان المقاومة إرهاباً وتشديد الحصار عليها لإرضاء البلطجي العالمي الذي يمعن في إذلال أمتنا وفرض الإتاوة عليها بمعاونة برامج خطيرة ينفذها مغامرون كالجنرال أنور عشقي الذي يظن نفسه فيلسوفاً سابقاً عصره ومتفوقاً على "العامة" و"الدهماء"، وهو في الحقيقة عاجز عن قراءة بديهيات السياسة والحرب والتاريخ التي يلمسها رجل الشارع بفطرته بعدما رأى المصائب التي جرتها عمليات السلام المتعددة رأي العين في ظل التعنت الطبيعي للقوي: فكيف يمكن تحقيق سلام وليس استسلاماً بين طرفين غير متكافئين في القوة؟ بل إن أحد الطرفين تضمن الدول الغربية الكبرى تفوقه النوعي على مجموع أعدائه، ومتى تنازل القوي عن مكتسباته لأجل عيون مبادئ الحق والعدل والإنسانية؟ وأي سلام تحقق يوماً في ظل هذا الخلل الاستراتيجي؟ وهل يمكننا بذريعة سقوط السياسة الإيرانية في العراق وأفغانستان أن نجعل هذا السقوط مبرراً وغطاء لسقوط أكبر في الهاوية الصهيونية؟ وهل سيأتي يوم على هذا التخبط ليبكي على إيران الإسلامية لو حل محلها وجه مجوسي فعلاً كالوجه القومي الشاهنشاهي الذي يعادي كل أثر عربي مقدس كقرآن العرب ونبي العرب وأئمة العرب ولغة العرب وبلاد العرب كما ينظر إليهم، ألا يكفي هذا التخبط الذي أدخل الأمة في دوامة الصراعات وأهدر الدماء والثروات في حرب العراق وحشد العالم ضده ثم بكى عليه بعدما كان يوماً هو الخطر الأكبر من خطر "أهل الكتاب" الأمريكيين والصهاينة لأنه ارتكب "أكبر جريمة في التاريخ" باحتلال الكويت بعدما كان بدوره المدافع عن البوابة الشرقية للأمة العربية من خطر "المجوس"؟

* التغريب والمبادرة والأزمة

استكمالاً لعملية الاعتبار بالدرس القاسي الذي يقدمه تاريخ أزمة الخليج، يمكننا أن نطلع على نموذج من مواقف التغريب التي انحازت "للمجتمع الدولي" لنرى مبررات وحجج هذه المواقف ومدى انطباقها على الواقع وما هو نصيب وعودها من الصدق وإلى أين قادت أصحابها.

نلاحظ ابتداء أن مواقف التغريب عموماً من قضايا أمتنا نابعة من ألفته الفكرية بالغرب القوي وسعيه للسير على خطى تحضره حيث يصبح هو المتفوق قوة وثقافة وعلماً ومدنية ويصبح الطرف الضعيف هو المتخلف في كل ذلك، ولكننا وجدنا أن هذه المسلمة البديهية في عرف التغريب قادت إلى انحراف واضح في رؤية أحداث أزمة الخليج كما أثبتت الوقائع منذ ذلك الوقت، وثبت كذلك أن هواجس رجل الشارع البسيط كانت أكثر صدقاً من مواقف مفكرين وأساتذة ومحللين غفلوا عن البديهيات الواضحة في غمرة الانشغال بالتفصيلات وذهبت توقعاتهم الوردية من الغرب مع رياح الأطماع الغربية.

نموذجنا للرؤية التغريبية لأزمة الخليج هو المفكر العربي المعروف الدكتور فؤاد زكريا الذي كتب عدة مقالات أثناء الأزمة وجمعها في كتاب هو "الثقافة العربية وأزمة الخليج"،(116) ويمكننا أن نعد هذا الكتاب حالة نموذجية من مواقف التغريب من قضايا الأمة سواء في المنطلق او جهة الانحياز أو تحليل الأحداث أو مآل التوقعات، ولعل هذه الحالة النموذجية تكون عبرة مستقبلية لأجيال تبحث عن طرق أكثر جدوى من أساليب الماضي في اتخاذ مواقف من قضاياها.

ينطلق الكتاب من صدمة المؤلف من المواقف التي اتخذتها النخب الفكرية العربية بعد اندلاع أزمة الخليج، فمن مسلماته أن وضوح الرؤية في هذه القضية كان يستلزم مواقف مناقضة تماماً، وفي رأيه أن الأزمة كانت أزمة عدوان وطغيان واستبداد، وإلى جانب ذلك فضحت كثيراً من الخفايا، وأخطر ما فضحته هو التكوين الفكري للمثقف العربي الذي كنا نظنه مثالاً للسمو الأخلاقي والوعي العقلي وأنه ضحية لسلطات غاشمة وقوى اجتماعية جامدة تعجز عن اللحاق بفكره الطليعي وتعمي عيونها عن رؤيته المستقبلية، فتبين أننا كنا نعيش في وهم، ومن هنا ينطلق الكاتب لصب جام غضبه على "الشريحة المؤيدة للعدوان" التي لم تكن تقل عن الشريحة التي تصدت له استجابة لقيمها "الأخلاقية والعقلية".

ومن هذا الشعور بالفوقية على السقوط الثقافي والفكري للنخب العربية، ومن الشعور بالألفة مع الفكر الحضاري الغربي، ومن ثم التطبيع مع مصادره الدولية بطريقة تنزع عنهم صفة العداوة الثابتة وتجعلهم منبعاً للتقدم، وقد تقع بيننا وبينهم اختلافات ولكنها ليست من ثوابت العلاقات، يتخذ الكاتب عدة مواقف رئيسة يمكن فحصها كالتالي:

1- الإطار العالمي للحدث الخليجي: إطراء النظام العالمي الجديد

ينتشر على طول مواضيع الكتاب الحديث بإعجاب شديد عن النظام العالمي الجديد الذي ولد بعد نهاية الحرب الباردة فأعطى صورة مشرقة عن عالم جديد تسوده القيم السامية في الوقت الذي يشده تخلف العرب إلى الوراء، فيقول إن أصحاب العقول الملتوية صوروا الأمر كأنه نزاع بين الشعوب والإمبريالية، وقدموا تبريرات مغالطة وفرضوا نغمة نشازاً على عالم يسير كله نحو عهد من السلام الشامل وحل أعقد النزاعات بالتفاوض المتحضر (ص 11)، ووسط الاتجاه العام إلى التهدئة والحل الحضاري العقلاني لكافة المشاكل المعقدة، يرفض العراق مبدأ التفاوض (ص 15)، فنحن الآن أمام صورة نظام وليد جديد لم نصل إليه إلا بعد تجارب مريرة، وعالم أصبح أمله في المستقبل معلقاً بنزع السلاح والتوصل إلى أساليب حضارية لحل كافة مشاكله (ص 48)، وهو يرى "الأمور واضحة وضوح الشمس" إذ يدين العالم كله حاكماً ينتسب إلينا بسبب جريمة غزو وحشي وعدوان همجي وانتهاك فظ لحقوق الأمم والأفراد، ويعبر الجميع عن اشمئزازهم ممن أطفأ شمعة وليدة لا يتجاوز عمرها العام الواحد، شمعة الوفاق والمصالحة والتفاهم بين أشد المعسكرات تنافراً، تلك الشمعة التي أنارت للبشرية طريقاً جديداً تحل فيه مشكلاتها بأسلوب حضاري عقلاني، وتكسر فيه رماحها لتحيلها إلى مناجل تغرس بذراً وتحصد ثماراً (ص 63).

ونحن نعجب من شدة هذا الإطراء للنظام العالمي والذي لم يكن في محله لاسيما أنه كان وليداً جديداً ولم ير الناس منه إلا معسول الكلام ولم يكن المثقف العربي فضلاً عن المواطن العادي الذي صدم كاتبنا المحترم يلمس منه تلك المزايا التي أغدقها الكتاب عليه، فمن اطلع على تاريخ الولايات المتحدة، كمؤلف الكتاب الذي كتب أيضاً كتيباً رائعاً في فضح النموذج الأمريكي، يدرك أن ما كان جارياً في زمن انهيار المعسكر الشرقي ليس مساومة بين طرفين متكافئين ولا هو مصالحة بينهما بل هو تداعي طرف أمام خصمه الأمريكي، ومن يعرف هذا الخصم الأمريكي يعرف أنه سينتهز هذه الفرصة للاستفراد بالعالم كما أثبتت الأزمة الخليجية، ولا أدري هل هو الإسراف في الآمال أم هو العجز المعرفي الذي جعل مثقفين كباراً بحجم المؤلف يتيهون في رؤية الأحداث التي جرت أثناء الأزمة إلى حد تصويرها كحدث قيامي بين طرف الحق المطلق وطرف الباطل المطلق مما لا تدعمه سلسلة الحوادث التي جرت أثناء الأزمة وتلتها وكانت في متناول القارئ البسيط، وجعلت حتى مجرد الآمال العريضة التي بناها المتفائلون في مرحلة ولادة النظام العالمي الجديد إسرافاً لا يليق بمثقف طليعي يفترض أن تقود ثقافته الجماهير، إذ كيف يقنعنا أن هذا النظام التصالحي الذي جمع بين أشد المعسكرات تنافراً عجز عن احتواء مشكلة الخليج بنفس المنطق التصالحي، وكيف يمكننا الادعاء أن وجود مجرم مشاكس هو الذي أفسد النظام العادل مع أن العدالة لا يمكن أن تسود بعدم وجود مجرمين بل بتطبيقها عليهم وعلى غيرهم، فالقول إن حاكماً واحداً في بلد صغير، مقارنة بالدول الكبرى، أفسد عدالة النظام العالمي لا يتفق مع المنطق لاسيما أنه لم يكن ممن أرسى دعائم هذا النظام ولم يكن لديه من القوة ما يدمر أركانه، إذ لم يكن خطراً على العالم كما هولوا، وكان من الممكن أن تطبَّق أركان العدالة عليه وعلى غيره كما زعموا، لاسيما أنها كانت مشكلة محلية وليست بين دول عظمى، أما الزعم بأن العراق رفض التفاوض فهي دعاية كشف زيفها حتى المتابعون الغربيون من سياسيين وكتاب ومعلقين، وترديدها يدل على أثر الإعلام الأمريكي الذي طمس الحقيقة فيها وهول من الخطر العراقي ليكون ذلك مبرراً للرد عليه بعنف مفرط لم يكن تجاهله أو تجاهل مبرراته المزيفة (ص 117) أو تحميل العراق جريرة هذا التهويل وهذه الشدة المجرمة (ص 93) مما يليق بإنصاف التفكير العقلاني.

