موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
انتخابات التجديد النصفي للكونغرس: التصويت في انتخابات مصيرية لترامب ::التجــديد العــربي:: بمناسبة زيارتة الى منطقة القصيم : خادم الحرمين يوجه بإطلاق سراح جميع السجناء المعسرين من المواطنين بالقصيم في قضايا حقوقية و يدشن أكثر من 600 مشروع بقيمة تتجاوز 16 مليار ريال ::التجــديد العــربي:: واشنطن تدشّن المرحلة الثانية من العقوبات وتهدد بضغوط على إيران «بلا هوادة» ::التجــديد العــربي:: المملكة تؤكد حرصها على المضي قُدماً نحو حماية وتعزيز حقوق الإنسان ::التجــديد العــربي:: بريطانيا تفتح في عُمان قاعدة تدريب عسكري ::التجــديد العــربي:: الكويت_تغرق للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عامًا ::التجــديد العــربي:: مصر: مستوى قياسي لاحتياط النقد الأجنبي ::التجــديد العــربي:: إعفاء دول من العقوبات على إيران يضغط على أسعار النفط ::التجــديد العــربي:: معرض الشارقة الدولي للكتاب يفتتح اليوم: اليابان ضيف الشرف ::التجــديد العــربي:: نكهات السجائر الإلكترونية تدمر خلايا في الأوعية الدموية والقلب ::التجــديد العــربي:: الهلال يكتفي برباعية في شباك الاتفاق ويعزز انفراده في صدارة الدوري ::التجــديد العــربي:: المنتخب السعودي يحقق الفوز بلقب كأس آسيا تحت 19 عاما، المقامة في إندونيسيا ::التجــديد العــربي:: لقاء متوقع بين ترامب وبوتين في باريس 11 نوفمبر ::التجــديد العــربي:: مجلس الوزراء السعودي: ينوّه بتغليب الحكمة بدلاً من الإشاعات ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين يستقبل نجل خاشقجي وشقيقه... وتشديد على محاسبة «المقصّر» أياً يكن ::التجــديد العــربي:: الأمم المتحدة تحذر من مجاعة وشيكة تهدد نصف سكان اليمن ::التجــديد العــربي:: بولتون يبحث في موسكو «مشهداً استراتيجياً جديداً» بعد تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى ::التجــديد العــربي:: السيسي يؤكد في رسالة لخادم الحرمين أهمية استمرار التنسيق الاستراتيجي ::التجــديد العــربي:: أكثر من 50 مليار دولار "212 مليار ريال" حصيلة صفقات اليوم الأول لمؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» ::التجــديد العــربي:: الشمس تتعامد على وجه الفرعون رمسيس الثاني ::التجــديد العــربي::

قراءة في إشكالية تفسير النص القرآني وتأويله

إرسال إلى صديق طباعة PDF


(الذين في قلوبهم زيغ)

(1)

قال الله في كتابه العزيز: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ * وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ * وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا * وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ».

آل عمران “7”.

يقول الفيلسوف العربي- الإسلامي الكندي عن تجار الدين:

«... ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها “لأنفسهم” من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تَجر بالشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له. ومن تجر بالدين لم يكن له دين».

الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة أو تأويله:

قبل أن ندل في صلب الإشكالية موضوع البحث دعونا نقف اولاً عند مفهومي الآيات المحكمات والآيات المتشابهات.

الآيات المحكمات هن الآيات الواضحات في دلالاتها لا لبس فيها من جهة، والوضوح هنا يتضمن كل ما يعبر عن جوهر الإسلام الحقيقي ومقاصده التي تدعو الناس إلى عبادة الله ووحدانية، وإلى الإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخرة والعمل الصالح دون إكراه أو إلزام. وهذه الآيات المحكمات تجب أو تقصي بالضرورة كل آية أخرى لا تلتقي معها في هذه الدلالات والمقاصد.

أما الآيات المتشابهات، فهن الآيات الغامضات في دلالاتهن، بحيث تحمل كل آية أكثر من وجه في التفسير أو التأويل مما يؤدي إلى خلاف بين الناس على تفسيرها أو تأويلها من جهة، وهن أيضاً الآيات اللواتي (تخالف) من حيث المضمون أو الدلالة الآيات المحكمات. وهذا ما سوف نعمل على توضيحه هنا بشكل أكثر تفصيلاً.

جاء في الآية القرآنية السابعة من سورة آل عمران ما يحدد، من هو المسلم الحقيقي والمؤمن بدور الإسلام ومقاصده الإنسانية. حيث تقول الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ * وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ * وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا * وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). آل عمران “7”.

إن قراءة دقيقة لمضمون ودلالات هذه الآية، تبين لنا بوضوح الجوهر الأساس للنص القرآني الذي يجب على كل مؤمن بهذا النص أن يتعامل معه انطلاقاً من هذه الآية المحكمة من منطلق:

أولاً: أنها (“قدرية” في مضمونها)، أي من الآيات اللواتي تقر بحرية الإنسان وتحمله مسؤولية اختياره، واحترام عقله.

ثانياً: هي من الآيات المحكمات، أي البينات الواضحات بحيث لا غموض في تفسيرها - أي تشابه- بالرغم من أن الذين في قلوبهم زيغ هم من حاولوا إيجاد الخلاف فيها حول مسألة تحديد (الواو) المتعلقة في (والراسخون في العلم)، هل هي عاطفة أم استئنافية، بالرغم من أن الآية تشير وبكل وضوح إلى أن هذه الواو استئنافية. أي من حيث دلالة بقية الآية لا تعطي الراسخون في العلم حق التأويل، إلا أن الذين يريدونها عاطفة، أي تعطي هذا الحق في التأويل للراسخين في العلم، هم من في قلوبهم زيغ ولهم مصالح سياسية أو اجتماعية تتخذ من النص الديني وسيلة لتبرير هذه المصالح.

على العموم، إن الآيات المحكمات هن من يشكل الجزء الأكبر من آيات القرآن، أي هن هم الكتاب، أما ما تبقى من الآيات فهن آيات متشابهات، أي هن الآيات كما بينا قبل قليل اللواتي تحملن في مضمونهن الغموض والمفارقة أحيانا ولا نقل التناقض مع غيرهن من الآيات المحكمات، وفيهن تعدد الدلالات.

فمن الآيات البينات على سبيل المثال لا الحصر آيات: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ “1” اللَّهُ الصَّمَدُ “2” لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ “3” وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ “4”). سورة الإخلاص. فهذه آيات بينات واضحات لا تحمل أكثر من وجه واحد هو وحدانية الله.

أما الآيات المتشابهات. فلنأخذ بعضاً منهن توضيحاً لهذه المسألة الشائكة، كالآية التالية: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). “39” سورة الأنعام. وهذه الآية (جبرية) في دلالاتها، أي تقف أمام حرية إرادة الإنسان واحترام عقله بسلبهما دورهما في حياة الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تكوين، وأعطاه الخلافة على هذه الأرض. هذا في الوقت الذي نجد آية أخرى تقول بحرية الإرادة الإنسانية ودور العقل الإنساني في ممارسة الإنسان لدوره في أعماله بنفسه واختياره، وليس جبراً عليه كالآية التالية: (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ * فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ * وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا * وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) “104” سورة الأنعام. أو كالآيات التالية في الموقف من اليهود والنصارى كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة “51”. فالآية تضع اليهود والنصارى في كفة واحدة من حيث تعامل المؤمنين معهم. مقابل الآية التالية في هذا الاتجاه أيضاً والتي تستثني النصارى في مسألة التعامل وتعترف بأن فيهم مودة للمسلمين: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسون ورهباناً وأنهم لا يستكبرون) المائدة “82”. أما التالية فهي أكثر مفارقة مع مضمون الآيتين اللتين جئنا عليهما، حيث نجدها تفضل اليهود على العالمين: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين) الجاشية “16”.

