دحر الإرهاب أكبر بكثير من هزيمة داعش

الأربعاء, 17 مايو 2017 20:19 د. يوسف مكي رأي التحرير
طباعة


أسبوع آخر، شهد سقوط ضحايا جدد بسبب تغول ظاهرة الإرهاب. آخر المشاهد عن كتابة هذا الحديث هو الأحداث المروعة التي حدثت في مصر الشقيقة. فقد شهدت مدينة طنطا انفجارا بكنيسة مار جريس بشارع النحاس، أودى بحياة 28 شخصا، وأسفر عن إصابة 78 آخرين. كما شهدت مصر، تفجيرا آخر، أخذ مكانه بمدينة الإسكندرية، مستهدفا الكنسية المرقسية في قسم العطارين، مما أدى إلى استشهاد 17 شخصا، وإصابة 48 آخرين، في تقديرات أولية للخسائر البشرية. وقد أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن تنفيذ العمليتين الإرهابيتين.

وما حدث في مصر، هو نزر يسير من عمليات الإرهاب والتطرف، التي تستهدف تفكيك الكيانات الوطنية العربية، خدمة لأجندات دولية وإقليمية مشبوهة. وقد جاءت الحوادث الأخيرة، بعد انهيارات كبيرة لتنظيم داعش في كل من العراق وسورية، بما ينبئ بنهاية ما عرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام. لكن ذلك لن يكون نهاية الإرهاب، لأن فكرة تأسيس جغرافي هي بالأساس فكرة طارئة على فكر الإرهاب.

إن الإرهاب هو عمل تآمري، صفته السرية، وينطلق من مبادئ حرب العصابات التي لا تحتفظ بالأرض، وتعتمد على الكر والفر والمناورة، وعدم الدخول في هجوم مباشر مع الخصم. وهي في هيكلتها تقوم على التسليم بسيادة التوجيه من الأعلى إلى الأسفل. والأوامر أو التوجيهات التي تصل من القمة إلى القاعدة غير خاضعة للسؤال أو للمناقشة والحوار.

وما يجعل الالتزام بها سهلا هي وجودها في مجتمع منغلق، يجرم فكرة التنوع وتنتفي فيه مفاهيم التعددية واحترام الرأي الآخر، مع رفض قاطع لمشروعية حق الاختلاف في ظل الوحدة. إنه يتطلب تماهيا وخضوعا كاملا، وتغييبا للعقل، وتقديسا للأصنام، وجمودا في تفسير النصوص، واتهاما لمن يؤمن بالحوار بالجهل والهرطقة إن لم يكن بالخيانة. وهكذا تهمش ثقافة الإرهاب الرأي الآخر وتحاول إقصاءه. وإذا ما أتيحت الفرصة في مجتمع تسود فيه هذه الثقافة لنوع من الحوار، وهي نادرة في الغالب، فإنه سرعان ما يتحول إلى حرب أيديولوجية بين «المتحاورين» يحشد كل طرف فيها أسلحته البائسة، مازجا بين الحقائق والأوهام، من غير الوصول إلى القلب ولا ملامسة الروح أو مخاطبة العقل.

إن أولئك الذين يجدون أنفسهم في وضع يكونون مضطرين فيه تكتيكيا للتسليم بلغة الحوار، يتناسون أن الحوار يتم أساسا بين قوى وأطراف وتيارات مختلفة في توجهاتها وانتماءاتها، وأن دلالته المعرفية هي إمكانية الاستفادة المتبادلة من خبرات وآراء المتحاورين. وأنه يعني منهجيا، استحالة استحواذ فرد أو فئة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية على مجمل القول، دون إتاحة الفرصة للإسهامات الفكرية الأخرى. إن الحوار في أساسه تسليم بنسبية الحقائق وإمكانية تغيرها، بما يسهم في إثراء المعرفة بحاجات المجتمع وطرق نموه وتطوره... إنه بمعنى آخر، عمل يهدف إلى تكامل الخبرات، ويؤهل لمزيد من التبلور والنضج والانفتاح على تفهم المستجدات.