ويتضح الانبهار الشديد الذي غطى على حقائق الموقف دون مبرر عملي في قول الكاتب وهو يعدنا بالمن والسلوى من النظام العالمي الجديد إن العالم كله يدرك أن إسرائيل من مخلوقات الحرب الباردة، وأن ذوبان ثلوج هذه الحرب سينعكس سلباً على هذا الكيان، ومن المؤكد أنه سيقضي على كثير من أسباب جعل إسرائيل الطفل المدلل للغرب، ثم ينهال الكاتب جلداً على العرب الذين مازالوا يفكرون بالعقلية التآمرية الاستعمارية الإمبريالية الكومبرادورية وغيرها من المصطلحات العقيمة ويظنون أن بإمكانهم القضاء على الكيان الصهيوني بالخطب البلاغية عن حرق نصفه أو بالمفرقعات الاستعراضية (الصواريخ العراقية)، في الوقت الذي ساد فيه تفاهم يذيب أشد الأخطار في جميع الخلافات في العلاقات الدولية وهو ما يسير بالكيان الصهيوني نحو الذوبان (ص 89)، ويكرر الكاتب لوم الرئيس العراقي على إفساده النظام العالمي الجديد الذي اتجه نحو نزع السلاح مما تسبب في مشكلة اقتصادية كبرى للغرب وهي كساد صناعة السلاح وما يرتبط بها من صناعات حيوية، إذ أدت مغامرة العراق بغزو الكويت إلى إنعاش الصناعات العسكرية ودارت عجلة تجارة السلاح من جديد لكي تبيع نواتجها المميتة بمبالغ طائلة للمناطق الحمقاء، ويتحدث الكاتب عن كون الملوم الحقيقي هو النظام العربي الذي يعيش بيننا ويحل مشاكل الغرب على حسابنا ويلوم الذين صفقوا للنظام العراقي ولاموا الغرب مع أن الغرب عقرب ومن طبيعته اللدغ ويكون المذنب هو من قدم جسده لهذا العقرب ليلدغه (ص 100- 101).

في الحقيقة هذه حيلة بلاغية يلجأ إليها أنصار التغريب كثيراً عند مواجهتهم بجرائم الغرب، فدائماً ما يزايدون على الاتهام ويعترفون بالجريمة ولكنهم يجعلونها نوعاً من القدر الذي لا مرد له (مثل وصف المصالح، مهما تغولت، بالدوافع الطبيعية، أو جعل الإضرار من صفات الغرب الخَلقية) لإعفائهم من أي إجراءات ضده، وتصبح الخطيئة هي قذف النفس بين نيران هذا القدر وتقديمها طعماً لصفاته الطبيعية الضارة، ولا نعرف ما الذي يمكن أن يعدوه نوعاً من هذا الانتحار، إذ يدخل فيه أي مقاومة تؤدي إلى انتقام مبالغ فيه، أو أي تحد لمقام لا نقوى على مجابهته مادياً، ويقودنا هذا المنطق غالباً إلى ضرورة الاستسلام المطلق، ولكنهم ينسون أنهم كانوا قبل قليل يتحدثون عن مزايا الغرب وإنجازات الغرب وتقدم الغرب وإنسانية الغرب وعقلانية الغرب وليس عن عقارب الغرب، وهنا كان حديثهم عن النظام العالمي الجديد الذي صنعه الغرب ثم خرج هو نفسه عن قوانينه عند أول فرصة سانحة وهي وقوع الغزو العراقي للكويت، ترى أي نظام عادل هذا الذي يتخلى حكامه عن عدالتهم ويصبحون عقارب لمجرد وجود مجرم فيه، ومَن مِن المفروض أن يسيطر على الآخر ويجره إلى مجاله: الحاكم العادل القوي، أم المجرم المعزول الخارج عن القانون والجميع واقفون ضده؟ وهنا ننسى كل صفات العدالة والتصالح وحكم القانون وحقوق الجميع في هذا النظام ونبرر لحاكمه التخلي عن كل هذه الوعود بسبب وجود خارج على القانون في العالم، مع أنه ليس من المتوقع في أي فردوس أرضي مهما بلغ من درجة العدالة أن يخلو من الإجرام والخروج عن القانون، والعبرة تكون بتطبيق العدالة على الجميع لا بفلاح المجرم في جر الحكام العادلين للظلم، فلا نعرف حاكماً في التاريخ أراد العدل ولكنه اشترط على رعيته وهددهم بأن عدله مرهون باستقامتهم جميعاً وبأنه سيتحول إلى عقرب ظالم لو ظهر بينهم أي فرد يتجاوز القانون، حتى لو كان منبوذاً معزولاً بينهم، فأي هشاشة هذه في نظام ينجح مارق واحد في هدمه وإغواء حكامه الكبار العقلاء العلماء العادلين على ترك أسسه ما لم يكن الخلل في هؤلاء الحكام أنفسهم لاسيما إذا علمنا أنهم سوقوا السلاح بلا مبرر حقيقي بعد تدمير القدرات العسكرية العراقية، ومن ثم لم يكن هناك مبرر لازدهار صناعة الأسلحة إلا عند العقارب التي لا يمكنها في الأصل أن تقيم نظاماً عالمياً عادلاً مادام الشر في طبعها، وإذا كانت حجة واهية كهذه ستفسد نية الاستقامة لدى المعسكر الغربي فسواء كان النظام العراقي أو غير النظام العراقي، سيفسد النظام العالمي بأي ذريعة، وهنا يتحول كل الحديث الوردي عن هذا النظام العالمي وغيره من مزايا الغرب إلى مجرد خدع عقارب لادغة.

والغريب أن الكاتب لا يطبق نظرية الطبيعة الشريرة للغرب على ارتباطه بالكيان الصهيوني، حيث نجد قراءة قاصرة جداً تجعل من الكيان الصهيوني مجرد ناتج فرعي للحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والكاتب يجعل هذه حقيقة يعلمها العالم كله (وهو مؤشر على وزن "البديهيات" و"الحقائق الواضحة" الأخرى التي يسطرها ويستخف إلى حد الاحتقار بكل من لا يعرفها)، مع أن أي كتاب يؤرخ لتطور الصهيونية يرجع جذورها الفكرية إلى الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن السادس عشر، وظهورها السياسي إلى حملة نابليون على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وتكرر طرحها بعد هزيمة محمد علي باشا ليكون الكيان اليهودي حاجزاً يصد تطلعات الباشا المستقبلية، ثم كان وعد بلفور لحماية قناة السويس شريان الوصول إلى الهند درة التاج البريطاني، كل ذلك قبل وجود المعسكرين الأمريكي والسوفييتي بعشرات ومئات السنين، وهذه الارتباطات الفكرية والسياسية جعلت الكيان الصهيوني مخفراً غربياً متقدماً وسط المحيط الشرقي الذي يصفه الغرب بالبربرية، فالكيان الصهيوني ليس من مخلوقات الحرب الباردة بل من مخلوقات السياسة الاستعمارية الغربية التي نشأت قبل الحرب الباردة واستمرت بعدها، فعن أي ذوبان سيصيب الكيان الصهيوني يتحدث الدكتور الفيلسوف الذي ينفذ إلى أعماق الحقائق العقلانية ولا يساير الجمهور غير الواعي ويلتزم بالقيم والمبادئ الأخلاقية خلافاً للمثقفين الغارقين في الغفوة؟ ولماذا علينا التسليم بطبيعة الشر في الغرب عندما يتعلق الأمر بعلاقته بنا ويوجه شره ضدنا، لتكون النتيجة تبرئة لمسئوليته واستسلاماً له، ولا نسلم بالفكرة نفسها عندما يتعلق الأمر بعلاقته بأعدائنا وبفهمنا للدعم الغربي لهم حين يلزم أن يتحمل الغرب المسئولية ونواجهه بالمقاومة، ونفضل الهتاف في مهرجان افتتاح النظام العالمي الجديد على دراسة أحواله التي كانت جلية للمواطن البسيط أثناء الأزمة؟ وماذا سيفعل الكاتب عندما يكتشف أن وعوده الوردية بشأن الذوبان الصهيوني لن تتحقق وأن الولايات المتحدة مستمرة في الدعم كما كان عليه أن يرى ذلك جلياً في أزمة الخليج لولا اصطفافه ضد الجماهير "غير الواعية" والمثقفين "المغيبين" إلى جانب الحق المطلق الذي نصرته الولايات المتحدة، وما هي الإجراءات العملية التي سيقترحها للحد من التغول الصهيوني؟ أم أنه سيقف عاجزاً بعدما تخلى رسل الإنسانية عن قضيته فتجاوزها هو أيضاً نحو مزيد من الأحلام الوردية؟

ويتجلى العجز الإجرائي عن وقف المظالم الغربية في الحديث عن الكيان الصهيوني حيث لا نجد أي وصفة توقف تدهور الحال الذي يتسبب الصهاينة به كما وقفنا إلى جانب اتخاذ أقوى الإجراءات ضد النظام العراقي، لأنه في الحالين الغرب هو المتصرف، ونجد أنفسنا مجرد متفرجين نؤيد ونصفق لما يريده ونريده ونتوسل فيما نريده ولا يريده، إذ بعد الحديث عن "بديهية" ذوبان الكيان الصهيوني بعد نهاية الحرب الباردة، نجد الكاتب وقد أفاق ربما على ما لا يسر الخاطر من انحياز أمريكي مستمر تجاه الطفل الصهيوني المدلل، وهنا نجده يعالج هذا الخلل الموجود أصلاً في توقعاته المبالغ في تفاؤلها بمجرد النداءات والأماني.

فهو بعدما اعتقد أنه فهم حقيقة الحدث الخليجي وحدد المسئولية عنه برفع الملام عن الغربيين ما داموا عقارب وتصرفوا وفق طبيعتهم، أشار إلى أن تبني وجهة نظره أمر لا غناء عنه للتخطيط لمسارنا المقبل، وحدد الخطوة القادمة بالوقوف بحزم أمام استمرار أمريكا في تبني وجهة النظر الصهيونية التقليدية في الصراع مع العرب، ذلك أن وظيفة الكيان الصهيوني المرتبطة بالحرب الباردة لم يعد لها مكان في مرحلة التفاهم والتنسيق بين المعسكرين، بل إن فكرة المعسكرين تتلاشى، ولهذا لم يعد هناك معنى للاستمرار في انحياز أمريكي لأفكار لا تعبر عن حقائق العصر، ويؤكد الكاتب أنه رفض فكرة الربط بين احتلال الكويت والقضية الفلسطينية في حينها ولكن بعدما حلت مشكلة الكويت فقد آن حل المشكلة الأخرى التي هي أصل مشاكل المنطقة العربية وصار لدينا سابقة ملموسة في مراعاة الشرعية الدولية، وعلينا تركيز الجهود لوقف العبث ولوضع حد للمواقف الصهيونية المتحجرة والتصدي بحزم للانحياز الأمريكي الذي يناسب مرحلة عفا عليها الزمن، ولم يعد بالإمكان ابتزازنا باللوبي الصهيوني والانتخابات الأمريكية وأصوات اليهود بعدما وصلت شعبية الرئيس بوش بما يضمن فوزه فوزاً كاسحاً، وأي موقف أمريكي منحاز بعد الآن يعني إضاعة فرصة لا تعوض للقضاء على ظلم طال أمده، وإعلاناً صريحاً لعداوة دائمة مع العرب سيكون لها عواقب وخيمة، فنضالنا يجب أن يستمر بعدما اعترض مسيرته مغامر جشع، وبعدما انتهت مغامرته بأكثر الطرق دموية نتيجة لأخطائه (ص 101- 102).