هذا ونستطيع تقديم أمثلة أخرى على الآيات المتشابهات في مستويات ودلالات أخرى بالنسبة للنص القرآني، من حيث تعدد الدلالة في الآية الواحدة كالآية التالية: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [“3” سورة يونس]. فدلالات الاستواء هنا غير واضحة، لا في مكانها ولا في طبيعتها، في الوقت الذي نجد فيه آية أخرى تشير إلى حالة الاستواء مجسدة لله عز وجل بكل وضوح كالآية التالية: (وانشقت السماء يومئذ واهية. والْمَلَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) الحاقة “16 و17”. ففي هذه الآية يبدو التجسيم أو التجسيد واضحاً بالنسبة لمكان الله وعرشه وحملته. والآية التالية تؤكد وجود الله في السماء أيضاً، ومن هناك يتدبر أمر الخلق: (يدير الأمر من السماء إلى الأرض ثم يُعْرِجُ إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما يقدرون) السجد “5”. وفي آية أخرى يشار فيها إلى سمعه وبصره: (قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى) طه “46”. وأمام كل هذه الآيات التي تشير إلى التجسيد الصريح عن مكان وجود الله وسمعه وبصره واستوائه، نجد آية أخرى تنفي كل هذه الصفات التجسيدية لتقول: (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى “11”. فهذه الآية التي جردت الإله من كل صفاته في الحقيقة تحمل دلالات مفارقة في مضمونها أو متشابهة، ففي الوقت الذي تشير إلى قدرة الله تعالى على الخلق وإلى سمعه وبصره، تقر أيضاً بأن الله (ليس كمثله شيء). أي هو خارج نطاق الوصف. ومن يكن خارج نطاق الوصف سيجرد في النهاية من كل ما يدل على محسوسيته بأية صفة كانت. هذا وقد قام من اشتغل تاريخياً على تفسير أو تأويل هذه الآيات المتشابهات بإدخال المسلمين في خلافات وصراعات ليس لها حدود وصلت إلى (حد الدم) إن كان تجاه أصحاب الديانات السماوية الأخرى، أم تجاه المسلمين أنفسهم، وخاصة في مسائل مثل خلق القرآن وصفات الله وهل يرى الله بالعين المجردة يوم القيامة أم لا، وغير ذلك من مسائل لا يعلمها إلا الله وحده، وللأسف لم تزل هذه القضايا تناقش ويسيل عليها الدم حتى اليوم من قبل جهلة الدين أو من في قلوبهم زيغ.

إذن من خلال هذه الآيات المتشابهات تأتي إشكالية التعامل مع النص المقدس، من حيث تأويله أو تفسيره لمصالح سياسية أو مذهبية أو شخصية، أو الأخذ به ابتغاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين وغيرهم. وبناءً على ذلك نبه الله إلى خطورة التعامل مع هذه المتشابهات وقال بأن الذين في قلوبهم زيغ هم من يحاول التعامل معها أو الأخذ بها ابتغاء الفتنة أو تأويله. أما الراسخون في العلم من المسلمين المؤمنون من أولي الألباب، أي المؤمنون بالله وبمقاصد الإسلام كدين محبة ورحمة وعدالة ومساواة، وتأكيد على حرية الإنسان وعقله في تقرير مصيره واختياراته، فهم الذين يقرون أو يعترفون بوجود هذا التشابه في النص الديني، لذلك هم يؤمنون بمحكمات آيات القرآن ومتشابهاته من جهة، كونه كله من عند الله، وعليهم التسليم به، وعليهم في المقابل أن يأخذا من هذه الآيات كل آية واضحة بينة (محكمة). لا تفرق بين المسلمين وتقف ضد الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الله وحقوق الإنسان. وهذا ما بينه الرسول الكريم بقول: (القرآن ذلول حمال أوجه، فخذوه على وجهه الحسن).

الإشكالات الفكرية.. عقيدة وفقهاً في الخطاب الإسلامي السلفي:

دعونا بداية نشير إلى مسألة على غاية من الأهمية تتعلق بمن جعلوا من أنفسهم حماة الدين والمعبرين عن وجهه الصحيح، حتى وصل الأمر إلى اعتبار بعضهم هم وحدهم من امتلك ناصية الحقيقة في فهم الدين والتعبير عنه، حتى تحولت آراء هؤلاء عند مريديهم إلى درجة التقديس.

منذ السقيفة ظهر علينا التزوير والانتحال والتقول على لسان الرسول في أهم مسألة في الخطاب الإسلامي وهي مسألة (الخلافة)، التي حصرتها فئة من المتصارعين على السلطة منذ السقيفة بأنها في قريش فقط، ليأتي فيما بعد من يضع الأحاديث أو يفسر الآيات ويؤلها في هذا الشأن خدمة للبيت الأموي أو العباسي أو العلوي. فقد جاء في الصحيحين عند مسلم والبخاري: (لايزال هذا الأمر في قريش ما تبقى من الناس اثنان)، وهذا الحديث في الحقيقة يخالف تعاليم الإسلام من جهتين. الأولى: بأن الإسلام لم يحدد طبيعة الحكم وشكله ونظامه. والثانية: إن الإسلام يقول: (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى). وهذا "عمر ابن الخطاب" يؤكد ذلك في حديث له كما تذكر المصادر التاريخية بقوله: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته).[1] فمسألة الأخذ بكل حديث وفقاً للسند وليس للمتن كما فعل التيار السلفي من أهل السنة والحديث، أو القول إن الخلافة جاءت بالنص المقدس ترك إشكالات ليس لها حدود في الخطاب الإسلامي. حيث فرض علينا بعض الفقهاء ومشايخ الدين التصديق بأن كل ما جاء في الصحيحين صحيح لا غبار عليه. بل حول هذا الادعاء كل ما جاء فيهما إلى نص مقدس.!!. فلنتابع مع "النووي" حديثه عن الصحيحين ونضعهما في ميزان العقل والمنطق ونرى مدى توافق ما قيل عن الصحيحين وقوانين العقل. يذكر النووي في التغريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح أن ما روياه “أي مسلم والبخاري” أو أحدهما مقطوع بصحته. والعلم القطعي حاصل). كما زعم إمام الحرمين "الجوني" إجماع علماء المسلمين على ذلك وقال: (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن كل ما في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي “ص”، لما ألزمه الطلاق). ويذكر "السيوطي" أن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعرية والشافعية كأبي اسحق وأبي حامد السفراييني والقاضي أبو الطيب وأبي اسحق الشيرازي، ومن الحنفية كالسرخس، ومن المالكية كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلي وابن الخطاب وابن الغفران).[2] والملفت للنظر في كيفية جمع "البخاري" للحديث تجعلنا نقف كثيراً عند صحة ما جاء في صحيحه، حيث يذكر "محمد بن الأزهر السجستاني" بأنه: (كنا في مجلس سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب. فقيل لبعضهم ماله لا يكتب، فقال أحدهم: يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه).[3] وقد روى "الخطيب البغدادي" عن البخاري قوله: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر، فقيل له يا أبا عبد الله، بتمامه؟. فسكت). وتذكر المصادر بأن البخاري قد جمع (7275) حديثاً، بما فيها المكرر، ولو حذف المكرر لظل (4000) حديثاً، وقد اختارها من (300000) حديث.[4] وهذا الموقف من الحديث أو تفسير النص وتأويله خدمة لمصالح سياسية على وجه الخصوص نجده عند الفرق الغالية للشيعة، أو حتى عند بعض مشايخ الشيعة المعتدلة.