وعلى هذا الأساس، فإن مواجهة الإرهاب تقتضي ضرب مرتكزاته الفكرية والثقافية. وضمن تلك المرتكزات، ضروب النشاط الاجتماعي السلبي والمؤذي الذي نمارسه في مختلف الميادين. ذلك إن المرتكزات الفكرية والثقافية لأي مجتمع هي الحاضن الشامل لكل ما يصنعه ويبدعه ذلك المجتمع من الأفكار والأشياء وطرائق العمل. ومع أن أفكار الأمم تتكون وتتراكم عبر حقب تاريخية طويلة، يظل بعضها ظاهرا على السطح، ويبقى الآخر كامنا تحته منتظرا فرصته التاريخية للانفجار عند بروز ظروف موضوعية جديدة متعدية، ربما تكون من صنع المجتمع ذاته أو ناتجة عن تدخل عوامل خارجية ومحيطة يصعب التحكم فيها وتوجيه حركتها.

ينبغي عند التصدي للإرهاب، أن يكون هناك مشروع استراتيجي عربي شامل ومتكامل للمواجهة، يتخطى التشرنق في أوساط النخب المثقفة، ليصبح مشروعا وطنيا، يزج بطاقات الشعب كله في المواجهة الوطنية الكبرى للإرهاب.

إن ثقافة الحوار نقيضة للإرهاب، إنها تقف بحسم وشجاعة في مواجهة القواعد الفكرية للإرهابيين، وتهدف إلى التحرر والانعتاق والتعبير الإيجابي عن مختلف الرؤى والأفكار والمنطلقات في المجتمع، وصولا إلى صهر جميع الأفكار الجميلة، وتفاعلها في بوتقة واحدة، واستخدامها دليلا ومرشدا في مشروع النهضة والبناء. في حين يضيق فكر الإرهاب بتعدد الآراء، ويغيب برنامج العمل والإصلاح، وتسود الخزعبلات والدجل والخرافة، وتفتقد النظرة الموضوعية والمواقف الرصينة من الأشياء، والآراء لا تحتمل الاختلاف، ويجري تكفير المجتمع وتقسيمه بشكل حاد إلى مؤمن وكافر. حيث لا تحتمل الحياة تعدد الألوان.

إننا في واقع الحال، وعلى امتداد الأرض العربية، إزاء مشروعين، يمكن اختزالهما إما بتغليب السيف على القلم، وسد أبواب الاجتهاد وحرية الفكر، أو أن نغلب القلم على السيف وفتح النوافذ والأبواب للهواء النقي. وليس من شك أن المواجهة العربية للإرهاب ينبغي أن تكون حاسمة في هذه اللحظة العصيبة، والمنعطف التاريخي لمجتمعنا. ينبغي أن نترك مساحة لصالح القلم، فذلك وحده الذي يهزم فكر الانغلاق والتحجر، ويفتح آفاقا للعطاء والإبداع، ويجعل من بلادنا واحة جميلة.

لا بد من الولوج إلى عصر تنوير جديد، تشارك فيه القوى الواعية والمبدعة والخلاقة في مجتمعنا، كل من موقعه. فيمارس الأديب والكاتب والمسرحي والفنان التشكيلي، والأستاذ في جامعته ومدرسته، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، كل من موقعه، في عملية التنوير والكشف عن مواطن الضعف الكامنة في ثقافتنا.

إرهاب داعش وأخواته، سوف يستمر، في عمله لحرق الأخضر واليابس، إلى أن نبدل ثقافة بثقافة وفكرا بفكر، وسيكون هذا الانتقال سندا ومعضدا للقوى الآمنة، في معركتها التي لا محيص من النصر فيها، إذا ما تحولت إلى مواجهة وطنية وقومية كبرى للإرهاب... وذلك حين تخلص النوايا ويتوفر الوعي والقدرة والإرادة ليس بعيدا عن المنال.

 

 

د. يوسف مكي

ولد في القطيف في المنطقةالشرقية في المملكة العربية السعودية عام 1949
التحصيل العلمي
دكتوراه في السياسة المقارنة
مدرسة الدراسات العليا الدولية جامعة دينفر، ولاية كلورادو 893الولايات المتحدة الأمريكية

 

 

شاهد مقالات د. يوسف مكي