وإذا كان حضرة المفكر لا يقدم دليلاً عملياً للتعامل مع قضية فلسطين "قضية العرب الأولى" حيث لا يهدد الخطر الصهيوني الفلسطينيين وحدهم بل يهدد الأمة العربية كلها، وإن انحياز بعض الفلسطينيين وقياداتهم إلى الجانب الخطأ في الأزمة لا يعني التخلي عن قضيتهم ذاتها لأنها تظل مستقلة عن الأشخاص، وأسوأ ما يمكن أن يفعله خصوم العدوان العراقي هو الاستسلام لروح الانتقام من مؤيديه لأن فعل ذلك هو الوجه الآخر لفعل من تخلى عنهم وقت الأزمة التي أثبتت أن الشعوب العربية تحمل قدراً هائلاً من المرارة إزاء سلوك الدول الكبرى، ولهذا ينبغي ألا يكون حل قضية الكويت هو نهاية المطاف، بل ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق في مواجهة صريحة وأمينة لكل مشاكلنا المصيرية (ص 54)، فإن هذه الأماني والحماسيات البلاغية لا تقدم حلاً ملموساً للقضايا المنتظرة منذ عقود طويلة بعدما قام الغرب بحل مشكلته في الكويت ولكنه لم يقدم الحل العملي نفسه للمشاكل الأخرى الذي تمناه من قدموا له الدعم في مصالحه في الكويت، وإذا كان العراق قد قدم خطباً بلاغية ومفرقعات استعراضية ضد الكيان الصهيوني، فإن ما يقدمه التغريب هنا أقل من ذلك بكثير، إذ يبقي القضية على قائمة الانتظار ومازالت كذلك إلى اليوم لعدم قدرته على دفع السادة الغربيين إلى أي فعل ميداني ولهذا يسكت المطالبين العرب بالحلول بمجرد شعارات النضال والمواجهة النظرية لاسيما أنه رفض حل الربط العراقي بين أزمات المنطقة ورآه مأساة مبكية إلى ذروتها ومهزلة مضحكة إلى حضيضها لأنها اعتراف بتساوي المجرميْن (ص 78)، وأن معنى منطق الربط أن يكون الغرب أشد حرصاً على سمعة العرب لأنه طبق معيارين وجعل جريمة الأخ أفدح من جريمة العدو (ص 53)، وهي رؤية ظاهرة العرج والاعوجاج وتدل على الانحياز الصارخ لموقف ظاهر البطلان ومحاولة تزيينه بأي شكل من التلاعب اللفظي، لأن العرب لم يسلموا بتساوي الجريمتين بل ألزموا القوي بما ألزم به نفسه من دعاوى الشرعية الدولية، كما أن الغرب لم يكن أشد حرصاً على أمتنا إذ مارس كل هذا التدمير عليها بل كان أشد حرصاً على ربيبته الصهيونية المدللة التي رفضت فكرة الربط بذعر ولم يكن دافعها ولا دافع من وقف إلى جانبها هو الحرص على سمعة العرب(!)، وإذا كانت عملية الربط لا تشرف العرب كما يقول المؤلف، وتكشف عن قصور عقلي فاضح (ص 53- 54) فإنه هو نفسه من برر للغرب استخدام كل ما يملك من إمكانات من أجل تدمير الخصم عندما يصل الأمر للصراع المسلح (ص 74)، وهكذا كان حال العراق عندما شعر بأنه واقع تحت تهديد الحرب في لقمة العيش.

وهكذا نلاحظ أن تأييد الغرب فيما ارتكبه من حوادث دموية وإلقاء عبء مسئوليتها على همجية طرفنا والنظر برؤى وردية غير حقيقية للنظام العالمي الجديد وكونه نظام تفاهم وتنسيق وسلام وبناء توقعات وردية لم يتحقق منها شيء سواء بخصوص تلاشي أهمية الكيان الصهيوني وارتباطاته كاللوبي والصوت اليهودي والاعتقاد بشعبية كاسحة لبوش، كل ذلك يؤكد أن الرؤية التغريبية في هذا الحدث المفصلي كانت كعادتها دائماً تحلق في خيال مطلق منفصل تماماً عن الواقع تماماً كالرؤى التغريبية القديمة التي راهنت على المهمة التمدينية للاستعمار والشعارات الإنسانية للمستعمرين ومبادئ الحرية والعقلانية والعلمانية وغيرها من الارتباطات الغربية التي كان التغريب يقرأها بعيون لا ترى واقعها الغربي المحكوم بفكرة المنفعة وهذا ما كلفنا الكثير من التضحيات والخسائر.

والملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن هذه الأحلام التي كان التغريب يعيش فيها، لم يكن المواطن العربي العادي يرى بفطرته التلقائية شيئاً مما يحاول الأساتذة والمفكرون والفلاسفة التغريبيون إقناعه بها، فالحديث عن نظام تصالحي قائم على جمع وتفاهم أكثر الجهات تنافراً والتنسيق بينها وحل كل الصراعات المعقدة بأساليب حضارية سلمية، لم يكن حديثاً واقعياً ملموساً في ظل رفض أمريكي مطلق لعروض التفاهم العراقية، وتبرير المواقف الأمريكية بدحض الحجج العراقية ووصمها بالبلطجة والاختطاف والهمجية لا يعطي مصداقية لدعاية حل أعقد المشاكل بالطرق السلمية، فالمشاكل العالمية كلها تتضمن مواقف همجية وعدوانية، والدعاية القائمة آنذاك أن كل هذه المشاكل قابلة للحل بالطرق الحضارية، فإذا كان ذلك ممكناً في مشاكل عويصة بين دول عظمى، فمن باب أولى إمكانه في مشكلة بين العالم كله وفرد معزول كما وصفوه، وكان استمرار الرفض الأمريكي لكل المبادرات وحتى للإشارات التي بدرت من دول كبرى بقبول عروض عراقية، حتى وإن كانت إعلامية، هو الذي يؤكد للمواطن العربي زيف الطروحات المنفصلة عن الواقع التي يسوقها التغريب، وقد تأكد له ذلك بمرور الوقت حين تبين أن حل مشاكله لم يكن وارداً آنذاك ولا بعد ذلك وأن الذي وصفوا العروض العراقية بالإعلامية وعدم الصدق لم يقدموا هم عرضاً عملياً صادقاً وغير إعلامي لحل تلك المشاكل سوى النداء والمناشدة والطلبات التي لم يحقق المتنفذون الغربيون منها شيء بعدما تحققت مصالحهم كاملة في الأزمة، كما كانت المواقف التغريبية بتبرير ودعم السياسة الأمريكية في تلك الأزمة، استناداً إلى تخطئة الوقوف التلقائي "غير الواعي" ضد الولايات المتحدة في أي موقف، جعلت من التغريبيين مجرد بوق دعاية للمصالح الغربية دون القدرة على الحصول على دعم مماثل لمصالح أمتهم، ودون القدرة على تقديم حل عملي لهذه المشاكل أو طرق عملية لتنفيذ هذه الحلول بعدما نفذ الغربيون حلولهم الدموية لمشاكلنا التي ارتبطت بمصالحهم وحملنا التغريب مسئولية هذه الدموية.

إن هموم السيد غير هموم التابع، والسيد لا يأبه بهموم التابع، فالتابع يؤيد السيد ولكن السيد لا يرد بالمثل، والقدرة التنفيذية بيد السيد لا بيد التابع، تكون النتيجة إذن تحقق مصالح السيد لا مطالب التابع، ومن ثم يجد التابع نفسه وقد قدم خدمات لقضية السيد ولم يحصل مقابلها على شيء، فمن حق المواطن العربي ألا يثق بالأطروحات الخيالية والأحاديث المثالية التي لم ينتفع منها بشيء، وأن يستنتج أنه يجب أن يقف تلقائياً ضد الولايات المتحدة في أي قضية خلافاً للطرح التغريبي الذي ألقى دروساً فوقية عن سذاجة الشارع فتبين أن السذاجة من نصيب الطرح الذي راهن على أن الولايات المتحدة ليست شراً مطلقاً ولا عدواً مطلقاً، وإلا كيف يستقيم تحقق الرؤية المتشائمة للإنسان البسيط "غير الواعي" في أزمة الخليج وتطور الحوادث إلى ذروة احتلال العراق، وفشل الوعود المتفائلة للمثقفين الفلاسفة والمفكرين باقتراب الفردوس الأرضي واليوتوبيا المثالية، إلا لو هربنا إلى الأمام كما فعل الرئيس السابق حسني مبارك وقال إن العدوان العراقي على الكويت هو سبب احتلال العراق، وهي رؤية كان قد لمح إليها مؤلفنا في كتابه عندما زعم أن هذا العدوان هو الخطيئة التي أفسدت الإقامة في جنة الخلد الواعدة، وبهذا وجدنا أنفسنا بين رؤية "غير الواعين" التي حملت النظام العالمي الذي أنشأه الأقوياء مسئولية تعامله مع الأزمة الخليجية وتشاءمت من مستقبله، فتحققت توقعاتها، ورؤية الفلاسفة المفكرين المثقفين العقلانيين الواعين أنصار الحق والدفاع عن الشعب، بالنيابة عنه، والتي وعدت الناس باليوتوبيا المثالية وحملت النظام العراقي المعزول مسئولية إفساد العالم كله، فلم تتحقق وعود اليوتوبيا حتى بعد زوال الخطر العراقي الذي يبدو أن سحره الشرير مستمر على كبار العالم حتى بعد زواله، هذه هي رؤية المثقفين والمفكرين وتلك كانت رؤية "الجهلة" و"غير الواعين"!