أما ما هو أخطر في هذه المسألة بالنسبة لدور بعض رجال الدين وعلمائه، فهو موقفهم من السلطات الظالمة والفاسدة، من حيث تبرير فسادهم وظلمهم وعدم الاحتجاج على الحاكم والاعتراض على حكمه، تحت ذريعة إبعاد البلاد عن الفتنة، بينما نجدهم وأتباعهم يسلطون سيوف التهديد والوعيد للناس الضعفاء من العامة إذا ما أخطأ أحدهم أو ارتكب ذنباً لا يقره الشرع وفق فهمهم هم لهذا الشرع.

بعد عصر التدوين، أي بعد (145) عاماً من الهجرة كما يذكر "السيوطي" نقلاً عن "الذهبي" فيما يتعلق بعصر التدوين وبدايته، راحت كتب الفقه والسيرة والمغازي والتاريخ تدون.[5] علماً أن التدوين في معظم حالاته كان برأيي هو أقلام السلطة قبل أن يكون للحقيقة أو للدين. فالتاريخ كما يقال (هو أقلام السلطة). فهذا بعض ما كتب عن مواقف بعض الفقهاء من الخلافة والخلفاء وتبرير حكمهم حتى ولوكان فاسداً وظالماً.

يقول "ابن حنبل": (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر، ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين).[6] أما الأشاعرة فهذا "الباقلاني" يقول: (إن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان مما لو حدث عند ابتداء العقد لبطل العقد له).[7] أما "النسفي" وهو من الماتريدية فيقر بصراحة: (لإن الحاكم لا ينعزل بالفسق. أي بالخروج عن طاعة الله تعالى والجور، أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الرشدين والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم).[8] وهذا موقف آخر لرجال الدين الذين في قلوبهم زيغ يذكره السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، عن الخليفة "يزيد بن عبد الملك"، وهو الذي ملأ الدينا مغاني وشراباً ومجنوناً وخلاعة طوال أربع سنوات حكمه، بأنه عندما ولي الخلافة جاء بأربعين شيخاً (فشهدوا له بأن ما على الخليفة حساب ولا عقاب).[9]

فعلى مثل هذه المواقف والآراء التي يدلي بها فقهاء السلطان، لا بد أن تضيع القيم الأساسية للدين الحنيف، وتتحول المسائل الفقهية من دائرة محاربة الفساد، إلى دائرة تبريره من خلال التلاعب بالنص المقدس ابتغاء تحقيق مصالح خاصة. ولنأخذ هنا مثالاً عن مواقف بعض الصحابة الذين يعتبرون من الثقات لدى أهل الحديث، وهو أحد العبادلة الأربعة "عبد الله بن عباس" ابن عم النبي. وهو الذي كلفه علىّ ولاية البصرة في العراق، وبعد فترة من ولايته بلغ عليّ أن عبد الله تطاول على بيت مال المسلمين في البصرة، فأرسل عليّ يستوضح الأمر ويطلب من عبد الله أن يقدم له حساباً عن أموال بيت المسلمين، إلا أن عبد الله رفض، وبعد عدة رسائل متبادلة يقوم عبد الله بأخذ ما تبقى في بيت مال المسلمين في البصرة وقدره كما يذكر الطبري (ستة ملاين درهماً). ثم يهرب إلى مكة ويشتري داراً وثلاث جاريات من حور العين. وعندما ألح عليه عليّ أخيراً برد المال أرسل لعلي يقول له: (لئن لم تدعني من أساطيرك لأحملن هذا المال إلى معاوية يقاتلك به).[10]

والأمر هنا برأي على درجة عالية من الخطورة في مسألة مصداقية كل الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن عباس لو صحت هذه الرواية، أو كانت حقيقية!. فالذي يعتبر المطالبة بمال المسلمين من قبل علي هي أساطير، والذي يحلل لنفسه أموال المسلمين، كيف سيكون موقفه من الدين الحنيف، وأي مصداقية هذه ترتجى منه كراوي له.؟!.

أما لوعدنا إلى المتكلمين وأصحاب المنطق والرأي من رجال دين فقهاء ومتكلمين، لوجدنا تلك التناقضات والصراعات العجيبة حول تفسير آيات القرآن وتأويله، فيما يتعلق بوحدانية الله وقدمه وخلقه ومشيئته وعدله، وفي قضائه وقدره، وفي التأكيد على أن هذه الآية نزلت بهذا الشخص أو ذاك، وفي مرتكب الكبيرة، وفي تحسين العمل وتقبيحه، وفي الجرح والتعديل، وهي صراعات أودت بحياة الكثير منهم، مثلما أدت إلى خلق أحزاب ومذاهب وتيارات فكرية راحت تكفر وتحلل دماء وأموال بعضها، وكل منها تقول بأنها هي من يمثل الإسلام الصحيح أو الفرقة الناجية، والمؤسف أن أكثر هذه الفرق والمذاهب قائمة حتى هذا التاريخ.

*****

(2)

ما هي أبرز الخلافات عند أهم الفرق الكلامية والمذهبية الإسلامية:

التيار السلفي أو أهل السنة والجماعة:

لقد اتفق السلفية جميهم (حنابلة وأشاعرة ومالكية وشافعية وما تريديّة، واليوم الوهابية وغيرهم). وأكدوا على صفات الله وأسمائه كما جاءت في القرآن، بتسليم مطلق دون نقاش أو إبداء رأي فيها. عدا الأشاعرة منهم الذين قسموا هذه الصفات بين صفات خبرية وصفات معنوية، وقالوا إن الصفات المعنوية هي الخلق والقدرة والإرادة والبصر والسمع والكلام، وهي صفات ترتبط بذات الله أو هي عينه. أما الصفات الخبرية فموقفهم منها لا يختلف عن بقية القوى السلفية الأخرى. والسلفية يتجنبون التشبيه، (ليس كمثله شيء)، وفي قولهم بالصفات أرادوا الوصول إلى أن الله وفقاً لصفاته قادر على كل شيء وله الأمر بكل شيء، وبالتالي ليس للإنسان حرية وإرادة على الاختيار والفعل دون أمر الله، على الرغم من أن الأشاعرة حاولوا الخروج عن هذه المسألة قليلاً، أي مسألة القضاء والقدر بطرح شيخهم "أبو حسن الأشعري" نظرية (الكسب)، والتي فحواها، أن القضاء والقدر بيد الله وحده، ولكن الناس يمارسون أفعالهم بأنفسهم وفقاً للإرادة التي أجراها الله في نفوسهم.[11] وبما كسبت أيديهم. ممثلة هذه الإرادة بحديث النفس لدى الإنسان وليس تقريراً لعقله أو إرادته الحرة. وهو، أي "أبو الحسن الأشعري" في طرحه لنظرية الكسب كما يقول ابن تيمية: (حاول أبو حسن الأشعري الخروج من الجبر فوقع فيه). كما يرى التيار السلفي أن الخير والشر من عند الله (وما يصيبكم من شيء فمن عند الله). كما يقولون بان علم الله أزلي أحاط بكل شيء، وكل شيء عنده في لوح محفوظ. وهم يميزون بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية، فما أراده الله للكون خلقه بكل ما فيه وهو دائماً في خلق مستمر، وما أراده شرعاً فهو أمر فيه الخير وفيه الشر، دعا عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه. وهم يقولون أيضاً بأن الإيمان هو قول اللسان وإخلاص القلب وعمل الجوارح، ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بنية، ولا نية ولا قول ولا إخلاص ولا عمل إلا بموافقة السنة. والسلفية عدا (الجهادية) لا يكفرون أحداً بذنب او معصية إلا أن يزول أصل الإيمان الذي أقرته السنة. ومرتكب الذنب عندهم ومنهم الأشاعرة زنديق حتى يتوب، وهو سيعذب في جهنم بحسب ذنبه. لقد أنكرت السلفية السببية في الظواهر، وقالوا لا وجود لها، وكل شيء يتم بمشيئة الله، وبالتالي كل قوانين الطبيعة والمجتمع تسير بإرادة الله ومشيئته، أو كما يقول أبو حامد الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين)، (بأن الأسباب في الظواهر وراءها ملائكة سخرهم الله لتأدية ما يقوم به الناس، فالشيطان يقوم بدور تأدية أعمال الشر، ويدخل الملائكة هنا كمحررين للظواهر).[12] وبذلك ينفي الغزالي الحقيقة ويجعلها وهماً. والسلفية وفق هذا الإيمان هم يكرسون الفهم الجبري الذي قالت به الجهمية بكل معطياته، وفقاً لرأي "جهم بن صفوان": (إن الإنسان ليس يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا اختيار وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق كافة الجمادات).[13] أما أبو حسن الأشعري فيقول في هذا الاتجاه: (إن جميع الموجودات من أشخاص (العباد وأفعالهم، وكذلك سائر المخلوقات وحركتها، كلها مخلوقة لله).[14] هذا وأن الزمن عند السلفية هو آنات أو ذرات متقطعة لا وصل بينها، والمتصل عندهم هو الزمن الإلهي فقط بسبب خلق الله المستمر.