ولا يؤثر هذا الخلل الذي لاحظه التغريب في الانحياز الأمريكي للصهيونية على الرؤية التغريبية العامة للنظام العالمي الجديد فيكتب المؤلف بعد كل ما سبق مقارناً بين النظام العالمي القديم والنظام الجديد ومستنتجاً طبيعة الواقع الجديد من تضاده مع القديم، ورغم أن الجديد لم تتحدد معالمه بعد فقد حدث تراجع في أهمية الإيديولوجيا بوصفها محوراً للصراع (ثبت الخطأ الفادح لهذا الاستنتاج المتفائل وغير المبني على تحليل عميق)، وبدأ انقسام العالم إلى معسكرين بالاختفاء التدريجي (ليس بسبب تنازلات غربية أو أي ميزة غربية أخرى بل بسبب انهيار الشرق الشيوعي أمام التحدي الغربي الذي استمر مولعاً باختلاق أعداء وهميين لاستمرار نيل المطامع من الحشد ضدهم ومن ثم ثبت أيضاً فشل ذلك الاستنتاج التغريبي المتفائل)، وترتب على ذلك ثلاث نتائج هامة حددت معالم النظام الجديد: انحسار المواجهة المسلحة (ولا ندري لماذا لم يطبق ذلك علينا أيضاً؟) والاعتراف بضرورة الديمقراطية مطلب إنساني عام كما جرت الأحداث في إفريقيا وأوروبا الشرقية دون العالم العربي الذي ظل خارج السياق الديمقراطي العالمي (تفاؤل وردي لا يفسر لنا ما جرى في البلاد الإفريقية بعد ذلك من مجازر في ظل النظام الجديد أو لعلها بسبب الغزو العراقي للكويت الذي أفسد هذا النظام، كما لا يفسر لنا حقائق تصدي أمريكا للنزعات الديمقراطية العربية وميل الشعوب في المشرق العربي لانتخاب حكوماتها)، وتراجع الصراع الإيديولوجي لحساب الاهتمام بمشاكل الإنسان الكبرى كالبيئة والفقر والجوع والأمراض والمخدرات (ولا ندري أيضاً هل تفاقم هذه المشاكل إلى اليوم له علاقة بالنظام العراقي أيضاً وإفساده الفردوس الأرضي؟).

ونجد أننا وقعنا في لغز كبير حين يتحدث المؤلف عن بقاء المعسكر الغربي كما هو بعدما جرت التحولات الكبرى في المعسكر الشرقي ولم يعد له قدرة تنفيذية كبرى، ويقول إنه للحد من فرص الهيمنة الأمريكية على العالم (لم يكن حضرة الكاتب يلاحظ هذه الهيمنة المطلقة في التعامل مع أزمة الخليج بما يظهر العجز السوفييتي والشرقي والتبعية الأوروبية واليابانية لأنه كان يرى بمنظاره المانوي الحاد الباطل المطلق في السلوك العراقي والحق المطلق في الجانب الآخر، لأننا يجب ألا نقف في الجانب المضاد لأمريكا تلقائياً حسب رؤيته، مما حرف نظره عن طبيعة المستقبل الذي جسدته تلك الأزمة بوضوح وجعلته يتخيل عالماً مثالياً قادماً لم يأت مطلقاً)، ولأجل الحد من الهيمنة الأمريكية علينا دعم تعدد المراكز الإقليمية القوية اقتصادياً ومن المؤكد هذه المراكز العالمية كفيل بتخفيف الهيمنة الأمريكية، ثم نجد أن هذه المراكز هي: أمريكا الشمالية (نفسها!) وأوروبا (التابعة أصلاً) واليابان (التي لا تملك أمر قرارها السياسي) ومجموعة النمور الآسيوية (التي كان من الممكن استشراف مستقبلها الفعلي بغير هذا التفاؤل الوردي)، ولو قرأ أستاذنا أزمة الخليج بغير نظرته المانوية لعلم من سياسات هذه الكتل في وقتها أنها غير مؤهلة للأدوار السوبرمانية التي يرشحها لها (ص 113- 116).

ويبدو أن المؤلف أحس بإسرافه في التفاؤل فذكر أن تلك السمات المنشودة مازالت آمالاً متوقعة ولا نعرف ما الذي سيكتب له البقاء منها، ولكنه لم ير الأخطار المحدقة بآماله من طبيعة الشر عند ما أسماه العقارب الغربية ولا من بقاء المعسكر الأمريكي كما هو وميله للاستفراد بالعالم، بل وضع سبب الأخطار المحدقة بآمال البشرية في العدوان العراقي بدد تلك الآمال في تحقيق خدمة البشرية وكان ما تحقق في سنتين يعادل ما تحقق في نصف قرن من إيجابيات فأوقفت ازمة الخليج ذلك التحول الإيجابي وكانت نكسة أصابت اتفاق الكبار على نزع السلاح وحل المشاكل العالمية سلمياً، بل إن الخوف من هذا التراجع هو السبب في رد الفعل العنيف الذي اتخذه العالم ضد العراق، سواء المعسكر الأمريكي أم الاتحاد السوفييتي الذي لا يمكن أن يقال إنه ذيل لأمريكا (وهي رؤية خيالية نبعت من الانحراف في قراءة الأزمة حيث تبين وقتها وفيما بعدها أن السلطة السوفييتية كانت مجرد أداة للسياسة الأمريكية في الأزمة ويتم محاسبتها وتوبيخها على أي حيود عن المسار الأمريكي المرسوم إلى أن تحول غورباتشوف إلى مهرج في إعلانات البيتزا الغربية، كما لم يذكر حضرة الكاتب العقلاني ظاهرة شراء المواقف بمليارات الدولارات وهو أمر لم يكن مخفياً وهو نفسه برر للآخرين اتباع مصالحهم وذكر حرفياً قبل ذلك أن الغرب خاض الصراع من أجل مصالحه وليس من أجل الخوف على مصير الفردوس الأرضي والمدينة المثالية القادمة، وهو لا يلوم أصحاب المصالح أنفسهم بل يلوم من ساعدهم على تحقيقها فقط وهو الطرف العراقي (ص 100) مع أن وجود هذه المصالح الدنيئة هو السبب الرئيس في المشاكل والأخطار على النظام الفردوسي المأمول وإذا لم يساعد فرد على تحقيقها سيساعد آخر على ذلك ما لم يتوقف منبع الأنانية نفسه، ولكن الأصل الغربي لا يجد الاستنكار لدى التغريب كما يجد الفرع العربي)، فالغزو العراقي في رأي الكاتب أوقف مسيرة البشرية نحو إقامة نظام إنساني، ومنع تحول الصناعات العسكرية إلى الإنتاج المدني وأوجد حالة من الرعب "ربما" تكون مبالغ فيها عندما قيل إن الجيش العراقي هو رابع جيش في العالم «وهي مبالغة رددها المؤلف نفسه قبل ذلك (ص 94)» وإنه يملك الكثير من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والصاروخية، ولكن المؤلف لم يضع اللوم على من بالغوا في حجم الترسانة العراقية مما منع التحول إلى التصنيع المدني باعترافه، وسيتبين فيما بعد أن تلك المبالغات كانت مبرراً لكارثة قادمة أكبر وهي غزو العراق وتدميره وثبت أن المعالجة الاختزالية لهذه الأكاذيب وعدم التصدي لها بكل حزم كان سبباً في الكوارث التي قامت عليها ولم يفدنا مسايرة أمثال الكاتب لها بإشارته العابرة إليها، بل إنه استمر في وضع اللوم على جهة واحدة ولوم العرب الذين حرصوا على إثبات تخلفهم في الوقوف في خندق العراق الذي كان يخطط للسيطرة كذلك على منابع النفط السعودي (ص 117) (وهي كذبة أخرى تم فضحها فيما بعد)، ويخرج المؤلف بنتيجة وجوب مساهمتنا في تكوين النظام العالمي الجديد وعدم ترك الولايات المتحدة تستفرد بوضع أسسه (الكاتب الكريم يشعر بسلبية النوايا الأمريكية ويشك في دورها ولكنه مع ذلك يبرر اتباعها مصالحها ويقصر الملامة على المعسكر المعادي لها وحده، ولا ندري كيف يمكنها أن تتغير ما دام التبرير جاهزاً لطبيعتها العقربية ولضرورة اتباعها لمصالحها؟ وقد رأينا أن إغفال الدور الشرير للولايات المتحدة في الأزمة حرف نظر الكاتب وأمثاله عن رؤية واضحة للمستقبل وجعلته يفشل في التحذير من استمرار الأزمة وتفاقمها بعد تحرير الكويت ووصولها الذروة باحتلال العراق بعد زمن طويل وهو ما كان مضمراً في ثنايا أزمة 1990 التي لم تبدأ باحتلال الكويت ولم تنته بتحريرها ولكن استشراف ذلك كان يتطلب رؤية الحوادث بوضوح وبأحجامها الطبيعية ولكن ليس كالوضوح المانوي في حديث الكتاب ودون تضخيم أخطبوطي للجانب الأضعف كالذي صنعه الكاتب).

ولم تؤد كل الأهوال التي وقعت في حرب الخليج إلى لفت نظر المؤلف لما يمكن أن يجلبه الشر الأمريكي على العالم بعدما مارس انحرافاته في الحرب، وظل المؤلف يتطلع إلى "العالم الأكثر إنسانية الذي يتوقع له أن يسود في القرن الحادي والعشرين" (ص 127)، وإن الوحشية التي سادت في هذا القرن المأمول لتدلنا على ضعف حجج الآمال التغريبية في الغرب وعلى أن هذه الآمال هي التي بنيت على عدم الوعي بتاريخ الولايات المتحدة وحاضرها وما يمكن أن يكون عليه مستقبلها، خلافاً لرؤية رجل الشارع الذي كان أكثر وعياً من فلاسفته ومفكريه ومثقفيه وهو يعاين الشر على بابه ولا يأبه بدعاية أو دعابة النظام العالمي الجديد الذي لم يقدم له ما يطابق الأحاديث النظرية، وكان على هذه الرؤية التغريبية أن تراجع نفسها بنفس المنطق الذي طالبت به المثقفين العرب أن يراجعوا أنفسهم بعدما اصطفوا إلى الجانب المبطل في الأزمة الخليجية وتبين أن الفخ الذي وقع فيه التغريب وهو يقود الناس إلى الأمل بالنظام العالمي الجديد أعمق من الفخ الذي وقع فيه من أيد الغزو العراقي للكويت حيث أن هذا الغزو انتهى في برهة من الزمن أما العدوان الأمريكي فهو مستمر إلى اليوم بعدما أخذ البراءة من أصحاب الرؤى الوردية.

2- سبب الأزمة

يظهر الخلل الثاني في قراءة الأزمة الخليجية سنة 1990 بالتصور الحصري لسببها وفقاً للدعاية الإعلامية السائدة في ذلك الزمن، فنقطة البدء هي احتلال الكويت (ص 98)، مع أن الغالبية العظمى والساحقة من أدبيات التأريخ للأزمة ترجع بجذور أعمق من هذا الحدث، ثم رأت كثير من الأدبيات بعد ذلك أن الأزمة لم تنته بتحرير الكويت، وسبب الاحتلال في نظر الكاتب هو غياب الديمقراطية (ص 126) وهي معالجة تختلف عن الأدبيات الغربية التي وصفت تسلسلاً مختلفاً للحوادث.

وتشخيص المؤلف يتفق مع رؤيته المستمدة من تقديم وتفضيل الخيارات الغربية على المشاكل العربية، فالكاتب يرى أن "العالم كله" (وفي الواقع هو الغرب كله وليس العالم) اختار منذ الربع الأول من القرن العشرين أن يكون العداء للفاشية أبشع النظم البشرية قاطبة مقدم على كل شيء، وهذا ما يجعل من الوقوف التلقائي في الطرف المضاد لأمريكا في أي قضية، كارثة عقلية، وتعطيلاً للتفكير، وتحجراً (ص 88 و98)، وهو يرفض رؤية الأزمة ضمن سياق الاختلال الأساسي في العلاقة بين العرب والغرب، ويعد ذلك مغالطة (ص 42- 43)، ويرى أن سبب الأزمة هو الغزو العراقي الذي ترتب عليه حضور القوات الأجنبية، والخلط بين السبب والنتيجة هو من مظاهر محنة العقل العربي (ص 12)، ثم تأتي الخطوة التالية وهي تصنيف النظام العراقي ضمن الأنظمة الفاشية وإقرار كل التبعات التي تترتب على ذلك وأهمها تحميل الدكتاتورية العراقية بشكل أحادي مسئولية السبب الحصري في الأزمة، وتضخيم دوره فيها، وحصر توجيه اللوم لطرفه مع تبرير كل ما يصدر من تجاوزات مماثلة عن الطرف الأمريكي، ولعل ذلك يلائم الدور المرسوم في ذهن المؤلف للولايات المتحدة في النظام العالمي الفردوسي المأمول وإن كان ذلك يقتضي الشطط والتكلف في تأويل الأحداث.

ويلاحظ أن كل المقدمات التي بنيت عليها النتائج المتكلفة لم تكن منطقية ولا منطبقة على الواقع، فالفاشية في النصف الأول من القرن العشرين كانت مشكلة الغرب الأوروبي وحده وليست مشكلة العالم، بل إن معظم البشرية كانت في ذلك الوقت تئن من الاستعمار الغربي الذي ترتكبه الديمقراطيات العريقة، ومن ثم لم يكن من الإنصاف تحميل البشرية كلفة الشعور بألم جلاديها بدلاً من آلامها الذاتية، لاسيما أن هذه البدعة التي روجتها قيادات التغريب في ذلك الزمن وتناست مشاكل بلادها لتصطف إلى جانب الحلفاء في الحرب الكبرى التي سميت عالمية تجاوزاً على آلام العالم وتضخيماً لآلام الغرب، فلم تؤد تلك البدعة إلى مكاسب للشعوب وثبت بعد ذلك من القصور الأمريكي في علاج مشاكل العالم والاستمرار في السياسة الإمبريالية النفعية أن الوقوف التلقائي ضد مصالح الولايات المتحدة كان مبرراً وأن بدعة اختلاق أعداء أهم من أمريكا ليس لها ما يسندها عملياً وأنها هي الكارثة العقلية والتعطيل الواضح للتفكير وتحجر مواقف عفا عليها الزمن منذ غدر المستعمِرون بالبلاد المستعمَرة التي ساندتهم في حربهم الكبرى، وإذا كان الخلاف على الموارد النفطية كما وصف الكاتب الأزمة، ليس ضمن الخلل في علاقة العرب بالغرب كما صور لنا، فأين يكون هذا الخلل؟ وما هي ساحته وأين مجاله وما هي مظاهره؟ وهل أقنع بقاء القوات الأجنبية في المنطقة بعد انقلاب الأوضاع جذرياً فيها من تحرير الكويت إلى زوال النظام العراقي، كاتبنا بأن الوجود الأجنبي كان أكبر من حجم الأزمة التي زعمها سبباً له؟

ثم أتت خطوة وصف النظام العراقي بالفاشية لتكون ثالث الأثافي في التطابق مع المواقف الغربية وتبرير أفعالها، فقد يكون النظام محاكاة كاريكاتيرية للنظم الفاشية ولكن يجب ألا يغيب عن ذهن المؤرخ الفروق الهائلة التي تفصل حجم النظام العراقي المتواضع عن النظم الفاشية الضخمة، إذ كان من الدعابة الثقيلة تضخيم حجمه إلى حد الخطر على العالم(117) كالأنظمة التي عرفتها أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، وهذا ما أشار إليه البحث التاريخي في الظواهر التي حاكت الفاشية في العالم العربي (ويكيبيديا العربية/ فاشية)، لاسيما أن النظام العراقي كان يسير على خطى الديكتاتورية الستالينية التي تحالفت مع الغربيين وكان هو معجباً بها وليس بالفاشية الإيطالية ولا النازية الألمانية، فليست كل ظواهر الاستبداد ديكتاتورية، ولا كل الديكتاتوريات فاشية، ولا كل الفاشيات واحدة في توجهاتها أو أحجامها، وإن العزف على وتر الصفة الفاشية للنظام العراقي وتشبيه رئيسه بهتلر كانت دعاية إعلامية غوغائية لأسباب الحشد تشبه الدعاية نفسها التي شبهت الرئيس جمال عبد الناصر قبل ذلك بهتلر، وقد لجأ بوش إلى تلك الدعاية ولم يكن من اللائق أن ينجرف إليها ويسقط فيها مفكر عقلاني بحجم مؤلفنا لتبرير العنف المفرط والإجرامي الذي تعاملت به الولايات المتحدة مع حوادث الأزمة وتجاوزت به كل ما تم ارتكابه من جرائم في احتلال الكويت، بالإضافة إلى تزيين مقدمات النظام الفردوسي الذي لم يتحقق على كل حال فاسترسل أنصاره في الدعابة الثقيلة محملين الغزو العراقي مسئولية "حرد" سادة النظام العالمي وانصرافهم عن تحقيقه، في ظل تبرير ذلك بشبه الرئيس العراقي بهتلر الذي لم تجد دول "العالم" (الدول الغربية في الحقيقة) مفراً من إعداد ما استطاعت من قوة لحربه والعمل على سحق عدوانه ولا بد حينئذ من إصابة الشعب الألماني العظيم (والشعب العراقي في حالتنا) بأفدح الأضرار دون أن يجرؤ أحد على التذمر من تدمير رصيده الحضاري بعدما صار موجهاً للتدمير (ص 49)، وعلى كل حال فإن دموية النظام فاقت دموية القصف الأمريكي (ص 75)، وبهذا يمكن تبرير كل البشاعات الأمريكية استناداً إلى "مسلّمات" وضعت بطريقة أحادية: فاشية طرف واحد مقابل "العالم" المتحضر المتمدن المتجه نحو السلام، وضرر هذا الطرف الفاشي الأكبر على شعبه، وهو ما يجعل محاربته مقدمة على أي حرب أخرى، والأضرار الناتجة عنها مقبولة لأنه الطرف الذي يمثل الباطل أو الشيطان الذي يستخدم قوته للتدمير، وسواء كان الشعب العراقي متفقاً مع قيادته أم متذمراً منها فلن يجرؤ أحد من "المتحضرين" على تحدي ما يصيب العراقيين من أضرار نتيجة هذه الحرب التي تقع مسئوليتها على الطرف الشيطاني وحده هاجم أو دافع، ومن وقف في خندقه سواء اختياراً أو مصادفة.

وهكذا بكل بساطة تبرر الجريمة الأمريكية التي كانت في بدايتها على كل حال وتفشل رؤية العلم والعقل الفوقية في معرفة أن هذه الجريمة ستتفاقم وستصل أرقاماً مليونية لأنه لا علاقة لها أصلاً بتحرير الكويت بل لها برنامج أكبر من ذلك بكثير، ووفقاً لها فلأن النظام العراقي ارتكب جرائم ضد شعبه فهذا يخول الولايات المتحدة بفعل الأمر ذاته بل يلقي عنها عبء جرائمها دون الاعتبار بمجرد النظر الذي يثبت أن هذه الجرائم الأمريكية دمرت مجتمعاً مزدهراً صنعه هذا النظام، هذا إذا أردنا أن نجعل الشعب العراقي هو الميزان كما تزعم هذه الرؤية للكاتب، بل إن كل هذا التدمير يتحمل مسئوليته "بقدرة قادر" من تلقاه لا من ألقاه (ص 75- 77 و87) دون الالتفات إلى أنه بهذا المنطق يمكن أن تتحمل الكويت مسئولية تعرضها للغزو حين لجأ النظام العراقي إلى اتباع مصالحه ولم يكن علينا لومه أو الجرأة على التذمر مما ارتكبه حين أصبحت الموارد النفطية موجهة لتدمير اقتصاده، ولا ندري لماذا يحق للغرب اتباع مصالحه بتدمير العراق عندما أخل بالتوازن النفطي (ص 94) دون أن يلجأ سادة النظام العالمي لتطبيق نفس القواعد التصالحية التي دعا هذا النظام إليها، ولا نعطي في الوقت نفسه للعراق نفس الحق عندما تم الإخلال بالتوازن الذي يحقق مصالح منتجي النفط ويلام على عدم لجوئه للغة التصالحية؟ وقد سبق هذا تبرير لجوء الأجانب إلى اتباع مصالحهم الخاصة (ص 48) دون منحنا نفس الحق بل الإسراف في إلقاء الدروس المثالية علينا، فللغرب كل الحق في اتباع مصالحه المادية (ص 94 و99) دون أن نحاسبه على الشعارات المثالية التي رفعها، وفي نفس الوقت نذم اتباع العراق لمصالحه المادية (ص 22 و52) استناداً للشعارات المثالية التي ادعاها، فالذم يلحق وفق هذا المنطق بمن وقع في الفخ (ص 47 و62) ولكن من العجيب أنه "بقدرة قادر" لا يلحق بالمجرم الذي نصب هذا الفخ (ص 48) مع أنه ادعى صناعة نظام جديد قائم على السلم والمصالحة (ص 63)، ثم كيف للعقل والعلم والتنوير تبرير عدم لجم وحشية الحرب الأمريكية وجعلها أمراً طبيعياً في ظل دوران آلة الحرب التي من طبيعتها وفقاً لإمكاناتها الضخمة عدم الرحمة (ص 75 و93) بل تبرير الاستمرار فيها حتى بعدما تحققت مطالب الحلفاء بالانسحاب العراقي من الكويت بل وصفه في هذه الحالة بالعبث الصبياني (ص 76) دون محاولة تطبيق نفس القواعد التبريرية على السلوك العراقي الذي لم يلجم عدوانه تجاه الاستفزازات وهو أصلاً لم يحصل على أي من مطالبه في أي مرحلة تفاوض سبقت الغزو، ودون محاولة النظر بشك إلى الرغبة الأمريكية السادية بالتدمير حتى بعد تحقق المطالب الأمريكية ونية الرئيس لوقف إطلاق النار وإصرارها على استمرار المعركة البرية بكل أهوالها، مع القدرة على إنهائها، وتمديد وقتها ساعات طويلة من الإجرام لمجرد أن تكون مدتها ذات رقم مميز (100 ساعة) كما جاء في مذكرات كولن باول رئيس الأركان(118) ومذكرات نورمان شوارتزكوف(119) رئيس قوات التحالف، مع أن هذا هو التخريب الصبياني بل الهمجي.