لقد حارب التيار السلفي بعمومه العقل واعتبر دعاته زنادقة، كما جاء في فتوى ابن صلاح المشهور: (من تنمطق تزندق). أو كما يقول ابن حنبل: (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي). و(إن أصحاب العقل زناديق). أما الأشاعرة فرغم أنهم استخدموا العقل وآمنوا به، إلا أنهم استخدموه لتثبيت النص وليس للحكم عليه. واعتبروا أن ما أصل له الشافعي وابن حنبل في تحديد مراجع الدين ومصادر التشريع من قرآن وحديث وإجماع وقياس، وكل ما تركه السلف الصالح من أثر حتى القرن الثالث للهجرة، هي الأساس والمنطلق لكل ما هو تالٍ، وهي وحدها من يحدد شرعية الحسن والقبيح في أعمال الناس. أي قالوا بالحسن والقبيح الشرعيين وليس العقليين. وبذلك سدوا الطريق أمام الاجتهاد وحكموا على الحلال أو المباح فقط بما ورد فيه نص مقدس في القرآن أو الحديث أو أي أثر أو إجماع للسلف الصالح حتى القرن الثالث للهجرة، وكل ما جاء بعد ذلك بدعة وضلالة وكفر، إن لم يوجد له شبه أو دليل في هذه المراجع الصفراء التي تحولت إلى نصوص مقدسة. وهذا ما أكد عليه ايضاً الشافعي الذي أصل للفقه السلفي بقوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث يخالف كتباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً فهذه بدعة).[15] وبهذا الموقف الفقهي جعل الشافعي ومن سار على دربه من التيار السلفي ومدارسه ومذاهبه، عدا المذهب الحنفي إلى حد ما، أن المصالح المرسلة والاستحسان، وسد الذرائع (حكم هوى)، كون العقل يدخل فيها. واخيراً من القضايا التي اتفقوا عليها عدا المذهب الحنفي، هي الأخذ بالحديث وفقاً للسند أكثر من المتن، وذلك لاعتبارات عدة أهمها: إن السلفية تعاملوا مع مسألة الجرح والتعديل وفقاً لأغراض سياسية أو كلامية أو مذهبية، فكل من لم يقل بآرائهم هو غير ثقة، وبالتالي بموقفهم هذا تجاه الرأي الاخر، اعتمدوا كثيراً على الحديث حتى ولو كان ضعيفاً. أما أبو حنفية، فقد رفض الاعتماد كثيراً على الحديث عدا المتواتر والمشهور منه، واعتبر المتن الذي يتفق مع النص القرآني هو مرجعه وثقته بغض النظر عن قائله، وما تبقى أحاديث آحاد، وهي ضنية، والضن عند الله لا يغني من الحق شيئاً.

أما في السياسة فقالوا بالشورى (وأمرهم شورى بينهم)، ومع سيطرة الأموين والعباسيين على السلطة بالقوة وتحويلها إلى ملك عضوض واعتبارها أمراً مقدراً من عند الله كما قال معاوية في خطبته عند توليه الخلافة: (الأرض لله... وأنا خليفة الله، ما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني). وكما قال أبو جعفر المنصور أيضاً: (يا أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم ذادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا سلطانه الذي أعطانا، وأنا خليفة الله في أرضه، وحارس ملكه).[16] ومع تولي الحكام البويهيين والأتراك والمماليك والعثمانيين السلطة بالغلبة أيضاً، تحولت الشورى عند فقاء السنة ومن في قلوبهم زيغ، إلى غلبة وانتصار بحد السيف، وقبول البيعة للخلافة حتى ولوا بموافقة شخص واحد، كما يقول "الماوردي" بالأحكام السلطانية، و"ابن جماعة" وغيرهما ممن كتب في السياسة، أو من برر ظلم الحاكم وفساده وعدم الاحتجاج عليه كما مر معنا في موقع سابق.

المعتزلة:

لقد آمنوا بوحدانية الله، وقالوا بأن مشيئته تقع في الكليات، أما الجزئيات فهي من شأن البشر، وذلك لتأكيدهم على حرية الإنسان وإرادته في اختيار أفعاله. (وهديناه النجدين). كما آمنوا بالسببية واعتبروا أن هناك قوانين موضوعية تتحكم في سير وآلية عمل الظواهر، وهي من خلق الله ويستطيع الإنسان بحريته وإرادته استخدامها. لقد أنكرو التجسيد والصفات وقالوا تأكيداً لقول الله عن ذاته: (ليس كمثله شيء). واعتبروا أن الحسن والقبيح أمران عقليان وليسا شرعيين، وبذلك رفضوا القول بأن يفعل الله الشر، وسموا لذلك باهل العدل. ونظروا إلى مرتكب الكبيرة (الذنب)، في المنزلة بين المنزلتين، فهو عاصي وليس بكافر ولا مؤمن وقابل للتوبة. كما قالوا (بخلق القرآن)، وأنه ليس قديماً، فالمعتزلة يقولون هو كلام الله، ولكن له حروف وكلمات، وبالتالي هو مخلوق: (إنا جعلناه قرآن عربياً) والجعل عندهم يعني الخلق. بينما السلفية قالوا في هذا الشأن، إن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات الله، وكل ما هو صفة هو قديم.

لقد آمن المعتزلة بأهم قضية في الفكر الإسلامي وهي قضية العقل ودوره في تسيير حياة المسلم والإنسان عموماً. واعتبروه منحة من الله للإنسان لكي يتميز به عن كل المخلوقات ويمارس خلافة الله على الأرض، وعلى هذا الموقف من العقل في تعاملهم مع النص المقدس، رأوا ضرورة الوقوف عند هذه النصوص وعدم السماح بتأويلها كما يشتهون، وبالتالي أنكروا صفات الله وقالوا: إن معرفة صفات الله وذاته فوق العقل البشري، وليس هناك من قدرة لدى الإنسان أن يدرك بها كنه أو كيفية هذه الصفات. وقالوا وفقاً لذلك وبناءً على الآية السابعة من صورة آل عمران التي جئنا عليها وهي موضوع هذه الدراسة أصلاً: إن كل ما جاء بالقرآن هو من عند الله، ولا نتكلم فيما لم يجئ، ولا نبحث فيما إذا كانت صفات الله هي عين ذاته أو غير ذاته. وهم لا ينظرون في كيفية صدور المحدثات عن القديم (الله)، ولا كيف يتصل علم الله القديم والمعلومات المحدثة، ولا نحو ذلك لأنها فوق طاقة العقل البشري، هذا العقل الذي مُنح القدرة فقط في مسألة إدراك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد على وجه الخصوص.[17] كما قللوا من الاعتماد على الحديث مقابل اعتمادهم على الرأي، منطلقين من أن الحديث مرتبط بالأشخاص، والأشخاص بشر لهم أهواؤهم ومصالحهم، وبالتالي ما يقولون به أمر ضني.