نعم هذه الرؤية وضعت أطراف الأزمة في معسكرين واضحين بلا لبس، الحق مقابل الباطل، فالعراق وحده هو المتسبب في الأزمة، دون النظر لما سبقها وما لحقها، وهذا خلل كان من الأولى أن تربأ الرؤية العقلانية للمؤلف بنفسها عنه، فوقعت في تحريفات لا لبس فيها، إذ يدعي الكاتب ويكرر أن العراق هو الذي رفض التفاوض، وأن المطلوب كان دفعه للانسحاب والتفاوض على حلول وسطى (ص 14)، وأنه كان سيحصل على معظم ما يريد (ص 15) وهو الذي لم يبد استعداداً للتفاوض على أسس عادلة (ص 43)، ورفض كل الوساطات المحلية والعالمية (ص 74)، وأنه لو رضي بالانسحاب قبل 15 يناير لوفر على نفسه وشعبه الكوارث الفادحة (ص 76)، وأن منع الكارثة كان ممكناً بالانسحاب العراقي من الكويت (ص 93)، وأن الجميع توسل للرئيس العراقي لينطق بكلمة الانسحاب ولكنه أبى واستكبر (ص 93)، وأن انسحاب القوات العراقية هو أسهل الطرق لإعادة القوات "الدولية" إلى بلادها (ص 44 و 98- 99)، وأن هذا الانسحاب كان سيجعل القوات الأمريكية مكشوفة ومحرجة أمام الرأي العام العالمي (ص 15) وهي كلها ادعاءات غير صحيحة فلا العراق رفض الحلول الوسطى، بل كانت الولايات المتحدة هي التي ترفع شعار لا للحلول الوسطى والجزئية، ولا هو رفض التفاوض بل كانت أمريكا هي الحريصة على عدم فتح باب التفاوض والإصرار على كون مباحثتها تبليغاً لا تفاوضاً، وكذلك لم يكن الانسحاب قبل موعد الإنذار النهائي سيجنب العراق الكارثة أو سيفضي إلى مفاوضات تأخذ مطالبه ومظالمه في الحسبان في ظل التهديدات المستمرة باستهدافه بالحصار واستهداف قوته حتى لو انسحب، ولم يكن انسحاب القوات العراقية سيؤدي إلى انسحاب الأجانب وقد ثبت أنهم ظلوا في المنطقة إلى اليوم بعد تغير كل الأوضاع في المنطقة بدءاً من الانسحاب من الكويت إلى زوال النظام العراقي نفسه، ولم يكن الرأي العالمي أصلاً ذا أهمية للولايات المتحدة وهي تعلن منذ البداية أنها ستستخدم القوة حتى ولو رفض الآخرون وسارت بمفردها في احتلال العراق بعد سنوات طويلة من تحرير الكويت وكان الاحتلال بلا موافقة دولية بل وقف الرأي العام العالمي بالملايين ضد الغزو الأمريكي دون أي اكتراث من بوش الابن، ولم يكن تبرير الاستمرار بالعدوان حتى بعد الانسحاب دون قيد ولا شرط داعماً لعقلانية الرؤية المزعومة ولا لسلمية النظام العالمي الجديد القائم على التوافق والتصالح وجمع أشد المعسكرات تنافراً وحل أعقد المشاكل بالطرق السلمية والحوار الحضاري، وقد كانت أزمة الخليج هي الاختبار الحقيقي لهذه المقولات التي ثبت كذبها وفشلها وأعلن السقوط فيها زيف هذا النظام وليس تبرير هذا السقوط "بحرد" الكبار بعد العدوان العراقي إلا جزءاً من هذا السقوط العالمي العام.

إن هذه الرؤية مليئة بالازدواجية على حساب حقوقنا ولصالح السياسة الغربية، فهي تجعل من غياب الديمقراطية الجذر الجامع لكل المآسي التي وقعت لا حين اتخذ حاكم فرد قرار الغزو منفرداً بل حين شاركت الشعوب في تأييده منذ البداية والتصفيق له والمشاركة في احتفالاته ومهرجاناته (ص 123)، ولا نجد لوماً مماثلاً للعالم الغربي الذي ساهم في دعمه ابتداء وتزويده بالسلاح والعتاد، اللوم كله موجه لشعوبنا التي توصف بالقصور ولا يوجه اللوم للغرب الراشد العاقل بل إن السلوك الغربي هو الطبيعي دائماً حتى لو كان شريراً، ولا تغوص الرؤية العقلانية العلمية ببحوث التاريخ التي تثبت الدور الحاسم الذي قام به الاستبداد بل الديكتاتورية في نهوض الغرب والعالم، ومع ذلك يرفض الكاتب أن يكون أي هدف آخر مقدماً على الديمقراطية في بلادنا (ص 121)، نحن الملومون فقط لوجود هذه الظاهرة لدينا، وننال الانتقاص والاستخفاف والاستهزاء ممن يدعون حمل مشاعل الحرية وهم يبررون كل جرائم الغرب، فالاكتراث بحقوق المواطن وكرامته (ص 16) لا يظهر إلا عندما يكون المنتهك طرفاً عربياً، أما عندما ينتهك نفس هذه الحقوق الأطراف الغربية نجد التبرير والموافقة والتحذير من مجرد الجرأة على التذمر، ونرى الازدواجية كذلك في قياس شدة الأزمات، فاحتلال الكويت وحده حريق في المبنى، أما قضايا فلسطين والوحدة وتوزيع الثروة والإمبريالية فهي مجرد خلافات على الإيجارات والماء والكهرباء ولا ترقى لمستوى ذلك الحريق (ص 19- 28)، وواضح أن الكاتب يسقط مقاييسه الشخصية على الواقع في العالم رغم أنه حذر من ذلك في حديثه (ص 85).

ملاحظة تقلبات خطاب القيادة العراقية (ص 57)، لا يماثل إغفال التقلبات الفاضحة في الخطاب الأمريكي من الحديث على حماية السعودية إلى تحرير الكويت إلى تدمير القوة العراقية إلى غزو العراق واحتلاله وهو ما فشلت هذه القراءة في رصده، وبين الادعاءات الفارغة بتفضيل الحلول السلمية والرفض العنيد لكل المبادرات، وبين الزعم بعدم السعي لتدمير العراق إلى ممارسة أشد صنوف العنف الوحشي في هذا التدمير، كل ذلك لم يلفت نظر المؤلف القدير إلى تقلبات واضحة في الخطاب الأمريكي وقصر نظره على تقلبات الخطاب العراقي، وبالطبع فإن الهدف واضح وهو حشد أكبر قدر من الأدلة لدعم وجهة نظر احتكر صاحبها صفة العقلانية والرشد.

الكاتب يتساءل عن القضية التي كان يحارب العراق من أجلها، ولا يراها سوى استبسال اللص في الدفاع عن مسروقاته في مواجهة "العالم" (ص 96)، ولكنه لا يرى لصاً أكبر يحاول نهب الثروة الكبيرة من يد اللص الصغير، هو يتبنى الموقف الأمريكي الذي صور نفسه على رأس "العالم" في رفض الغزو العراقي، ولكن هذه القراءة ستفشل في تفسير قيام الولايات المتحدة بغزو العراق معزولة بين العالم الذي كشف الخدعة بعد عقد من الزمن، وإذا كان العراق لصاً فهذا لم يكن مبرراً لصاحب رؤية عقلانية تنويرية علمية أن يغفل عن زعيم العصابة الدولية الأمريكي، وإذا كانت شمساً واضحة كلصوصية أمريكا قد غابت عن نظر كاتب ومفكر كبير فإنه ليس من المقبول أن يلوم من غابت عنهم حقيقة أصغر وهي لصوصية العراق فرأوه مدافعاً عن قضاياهم (ص 86).

هو يستخدم منطق إدانة العراق الذي جلب الدمار على نفسه وأمته، أياً كان الطرف المسئول عن خلافه مع الكويت (ص 96)، ويرفض في الوقت نفسه نفس المنطق في دعم العراق لأن “المصيبة كلها تكمن في "أياً كان" هذه” لأنها تجعلنا نستخف بأبشع الممارسات حين نؤيد العراق "أياً كان رأينا في احتلال الكويت..." أو "أياً كان رأينا في صدام حسين..." (ص 90)، ولكن الكاتب لا يرى المصيبة العظمى في نفس المنطق عندما يستعمل لتأييد الحشد الأجنبي الذي دمر بلادنا واحتلها ولكنه مع ذلك لم ينل الاهتمام الذي يناسب خطره.

الكاتب يعترف بأن وجود القوات الأجنبية في بلد عربي كارثة بلا شك، ولكنه لا يستنتج من هذا وجوب التصدي لها بل يحاول تطبيع وجودها بكونه نتيجة لفشل تنميتنا وعدم تطبيقنا للديمقراطية وهذا ما تسبب في الإنزال (ص 26- 27)، وهو منطق رد عليه وزير الدفاع الفرنسي المستقيل جان بيير شوفنمان نفسه بالقول: "لدينا اليوم هنا في أوروبا موضة جديدة وهي أن نرد مصائب العرب إلى دناءاتهم، فهم يشكون من الإذلال ومرد ذلك هو تخلفهم الطبيعي ورفضهم كل حداثة سواء تعلق الأمر بالعلمانية أو بوضع المرأة أو بقيمة العمل... وقد نسي الغرب موجه الاتهام أنه في كل مرة كان نظام عربي أو إسلامي يحاول الانفتاح على الحداثة كان الغرب يقطع عليه الطريق أو يحطم رأسه، فأمس مع محمد علي، والسلاطين (العثمانيين) المجددين، وأقرب من الأمس كان عبد الناصر، علما أن تجربة مصدق في إيران لن تسقط من الذاكرة".(120)

حتى عدم ديمقراطية الغرب في تعامله مع العالم وتراجع القيم فيه لا يعرض إلا بوصفه ماضياً يثبت إقبال العالم الفردوسي الآتي بالنظام العالمي الجديد (ص 114) دون أن نحصل على حق التطور نفسه الذي برر لأصحاب المبادئ العليا عدم احترام مبادئهم خارج إطار مجتمعاتهم لفترة طويلة، وكان التصور التحكمي لبدء الأزمة باحتلال الكويت وليس قبل ذلك هو الذي ورط المؤلف بمزيد من الازدواجية حين رفض غزو القوي للضعيف عندما تعلق الأمر بالغزو العراقي (ص 121)، وبرر عدواناً أمريكياً أكبر تحت ذريعة تحرير الكويت، وهو يبرر الصلف الغربي في تحقيق المصالح، ولكنه يركز على إدانة الفروع العربية التي تخدم هذه المصالح بسذاجتها (ص 101)، لا يرى بأساً بقيام القوة الغربية بضربنا لأجل مصالحها ما دامت إمكاناتها كبيرة، وفي نفس الوقت لا يرى في وجود قوة عسكرية عربية مدعاة للفخر لأن مقياس الرقي هو التعليم والثقافة والعلم وليس القوة العسكرية (ص 94)، وهي ازدواجية معهودة في التغريب حين يرفض أن تستعمل بلاده ما يستعمله الغرب من وسائل القوة ويقتصر نظره على استيراد المسموح لنا به، وبنفس المنطق مدح ويبجل النظام العالمي الجديد، ثم يذم العدوان العراقي الذي تجاوز خطوطاً حمراء تضعها قوى عاتية في عالم يرتكز على توازنات دقيقة وهو عالم نستنكر الأسس التي يقوم عليها ولكن لا مفر من أخذها بالحسبان (ص 29- 31)، وكذلك يمدح الغرب وحضاراته في كل مناسبة، ثم يذم العربي الذي يقع في فخ الغربيين العقارب، أي أنه حتى ذم الغرب تكون نتيجته عملياً ضد الجانب العربي ولا يصيب الغربيين حتى مع ذمهم سوى التبرئة وإخلاء المسئولية.

* النتيجة

الفوقية التي يتحدث بها هذا الكتاب ممثلاً لرؤية التغريب التي انحازت إلى جداول المصالح الغربية بذريعة العقلانية والحرية تشبه الفوقية الماركسية التي كانت تتحدث بادعاء امتلاك ناصية القوانين العلمية المطلقة قبل الانهيار السوفييتي الوشيك في نفس الفترة، وإذا كان هذا الانهيار هو مصير الرؤى "العلمية" الماركسية، فإن انهيار المقولات التغريبية كان نتيجة تخلي الغرب نفسه عن دعم مناصريه في المشرق بعدما قدمت تلك الشرائح السياسية والعسكرية والثقافية كل ما تملكه من دعم مادي ومعنوي لمساندة الرؤية الأمريكية لأزمة الخليج ولكن لم يكن الحماس الأمريكي لدعم قضايا تابعيه بنفس حماس هؤلاء التابعين لنصرة الموقف الأمريكي، وفي سبيل ذلك كان الانحراف واضحاً جداً في رؤية النظام العالمي الجديد رؤية لم تنطبق على واقعه، وتشخيص سبب أزمة الخليج تشخيصاً يخرجها من التاريخ ويضعها في قائمة الأحداث القيامية بين الخير المطلق والشر المطلق، وهو أمر لا يتفق مع الرؤية العلمانية التي تتجنب هذه التصنيفات الحادة وتضع السلوك البشري في المنطقة الرمادية غالباً، وقد رأينا المبالغة في تقويم الحوادث المتعلقة بأطراف الأزمة سواء في تحميلها الأخطاء أو الحكم عليها بالصواب، وتضخيم الجانب العراقي تضخيماً يغفل عن السياق التاريخي للأزمة وما قبلها وما بعدها ويعامله بالازدواجية فيصب اللوم على جانب واحد ويبرر نفس الجرائم على الجانب الآخر، وفي النهاية ملامسة هموم المواطن العربي ملامسة بلاغية لا تقدم له أكثر من توقعات وآمال لم يتحقق منها شيء، فمن هو في النهاية العاجز عن رؤية أبسط الحقائق الواضحة فلم ير ما شاهده الإنسان البسيط بفطرته العفوية، ومن الذي لم يقم وزناً لقيم الحرية والكرامة الإنسانية، وهل كان التميز عن الجماهير، "غير الواعية" لحريتها وكرامتها وإلقاء الدروس الفوقية عليها وعلى مثقفيها من مواقع خيالية لا واقع لها ولم تقدم شيئاً ملموساً للحرية والكرامة الموعودة في نظام عالمي عادل لم يطبق إلا في عالم الخيال المهووس بالغرب كما أثبتت الحوادث باليقين، هل كان كل ذلك الخيال والانفصال عن الواقع والولع بالغرب هو الضمان للنجاح في الاختبار الحقيقي لصلابة الإنسان الأخلاقية والفكرية؟ ألم يثبت بالدليل القاطع أن تبني الجداول الغربية حتى لو كان هذا بذريعة العقل والعلم والحرية والإنسانية والكرامة يجعلنا لقمة سائغة بين أنياب المصالح الغربية التي لن تلتفت إلى مطالبنا وقضايانا مهما كان تأييدنا حاراً لتلك المصالح؟

لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة التي دخلت بها المنطقة نتيجة الحضور الأجنبي، أن هذا الحضور لم يكن نتيجة حصرية لاحتلال الكويت كما حاول التغريب بفوقيته المعهودة أن يوهمنا، فقد زال احتلال الكويت وظل هذا الحضور، وقام بعد ذلك باحتلال العراق نفسه فحلا لبعضهم أن يدعي أن مسئولية احتلال العراق تقع على عاتق احتلال الكويت، ولكن بعد تحرير الكويت وزوال النظام العراقي والعراق نفسه من جغرافية المنطقة السياسية، ومع استمرار الأزمات التي تستمر بشفط كل موارد المنطقة حتى آخر قطرة، هل مازال هناك من يشك في ترتيب الأسباب والنتائج لهذه الأزمات؟

**********

 


 

الهوامش

1- فؤاد الهاشم، أسرار جديدة للغزو (علامة تعجب)، صحيفة "الوطن" الكويتية، 2007/8/24، ص 40 (الأخيرة): يورد الكاتب شهادة القائد العراقي في الحرس الجمهوري "رعد الحمداني" في برنامج إعلامي عن قيام شركة نفط أمريكية تعمل في منطقة قريبة من الحدود العراقية الكويتية بإبلاغ السلطات العراقية في بغداد قبل غزو الكويت بأن الكويتيين طلبوا إلى الشركة الحفر بشكل أفقي ومائل لامتصاص النفط العراقي، وهي معلومة جرى إبلاغها إلى القيادة السياسية العراقية، وقد أكد الرئيس العراقي صدام حسين هذه المعلومة حين قال إن شركة أمريكية تعاقدت مع الكويت للتنقيب عن النفط قبل نهاية الثمانينيات، واختاروا أراض عراقية لحفر الآبار المائلة، وقامت الشركة نفسها بتسويق النفط المستخرج بأسعار زهيدة، ولكنهم لم يكتفوا بالأموال الضخمة بل حاولوا تسريب معلومات عما يحدث على الجانب الكويتي (المحامي خليل الدليمي، صدام حسين من الزنزانة الأمريكية: هذا ما حدث، دار الواضح، دبي، 2010، ص 117).

- أورد الكاتب الصحفي جيف سيمونز سبع إشارات أمريكية سبقت غزو الكويت تضمنت رسالة واضحة للجانب العراقي: "انطلق" (جيف سيمونز، التنكيل بالعراق، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998، ص 28- 29)، وهو ما أكده الرئيس العراقي بقوله إنه رغم التهويلات الإعلامية التي شنت على العراق آنذاك، فقد كانت أمريكا تبعث إليه برسائل شفوية مباشرة أو غير مباشرة عن طريق الوسطاء تؤكد أن أمريكا لن تتدخل في القضايا العربية وهذا ما يفسر الكلمة الأولى التي وردت في خطاب الرئيس يوم بداية العدوان الأمريكي 1991/1/17 حين قال: غدر الغادرون. (المحامي خليل الدليمي، ص 125).

- شكى الرئيس العراقي صدام حسين في حديثه إلى السفيرة الأمريكية من تشجيع الولايات المتحدة لبعض الناس أن يتصرفوا بأكبر من حجمهم عندما تقول إنها ملتزمة بحماية أصدقائها بصورة فردية وجماعية (فؤاد مطر، موسوعة حرب الخليج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994، ج 2 ص 32)، وقد كان بالفعل للخطاب التحريضي الأمريكي أثره الفعال في بعض التصريحات والمواقف المتشددة التي تراهن على الدعم الخارجي والتي صدرت من أطراف فاعلة في الأزمة وأدت إلى تعقيد الأمور (محمد حسنين هيكل، حرب الخليج: أوهام القوة والنصر، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1992، ص 331. وأيضاً: الدكتور علي محافظة، بريطانيا والوحدة العربية 1945- 2005، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011، ص 357- 359. وأيضاً: بيار سالينجر وإريك لوران، حرب الخليج: الملف السري، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2011، ص 98. وأيضاً: حمدان حمدان، الخليج بيننا: قطرة نفط بقطرة دم، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، 1993، ص 129- 130. وأيضاً: سامي عصاصة، هل انتهت حرب الخليج: دراسة جدلية في تناقضات الأزمة، مكتبة بيسان، بيروت، 1994، ص 139 و142).

- التحريض الأمريكي على الضغط على العراق بالإفادة من وضعه الاقتصادي المتدهور بعد حرب إيران ووضع التسهيلات اللازمة لسرعة التواصل مع الكويت في هذا الشأن (بيار سالينجر، ص 253- 254).

- استنتج الدكتور سامي عصاصة سلبية الموقف الأمريكي من الصمت الأمريكي المطبق بين اندلاع الخلاف بين الكويت والإمارات من جهة والعراق من جهة ثانية إذ لم توجه الولايات المتحدة كلمة نصح واحدة إلى دولتي الخليج تحثهما على التفاهم أو التفاوض مع العراق، وفي نفس الوقت لم تقدم لهما الدعم الواضح الذي يردع أي مغامرة عراقية، وهي ترصد الأذى الذي لحق بالعراق من جراء السياسة الخليجية النفطية، وكان الدعم الصوري الذي قدمته بإرسال طائرتي تزويد بالوقود وفرقاطتين إلى الخليج كافياً لطمأنة حكام الخليج وعدم لجوئهم إلى التفاهم مع العراق وفي نفس الوقت لم يكن كافياً بما يؤثر على النوايا العراقية مقارنة بما كان يقتضيه حال الأزمة (سامي عصاصة، ص 560).

2- مؤيد الونداني، الاتحاد العربي في الوثائق البريطانية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2013، ص 65.

3- الحرب على العراق: يوميات- وثائق- تقارير (1990- 2005)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 303.