الشيعة الجعفرية ومن يلتقي معها من فرق الشيعة:

لقد التقت الشيعة الجعفرية مع المعتزلة في الكثير من القضايا العقلانية، أهمها: هم يعتبرون صفات الله عين ذاته. وإن القرآن مخلوق. وأنكروا حديث النفس الذي يقول به الأشاعرة (نظرية الكسب). كما انكروا رؤية الله بالبصر في الدنيا أو الاخرة. قالوا بالحسن والقبيح العقليين، وقدرة العبد على الاختيار (نظرية البداء)[18] وهي نظرية تقر بالقضاء والقدر من عند الله لكنها تعتبر النص المقدس مفتوح في دلالاته ومخزونه على المطلق، وهو جاء لخدمة الواقع وتطوره طالما أن هذا التطور والتبدل لا يسئ لتعاليم الله ومقاصد الدين. كما قالوا بأن الله عادل ولا يصدر عنه قبيح. وأن أفعال الله معللة بالعلل والأغراض.[19] كما أنكرو الجبر في صيغته الجهمية حيث يقول علي بن ابي طالب في نهج البلاغة: (إن الله لا يقضي وجوباً، ولا يقدر حتماً. فلو كان الأمر كذلك لما كان هناك عقاب ولا ثواب ولما كان هناك وعد ولا وعيد. إن الله يأمر تخيراً وينهي تحذيراً ولا يقضي وجوباً، ولم يبعث الأنبياء والرسل عبثاً).

هذا وللشيعة الجعفرية قضايا فقهية خاصة بمذهبهم منها العصمة لآل البيت، وأن أئمة آل البيت لهم رؤيتهم الخاصة بهم في الخطاب الديني ذاته، وبتكليفهم بأمر الإمامة كما حدده جعفر الصادق بقوله: (خلق الله العالم وانتقل النور إلى نبينا محمد (ص)... ثم انتقل النور إلى غرائزنا ولمع في ائمتنا، ونحن أنوار السماء وانوار الأرض، فينا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، فأئمة الأئمة ومنقذ الأمة، وحجج رب العالمين فاليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا).[20] هذا مع الإشارة بأن هذا القول فيه مغالاة كثيرة، خاصة وأن الإمام الغائب (المهدي) جاء بعد جعفر بزمن ليس بالقصير، وأن علي نفسه قد أنكر العصمة بقوله: (.. فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست من نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي).[21] كما قالوا بالتقية وفقاً للآية التالية (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم). النحل- (106). وقد جاءت تقيتهم هذه لكثرة ما عانى الشيعة من الاضطهاد من قبل الأمويين والعباسيين وغيرهم من الأعاجم الذين تسلموا أمور الخلافة بعد انتهاء عصر القوة العباسي وخاصة من المماليك الشراكسة. كما أغرق الشيعة في التفسير الباطني للآيات لتأكيد صحة خلافة علي وآل بيته، وقالوا بأن هذه الآية أو تلك قد نزلت بعلي أو علي وفاطمة والحسن والحسين، وأولوا النص القرآني وفقاً لذلك. واختلفوا مع السنة على أحاديث الرسول، ففي الوقت الذي رفض فيه السنة كل الأحاديث التي وردت عن آل البيت، نجد الشيعة يأخذون من الأحاديث التي قدمها السنة والتي تتفق ورؤيتهم للدين وللوصية ﻛ(حديث الغدير) وغيره. وقال الشيعة بالغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، وعودته ليملأ الأرض عداً بعد أن ملأت جوراً، وعلى الرغم من أن مفهوم العودة ظل مرتبطا بالإمام الغائب، إلا أن هناك تطوراً فكرياً قد حدث على ما يبدوا لدى بعض المجددين في الإسلام بشكل عام والفكر الشيعي بشكل خاص من علماء وفقهاء الشيعة الذين راحوا يقولن بأن العودة تعني عودة دولة العدل وقيادتها من قبل المحرومين والمضطهدين. كما قالوا بولاية الفقيه، وهذا المبدأ حدث عليه تطور كبيرً بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، حيث ارتبطت مسألة اختيار الولي الفقيه بمسألة الشورى في حال اختياره، ممثلة هذه الشورى بمجلس من الفقهاء.

الخوارج:

قال الخوارج بالتوحيد، وإن القضاء والقدر كله من عند الله، وقالوا بشورية الخلافة وهي حق حتى للعبد الحبشي طالما هو مسلم ومؤمن ويؤدي حقوق الله وما يأمره به الإسلام. وقالوا إن الإيمان ليس في القلب فحسب، بل هو في عمل الجوارح، ومن لا يطبق ما يؤمن به فهو كافر. لقد كفروا المختلف معهم فكرياً وسلوكياً وأحلوا قتله وقتل ذريته، فالكافر عندهم لا يلد إلا فاجراً كفاراً: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا “26” إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا “27”. سورة نوح. كما قالوا إن مرتكب الكبيرة كافر. وكانوا متشددين في الدين إلى درجة التزمت. لقد شكلوا العديد من الفصائل التي تلتقي كلها في الكثير من تعاليمها مع فرقة الخوارج الأولى (الحرورية)، ومن هذه الفرق من ابتعد قليلاً عنها أو اقترب قليلاً منها، وهناك من أضاف إلى تعاليمها أو تخلى عن بعضها. ومن أهم فرقهم الأزارقة والأصافره والنجدية وغيرها.

ملاك القول:

إن كل الذي جئنا عليه من خلافات بين هذه التيارات الاسلامية ومذاهبها وفرقها، جاء بسبب تدخل السلطة في الدين أولاً، إما للحفاظ عليها أو للوصول إليها، وثانياً بسبب تسخير رجال الدين ومشايخه لتوظيف علمهم في تفسير النص أو تأويله، أو حتى وضع الحديث والفتاوى خدمة لمصالح سياسية أو أنانية ضيقة، وبالتالي ظل فقط القلة القلية من تمسك بدينه الصحيح من رجال الدين، على مبدأ (القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار). هذا وقد قدم الكثير من رجال الدين المتمسكين بدينهم حياته على مذبح السلطة من أجل مبادئه وقول الحقيقة، (كجعد بن درهم وغيلان الدمشقي ومعبد الجهني)، وهناك الكثير ممن شوه وفق مبدأ الجرح والتعديل، الذي كانت تقاس فيه أخلاق وفكر رجال الدين بناءً على درجة قربهم من السلطة أو الخلافة أو من هذا المذهب أو ذاك. فهذا أبن حنبل وغيره عاشوا محنة الرأي عندما سيطر المعتزلة على الخلافة زمن المأمون والمعتصم والواثق، كما لاقى، غيره من أصحاب الرأي المحنة ذاتها في عهد الانقلاب السني زمن الخليفة "المتوكل" وبحضور ابن حنبل ذاته ورغبته، حيث ظل قائماً وفاعلاً وخادماً لسلطة المتوكل المعادي لأهل الرأي. ونحب أن نشير هنا أيضاً إلى موقف "أبو حسن الأشعري" الجبري السلفي من المعتزلة وأصحاب الرأي حيث راح يكفرهم ويزندقهم ويخرجهم من دين الإسلام، وهو الذي ظل أربعين عاماً معتزلياً، إلا أنه أصبح جبرياً وتبنى المذهب الحنبلي مع غيره الكثير من علماء ومشايخ الدين، بسبب محاكم التفتيش التي وضعت للقدرية بعد انقلاب المتوكل السلفي. فهذا أبو حسن الأشعري يكتب في (الإبانة في أصول الديانة) رأيه في المعتزلة ومواقفهم الفكرية التي لا تتفق مع الفكر السلفي الحنبلي بعمومه مبيناً: (إن كثيراً من المعتزلة وأهل القدرية مالت قلوبهم وأهواؤهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل به من سلطان، ولا أوضح به برهاناً، ولا تلقوه من الرسول ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في:

1- رؤيتهم الله بالأبصار.