- سامي عصاصة، وثائق حرب الخليج: حقيقة ما جرى في مؤتمر القمة العربي في القاهرة، دور الرئيس محمد حسني مبارك فيما آل إليه المؤتمر (النصوص- التحليل والاستنتاج)، مكتبة بيسان، بيروت، 1994، ص 146- 155.

4- فؤاد مطر (إشراف)، موسوعة حرب الخليج: اليوميات- الوثائق- الحقائق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ومركز فؤاد مطر للإعلام والتوثيق والاستشارات والدراسات، لندن، 1994، ج 1 ص 76 و139.

5- نفس المرجع، ج 2 ص 78- 79.

6- نفس المرجع، ج 1 ص 55.

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/IraqKwit/19/sec04.doc_cvt.htm

7 - بيار سالينجر، ص 238.

8- فؤاد مطر، ج 1 ص 139- 141.

9- سامي عصاصة، ص 156- 157.

10- نعوم تشومسكي، قوى وآفاق: تأملات في الطبيعة الإنسانية والنظام الاجتماعي، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 1998، ترجمة: ياسين الحاج صالح، ص 187.

11- فؤاد مطر، ج 1 ص 53، وج 2 ص 383.

- جيف سيمونز، التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ديسمبر/ كانون الأول 1998، ص 29.

- نعوم تشومسكي، الهيمنة أم البقاء: السعي الأمريكي إلى السيطرة على العالم، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004، ترجمة: سامي الكعكي، ص 27.

- المحامي خليل الدليمي، ص 120.

- الحرب على العراق، ص 250.

- بيار سالينجر، ص 204.

12- سامي عصاصة، ص 177.

13- نفس المرجع، ص 175- 177.

14-

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/IraqKwit/19/sec08.doc_cvt.htm

15- بيار سالينجر، ص 241.

- فؤاد مطر، ص 252.

16- فؤاد مطر، ج 1 ص 237.

17- نفس المرجع، ج 1 ص 134.

18- نفس المرجع، ج 1 ص 185 و 236.

19-

http://www.gulfwar1991.com/Gulf%20War%20in%20Arabic/Chapter%208,%20Peace%20Initiatives.htm

- فؤاد مطر، ج 1 ص 143 و159- 160 و194 و207 و220 و227 و234 و250 و295.

- الحرب على العراق، ص 251- 265.

20- فؤاد مطر، ج 1 ص 153 و164.

21- نفس المرجع، ج 1 ص 116 و202.

22-

http://www.gulfwar1991.com/Gulf%20War%20in%20Arabic/Chapter%208,%20Peace%20Initiatives.htm

23- فؤاد مطر، ج 1 ص 112 و326.

24- نفس المرجع، ج 1 ص 56.

25- نفس المرجع، ج 1 ص 158.

26- نفس المرجع، ج 1 ص 132 و135- 137.

27- نفس المرجع، ج 1 ص 136.

28- نفس المرجع، ج 1 ص 134.

29- نفس المرجع، ج 1 ص 193.

30- نفس المرجع، ج 1 ص 146.

31- نفس المرجع، ج 1 ص 331.

32- نفس المرجع، ج 1 ص 128 و189 و256 وج 2 ص 396 و353 و354 و357.

- الحرب على العراق، ص 223 و253.

- بيار سالينجر، ص 238.

33-

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/IraqKwit/19/sec04.doc_cvt.htm

34- الحرب على العراق، ص 143.

- بيار سالينجر، ص 84 و87.

- حمدان حمدان، ص 134- 135.

35- دوجلاس ليتل، الاستشراق الأمريكي: الولايات المتحدة والشرق الأوسط منذ 1945، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009، ترجمة: طلعت الشايب، ص 423.

36 - فؤاد مطر، ج 1 ص 139- 140.

37- نفس المرجع، ج 1 ص 134 و159 و162 و164 و174 و186 و188 و220 و223 و235 و257- 258 و306.

- الحرب على العراق، ص 252 و399 و405- 406.

38- فؤاد مطر، ج 1 ص 133.

39 - نفس المرجع، ج 1 ص 316- 317.

- حمدان حمدان، ص 683- 708.

40- بيار سالينجر، ص 232.

41- فؤاد مطر، ج 1 ص 348.

- بيار سالينجر، ص 234.

42- فؤاد مطر، ج 1 ص 343.

43 - نفس المرجع، ج 1 ص 351.

44 - نفس المرجع، ج 1 ص 80 و121 و133 و138- 139 و156 و275.

- حمدان حمدان، ص 363 و705.

45 - المحامي خليل الدليمي، ص 216.

46 - فؤاد مطر، ج 1 ص 56- 57 و58 و85 و86 و90 و91 و95 و100 و106 و176- 177 و188 و223 و299- 231 و249 و295- 297 و314 و316- 318 و322- 323 و330 و331- 332.

- الحرب على العراق، ص 405.

47- حمدان حمدان، ص 96- 97.

48- فؤاد مطر، ج 1 ص 52 و55 و86 و90 و162 و174 و207.

- الدكتور علي محافظة، ص 362.

49- فؤاد مطر، ج 1 ص 342.

50- الحرب على العراق، ص 309 و311.

- فؤاد مطر، ج 1 ص 142 و144 و149.

51- إسرائيل شاحاك، الخطة الصهيونية للشرق الأوسط، مجلة "الثقافة العالمية"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ملحق العدد 12، سبتمبر 1983، ص 7- 22.

52- ر. ك. كارانجيا، خنجر إسرائيل، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، 1967.

53- حمدان حمدان، ص 580- 581 ، نقلاً عن المبعوث السوفييتي يفغيني بريماكوف.

54- الحرب على العراق، ص 263 و265.

55-

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/IraqKwit/19/sec04.doc_cvt.htm

56- فؤاد مطر، ج 1 ص 11.

57- نفس المرجع، ج 1 ص 143 و164 و167.

58- نعوم تشومسكي، ص 187.

59- فؤاد مطر، ج 1 ص 48- 49 و52 و75- 76 و112و138.

60- نفس المرجع، ج 1 ص 89 و113.

61- نفس المرجع، ج 1 ص 147- 148 و166 و174 و190.

62- نفس المرجع، ج 1 ص 84 وج 2 ص 396.

63- نفس المرجع، ج 2 ص 349 و361- 364 و588.

64- نفس المرجع، ج 2 ص 586- 591.

65- نفس المرجع، ج1 ص 15 و235 وج 2 ص 398 و434.

66- نفس المرجع، ج 1 ص 206 وج 2 ص 178.

- الحرب على العراق، ص 276.

67- فؤاد مطر، ج 1 ص 164 و167.

68- نفس المرجع، ج 1 ص 323.

69- نفس المرجع، ج 1 ص 318.

70- نفس المرجع، ج 1 ص 323.

71- نفس المرجع، ج 1 ص 157.

72- نفس المرجع، ج 1 ص 342.

73- نفس المرجع، ج 1 ص 186 و188 و217.

74- نفس المرجع، ج 1 ص 157 و159 و165 و201 و211 و244- 245 و257 و265.

75- نفس المرجع، ج 1 ص 170.

76- الحرب على العراق، ص 252- 265 و403- 406.

- فؤاد مطر، ج 1 ص 165 و192 و344 و352.

77- فؤاد مطر، ج 1 ص 336 و352.

78- نفس المرجع، ج 1 ص 227 و242.

79- نفس المرجع، ج 1 ص 134.

80- نفس المرجع، ج 1 ص 338.

81- نفس المرجع، ج 1 ص 346.

82- نفس المرجع، ج 1 ص 336 وما بعدها.

83 - حمدان حمدان، ص 321 و357 و580- 581 و584- 585.

- فؤاد مطر، ج 1 ص 116.

84- فؤاد مطر، ج 1 ص 340 و342 و349 .

85- نفس المرجع، ج 1 ص 116.

- بيار سالينجر، ص 233.

86 - فؤاد مطر، ج 2 ص 425.

87- نفس المرجع، ج 1 ص 196.

88- نفس المرجع، ج 2 ص 371.

89- الدكتور ناظم عبد الواحد الجاسور، تأثير الخلافات الأمريكية- الأوروبية على قضايا الأمة العربية: حقبة ما بعد الحرب الباردة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 142.

90- سامي عصاصة، ص398.

91- الدكتور ناظم عبد الواحد الجاسور، ص 142.

92- نعوم تشومسكي، ص 186.

93- فؤاد مطر، ج 1 ص 121 و133 و156 و164- 165 و194 و275.

- الحرب على العراق، ص 259.

- حمدان حمدان، ص 362- 363 و705.

94- فؤاد مطر، ج 1 ص 226.

95- نفس المرجع، ج 1 ص 121 و129 و162- 164 و167 و172 و199 و205- 206.

96- نفس المرجع، ج 1 ص 139- 141.

97- نفس المرجع، ج 1 ص 141- 148.

98- نفس المرجع، ج 1 ص 135.

99- الحرب على العراق، ص 401.

100- فؤاد مطر، ج 1 ص 124.

101- نفس المرجع، ج 1 ص 203.

102- نفس المرجع، ج 1 ص 330 وما بعدها.

103- الحرب على العراق، ص 405- 406.

104- فؤاد مطر، ج 1 ص 113 و149.

105- نفس المرجع، ج 1 ص 223 و229.

106- نفس المرجع، ج 1 ص 7.

107- نفس المرجع، ج 1 ص 5.

108- الحرب على العراق، ص 257.

109- باسيل يوسف بجك، العراق وتطبيقات الأمم المتحدة للقانون الدولي (1990- 2005): دراسة توثيقية وتحليلية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 108.

110- دكتور حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين، دار المعارف بمصر، 1973، ج 1 ص 825- 826.

111- النظام العالمي الجديد- ويكيبيديا- الموسوعة الحرة

112- نفس المرجع، ص 59.

113- فؤاد مطر، ج 1 ص 265.

114- نفس المرجع، ج 1 ص 117.

115- أحمد الشقيري، الأعمال الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ج 2 (المذكرات/2) ص 1412 (على طريق الهزيمة مع الملوك والرؤساء ص 200).

116- د. فؤاد زكريا، الثقافة العربية وأزمة الخليج، الشركة الكويتية للأبحاث، لندن، 1991.

117- نعوم تشومسكي، تواريخ الانشقاق (حوارات أجراها معه: ديفيد بارساميان)، الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، 1997، ترجمة: محمد نجار، ص 311.

118- صحيفة "الوطن" الكويتية، 2007/12/13، مذكرات كولن بأول، الحلقة 12 والأخيرة.

119- نورمان شوارتزكوف، الأمر لا يحتاج إلى بطل، دار الكتاب العربي، دمشق- القاهرة، 1999، ترجمة: د. نور الدين صدوق ود. غلاب الجابري، ص 456.

120- حمدان حمدان، ص 684- 685.

 

 

محمد شعبان صوان

كاتب

 

 

شاهد مقالات محمد شعبان صوان