2- أنكارهم شفاعة رسول الله.

3- وإيجادهم عذاب القبر.

4- وأنكارهم أن الكفار في قبورهم يعذبون. وقد أجمع في ذلك الصحابة والتابعون.

5- وقالوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم المشركين.

6- وقالوا بأن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين، أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر.

7- وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وذلك خلافاً لما أجمع عليه المسلمون ورداً لقوله تعالى: (وما يشاؤون إلا أن يشاء الله والله فعال لما يريد).[22]

فلنتصور معاً كيف يفكر التيار السلفي بشكل عام في قضايا لا تهم حياة الإنسان ومقاصد الدين الحقيقية تجاه هذا الإنسان. فأبو حسن الأشعري ومن يتبعه اليوم من المسلمين الذين يتبنون الفكر الأشعري السلفي بشكل خاص، وهم الذين يشكلون النسبة الأكبر في الساحتين العربية والاسلامية، يفكرون بهذه الطريقة الأسطورية اللاعقلانية بخوضهم في قضايا يعيبون على المعتزلة إنكارها أو عدم الإقرار بها كون السلف الصالح اعترف به، مثل عذاب القبر ومشاهدة الله وشفاعة الرسول وغير ذلك من مسائل لا يعلم بها إلا الله وحده.

أما الخلافات الفقهية فهي لا تخرج في الحقيقة عن تاريخ وأسباب الخلافات الدائرة لدى علماء الكلام، حيث ظهر العديد من هذه المذاهب مثل: (مذهب حسن البصري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومالك، وسفيان بن عيينة، واسحق بن راهَوَيّه، وأبي الثور، وداود الطاهري، وابن جرير الطبري).[23] وقد ارتبط هذا العلم (الفقه) بعلم الكلام، وكان للسلطة دور كبير في توجهه، فقد عانى بعض الفقهاء من عنت السلطة بسبب محاولتها الدائمة توظيفه لمصلحتها؛ فهذا "ابن الحنفية" يقتل مسموماً في عهد الخليفة المنصور العباسي كونه رفض استلام القضاء في عهده، وكذا الحال مع "مالك بن أنس"، الذي قال بحديث لم يرض الخليفة المنصور، فكانت النتيجة أن عراه المنصور من كل ثيابه وصلبه في الساحة وذله أمام العامة جزاءً لفعلته. بينما نجد في الوقت نفسه فقهاء ومن أتباع ابن حنفية او مالك راحوا فيما بعد يوظفون الدين ونصه المقدس تفسيراً وتأويلاً من أجل تبرير مفاسد السلطة، مثلما فعل الحنابلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم من التيار السلفي المدخلي كما مر معنا في موقف سابق.

ونظراً لهذه الخلافات الفقهية، جرت وتجري بين الأهالي المنتمين لهذا المذهب أو ذاك حروب أهلية دموية. فهذا الطبري يذكر في تاريخه عن حوادث عام (554) للهجرة، عن صراع دامي جرى في مدينة استراباذ، بين الشيعة العلوي، والشافعية عندما ولي على المدينة والياً شافعياً هو "محمد الهروي"، وكان قاضيها شافعياً أيضاً، فثار العلوية ومن معهم ضد الشافعية ومن معهم، وقد انتصرت العلوية على الشافعية وسال دم كثير.

ما هو الإسلام الذي نريده؟. أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟.

يتبين معنا من كل ما جئنا عليه في هذه الدراسة من رؤى وأفكار ومواقف أيديولوجية دينية وسياسية تتعلق بالخطاب الإسلامي وتياراته، طبيعة الصراع الذي دار ولم يزل دائراً بين ممثلي هذه التيارات الفقهية والمذهبية والكلامية حتى هذا التاريخ، والذي كان سببه كما بينا في موقع سابق، السلطة أو الخلافة ومصالح الطبقة الحاكمة وفقهائها ممن في قلوبهم زيغ أولاً، من الذين اتكأوا على الآيات المتشابهات كثيراً، بغية الفتنة وتأويل النص لمصالح أنانية ضيقة، أو لضرب المسلمين ببعضهم، ضاربين عرض الحائط مضمون الآية السابعة من سورة آل عمران التي جعلنا منها منطلقاً لهذه الدراسة، متناسين حديث الرسول أيضاً الذي يؤكد مضمون هذه الآية بقوله: (القرآن ذلول حمال اوجه، فخذوه على وجهه الحسن). وهذا في الحقيقة ما يبعث فينا التساؤل عن طبيعة الإسلام الذي نريده، أو ماذا يريد منا الإسلام الصحيح؟. وما هي مقاصده وأهدافه التي نطمح إلى تجسيدها، في وعي أبنائنا الذي سيطر عليه الفكر الفقهي السلفي التكفيري الامتثالي الاستسلامي الذي ظل يدور في قضايا الحيض والنفاس لمئات السنين؟. أي الخوض بما هو بعيد عن مشاكل الإنسان الحقيقية، منذ أن رسمه لنا وجذره في وعينا فقهاء ومشايخ القرون الثلاثة الأولى للهجرة. أي مع بداية التدوين في تاريخ الدولة الإسلامية، والذي حقق في معطياته ورجاله صفة التقديس. بل إن النص المقدس نفسه (القرآن) تنحى أمام ما أقره الشافعي وابن حنبل والمالكي وابن حنفية وابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن الجوزي والذهبي والقطني وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والبوطي، وغيرهم الكثير من مشايخ عصرنا، الذين اشتغلوا ويشتعلون اليوم على هذه المدارس الكلامية والمذاهب الفقهية حتى هذا التاريخ.

تستوقفني هنا مقولة رائعة في دلالاتها للمصلح الديني الكبير "مارتن لوثر" تقول: (لا يمكنني أن اتحمل أية قاعدة أو صيغة جاهزة يُفرض علينا التقيد بها من أجل تفسير الكتابات المقدسة، ذلك أن كلام الله الذي يُعَلِمْ كل حرية لا يمكن أن يكون سجيناً).

نعم.. إن مثل هذا القول كان وراء ثورة دينة حطمت كل التفكير اللاهوتي السكوني الجبري المعادي للدين والمتدينين، الذي حَجر على النص المقدس وعلى إرادة وحرية الإنسان معاً مئات السنين، فكان وراء تحرير النص وحرية الإنسان وإرادته تطور العالم الحر ووصوله إلى مصاف التقدم والرقي في مجال استخدام العقل بالرغم من أن هذا التقدم والرقي بنظر رجال الفكر السلفي من مشايخنا لم يزل ينظر إليه فكر زناديق وكفرة، كونه لم يفتتح برضى شريعة الإسلام كما فهموه أو فسروه أو أولوه هم. وهذا في الحقيقة ما يدعونا نحن أمام هذا الحجر ذاته الذي يمارس علينا منذ مئات السنين، أن نحقق ثورة حقيقة في خطابنا الإسلامي التقليدي الوثوقي الذي أوقف باب الاجتهاد وحجر على العقل الإنساني وحرية إرادته وتفكيره، وجعل الواقع مرتبطاً بما حدده لنا فقهاء الفرقة الناجية مهما كانت، هؤلاء الذين اعتبروا كل ما يوافق العقيدة والشرع في خطابنا الإسلامي الذي فهموه هم بأنه حلال وشرعي ومباح، وكل ما يخالف فهمهم حرام ومنافي للشرع ومحرم، وبالتالي هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

إن أول أسس هذه الثورة التي نريد تجديد خطابنا الاسلامي عبرها، هو رد الاعتبار للإيمان الصحيح المبني على العقل وحرية التفكير والاعتقاد بعيداً عن أي قسر أو إكراه، (لا إكراه في الدين)، أو أي تقليد أعمى يفرض علينا النقل وإبعاد العقل من جهة. او قياس الشاهد على الغائب من جهة ثانية. إن مثل هذا التأسيس سيعمل ويجب أن يعمل على تأكيد أهمية الفرد واستقلاليته الذاتية بعيداً عن أية نمذجة له وفقاً لقياس أو معايير المذاهب والمدارس الفقهية السكونيّة الرافضة للتغير والتطور، والمكفرة للمختلف والداعية إلى قتله وتحليل دمه وماله باسم الفرقة الناجية، فهذه المذاهب الجمودية في رؤيتها التي أوقفت حركة التاريخ لمصلحة فهم محدد للنص المقدس في مراحل زمنية تجاوزها التاريخ نفسه فكراً وممارسة وقضايا، فرضت على وعي المؤمن صورة لخالق هذا الكون، بأنه لا يعرف إلا النار وجهنم والعقاب الصارم في كل لحظة، صورة الإله الذي يحاصر المؤمن بالخطيئة والذنب إلى درجة لا يترك له أملاً في هذه الحياة، متناسين قوله تعالى: (إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون). يونس “44”.

إن التأسيس الذي جئنا عليه هو الذي سيفتح النص المقدس على كل دلالاته الإنسانية بعد أن يتم البحث في مخزونه الإنساني وقيمه الروحية القائمة على المحبة والعدل والمساواة والرحمة واحترام الرأي والرأي الآخر وعدم التفريق في الدين والجنس وبالتالي عدم فرض الوصاية من قبل أي كان على الآخرين ورفض التقديس لأي شخص واعتباره فوق البشر (وما أنا إلا بشر مثلكم). وكل هذا يتحقق بعيداً عن التعامل مع آياته المتشابهات، وبعيداً عن التعامل بمزاجية ومصلحية مع ما نسخ من النص المقدس وما لم ينسخ، كما حاول أصحاب الفرقة الناجية التعامل معه بقولهم بأن الآية الخامسة من صورة التوبة قد نسخت (500) آية، فالذي نسخ الآيات وبدلها هو الله، واهو القائل: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (10). سورة البقرة. وهو القائل في الآية السابعة من آل عمران: (والراسخون في العلم يقولن آمنا بها وكلها من عند الله)، ولم يقولوا نؤولها أو ننسخها كما نريد، حيث وصلت الجرأة عند بعض فقهاء السلفية إلى اعتبار الحديث ينسخ القرآن كما فعل أبو حامد الغزالي.

إن المسلمين الحقيقيين هم من يأخذوا بالآيات التي تدلنا على العدل والمحبة والمساواة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما بينا أعلاه. والذين ينظرون دائماً إلى روح النص المشبعة بالإنسانية، واستنطاق هذا النص لمصلحة الإنسانية، لا كما يقول الأشاعرة: (بأن النص ينطق ولا يستنطق). وهم الذين يفتحون باب الاجتهاد على مصراعيه كي يتفق هذا الدين العظيم مع تطور الواقع الذي نزل أساساً من أجل تغييره، وما تجربة "عمر بن الخطاب " في الاجتهاد عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي السواد، إلا دليلاً على هذا الموقف العقلاني من النص الديني وإمكانية فتحه على كل مخزونه الإنساني. وهذا حديث للرسول يبين لنا الفهم الحقيقي للدين وقابليته للانفتاح على مصالح الناس، حيث يقول: (من سن سنة في الإسلام حسنة فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان يُنتقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده دون أن يُنتقص من وزرها شيء).

من هذا المنطلق العقلاني تجاه النص المقدس ستولد حركة فكرية نقدية تعطي الأهمية الأولى للعقل وللتجربة الحياتية المباشرة للفرد والمجتمع ورجال الدين الورعين الذي يبتغون وجه الله وخير الناس. فعلى مثل هذا التأسيس الذي يرمي في نهاية المطاف إلى بناء الدولة العقلانية القائمة على فكرة المواطنة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية وفقاً ﻟ(وأمرهم شورى بينهم)، ووفقاً لما قال به أول خليفة وهو "أبو بكر": (وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني). او كما قال الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب": (إن رأيتهم فيّ اعوجاجاً فقوموني). وليست السلطة القائمة على الملك العضوض وأنها قدر من الله كقميص قمصنه الله لهذا الشخص أو ذاك ولن يتخلى عنه حتى لو قطع عنقه، أو هي خلافة حاكمية الفرقة الناجية التي تقول بأن أصحابها هم النخبة التي اختارها الله فقط لتحقيق شريعة الله على هذه الأرض.

إن الإسلام الذي نريده في نهاية المطاف، هو الإسلام المبني على النص المقدس، الذي تتسع فيه دائرة المباح بما يخدم حياة الإنسان وتطوره، وتتقلص دائرة الإلزام التي تحجر على هذه الحرية وتعمل على سجن النص والإنسان معاً بقوالب فكرية جاهزة تجاوز الزمن الكثير منها فكراً وممارسةً. وفي مثل هذا التوجه سيرتفع سقف التكاليف فوق فضاء واسع من الحرية واحترام الآخر، واحترام العقل الإنساني دون أن ينتقص ذلك من حرارة الإيمان بالله شيئاً. والله عز شأنه يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وبالتالي حد الدين من التنطع في الدين، وهذا ما أشار إليه حديث الرسول أيضاً: (إن أعظم المسلمين بالمسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليه، فحرم عليهم من أجل مسألته). أي ابتغاء الفتنة أو التأويل لتحقيق مصالح أنانية ضيقة. أو قول الرسول أيضاً: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا فيها).

نعم الأصل في الأشياء الاباحة كما تقول القاعدة الفقهية. وأهم شيء في هذا الأصل هو تأكيد حرية الإنسان من أجل تحقيق مقاصد الدين الحقيقة في بناء الفرد والمجتمع والدولة وفقاً لحاجات الزمان والمكان، وحاجات الإنسان ليس لها حدود، فالإنسان أساساً مركب حاجات مادية ومعنوية/ روحية، وتنميتها تأتي وفقاً لمفاهيم العدل والمساواة التي يفرضها تطور الزمن أيضاً، فجوهر العدل واحد وجوهر كل القيم النبيلة واحد، إن كانت هذه القيم النبيلة قد جاءت في النص المقدس، أو وفقاً لما يراه العقد الاجتماعي، والناس أدرى بأمور دنياها كما يقول الرسول. نعم إن الناس أدرى بشؤون دنياهم، أي هي شورى بينهم، والشورى في التعبير السياسي المعاصر هي الديمقراطية، والديمقراطية مشاركة وتداول سلطة، وليست قميص عثمان.

**********

الهوامش:

1- د. فرج فوده- الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1992- ص 65.

2- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام - المركز الثقافي اعربي – ط 1- 1998- ص 284.

3- عبد الجواد- المرجع نفسه- ص 291.

4 - عبد الجواد ياسين - المرجع نفسه- ص 291.

5- حسن ابراهيم حسن - تاريخ الإسلام- ج 1- ص 410.

6- عبد الجواد ياسين - مرجع سابق- ص 27.

7- أبو يعلي الفراء- الأحكام السلطانية- دار الكتب العلمية بيروت- 1983- ص 20. يراجع أيضاً عزيز العظمة- العلمانية من منظور مختلف- ص 42.

8- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص 448.

9- التفتزاني- شرح العقائد النسفية- ص 448.

10- فرج فودة - الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص 58. نقلاً عن السيوطي- ص 82.

11- فرج فودة - الحقيقة الغائبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص 58. نقلاً عن الطبري. ج 2- ص 108 و109.

12- يراجع موضوع القضاء والقدر عند السلفية كناب (القضاء والقدر) - تأليف عبد الحليم محمد قنبس، ووخالد محمد العكك- دار التاب العربي- دمشق دون تاريخ نشر.

13- محمد سعيد العشماوي- الإسلام والسياسة- سينا للنشر - 1987- ص 80 وما بعد.

14- عبد الجواد ياسين مرجع سابق. ص 128.

15- جواد ياسين المرجع نفسه- ص 128.

16- جواد الياسين - السلطة في الإسلام- مرجع سابق. - ص 69

17- قول معاوية وأبي جعفر- عن حسن ابراهيم حسن - تاريخ الإسلام- ج 1-

18- أحمد امين فجر الإسلام- ج دار التاب العربي- بيروت - 1969- ج 3- ص 380 وما بعد.

19- يراجع عن مسألة القضاء والقدر وحرية الإنسان (ونظرية البداء) كتاب - آية الله الشهيد المطهري- الإنسان والقدر- منظمة الإعلام الإسلامي 1303ﻫ.

20- أحمد امين فجر الإسلام - مصدر سابق- ص 267.

21- فجر الإسلام المرجع ذاته- ص 263.

22- نهج البلاغة - بيروت- 1982- راجع من ص 477 حتى 479. آخر الجزء الثاني.

23- أميل توما- الحركات الاجتماعية في الإسلام - الفارابي- بيروت- 1981- ص 101.

*********

d.owaid333d@gmail.com

 

 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

بمناسبة زيارتة الى منطقة القصيم : خادم الحرمين يوجه بإطلاق سراح جميع السجناء المعسرين من المواطنين بالقصيم في قضايا حقوقية و يدشن أكثر من 600 مشروع بق

News image

بمناسبة الزيارة الكريمة التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعو...

واشنطن تدشّن المرحلة الثانية من العقوبات وتهدد بضغوط على إيران «بلا هوادة»

News image

تشكّل الرزمة الثانية من عقوبات مشددة فرضتها واشنطن على طهران، وبدأ تطبيقها أمس، اختباراً للن...

المملكة تؤكد حرصها على المضي قُدماً نحو حماية وتعزيز حقوق الإنسان

News image

أكدت المملكة العربية السعودية حرصها على المضي قُدما نحو تعزيز وحماية حقوق الإنسان، وتحقيق الت...

بريطانيا تفتح في عُمان قاعدة تدريب عسكري

News image

أعلنت بريطانيا أمس أنها ستفتح قاعدة تدريب عسكري مشتركة في سلطنة عُمان في شهر آذا...

الكويت_تغرق للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عامًا

News image

شهدت الكويت أحوالاً جوية سيئة في اليومين الماضيين مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة تحولت إل...

لقاء متوقع بين ترامب وبوتين في باريس 11 نوفمبر

News image

أعلن مستشار البيت الأبيض للأمن القومي جون بولتون، أمس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرغ...

مجلس الوزراء السعودي: ينوّه بتغليب الحكمة بدلاً من الإشاعات

News image

أعرب مجلس الوزراء السعودي، الذي ترأسه أمس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عن ...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

هل في البدء كان الفساد؟

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 6 نوفمبر 2018

    منذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته كإنسان, بعد أن أغوى الشيطان أو الثعبان (لا ...

قراءة في مقالات طه حسين حول ثورة 23 يوليو وانجازاتها

زياد شليوط

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

"قامت الثورة في مصر، ثورة ضد الملك.." لم يكن غريبا أن يهتف عميد الأدب الع...

هرمينوطيقا الحديث من خلال التجربة النبوية

د. زهير الخويلدي

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

"أعطيت جوامع الكلم" حديث شريف يطرح هذا المفهوم المستحدث وفق هذه الصيغة الإشكالية مسألة علا...

علي سبتي الحديثي وأسئلة الحرب الإيرانية العراقية

د. عبدالستار الراوي

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

    على الرغم من انقضاء أكثر من ثلاثة عقود من تاريخ الحرب الايرانية العراقية إلا ...

الفلسفة الوجودية

د. عدنان عويّد

| الخميس, 25 أكتوبر 2018

    مدخل: ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو النتائج السلبية التي انعكست على ...

الزندقة الثقافية في المشهد العربي.. هكذا تسقط الأمم

حسن العاصي

| الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

    مع تطور الفرد يتقدم المجتمع، وحين يتطور البشر في المجتمعات يرتقي الوعي الجمعي، ويصبح ...

قبيلة الجبور الزبيدية في الجزيرة السورية والبلاد الشامية: نسب قبيلة الجبور بين الرواة ،والعارفة ،والدراسات التاريخية العلمية

اسحق قومي

| السبت, 20 أكتوبر 2018

    حين استوى يقيني بأنني بُليتُ بمعاقرة البحث التاريخي في نهاية ستينات القرن العشرين الماضي ...

التفكيك والاختلاف عند جاك دريدا

د. زهير الخويلدي

| الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

يبدي جاك دريدا خطابا غير تقريري حول مسألة الحقيقة بحيث لم يتمكن من حسم أمر...

الخطاب الإسلامي الأشعري في منظور ابن رشد

د. عدنان عويّد

| الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

يكتب المفكر والفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) عن الخطاب الإسلامي لحركة الأشاعرة، قائلاً: (لقد أوقعوا الن...

نستولوجيا اليسار العربي..

حسن العاصي

| الأربعاء, 17 أكتوبر 2018

احتضار الأيديولوجيا وأممية السقوط كيف يكون الإنسان يسارياً؟ ما الذي يعنيه الفكر اليساري تحديداً؟ من ...

الإسلام بين الحداثة والتقليد

د. عدنان عويّد

| الأربعاء, 10 أكتوبر 2018

(1) القرآن جاء منجماً.. نزل على مدة اثنين وعشرين عاماً... فرضت حالة تنجيمه أو تفر...

الغربة في الأوطان.. المواطن العربي اغتراب واضطراب فاحتراب

حسن العاصي

| الاثنين, 8 أكتوبر 2018

    أقدم العلّامة العربي المتصوف أبي حيان التوحيدي على حرق كتبه، بعد أن أصابه العوز ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

هل في البدء كان الفساد؟

د. عدنان عويّد

| الثلاثاء, 6 نوفمبر 2018

    منذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته كإنسان, بعد أن أغوى الشيطان أو الثعبان (لا ...

قراءة في مقالات طه حسين حول ثورة 23 يوليو وانجازاتها

زياد شليوط

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

"قامت الثورة في مصر، ثورة ضد الملك.." لم يكن غريبا أن يهتف عميد الأدب الع...

هرمينوطيقا الحديث من خلال التجربة النبوية

د. زهير الخويلدي

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

"أعطيت جوامع الكلم" حديث شريف يطرح هذا المفهوم المستحدث وفق هذه الصيغة الإشكالية مسألة علا...

علي سبتي الحديثي وأسئلة الحرب الإيرانية العراقية

د. عبدالستار الراوي

| الأحد, 4 نوفمبر 2018

    على الرغم من انقضاء أكثر من ثلاثة عقود من تاريخ الحرب الايرانية العراقية إلا ...

الفلسفة الوجودية

د. عدنان عويّد

| الخميس, 25 أكتوبر 2018

    مدخل: ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو النتائج السلبية التي انعكست على ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم2438
mod_vvisit_counterالبارحة50485
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع105502
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي316540
mod_vvisit_counterهذا الشهر554145
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1644529
mod_vvisit_counterكل الزوار60338119
حاليا يتواجد 4971 زوار  على الموقع