موقع التجديد العربي

للتواصل عبر البريد الإلكتروني: arabrenewal2002@gmail.com 

 
  • default color
  • green color
  • blue color
جيش الإحتلال يقتل فلسطينياً بعد محاولة طعنه جنوداً قرب الخليل ::التجــديد العــربي:: جيش الاحتلال يغلق المسجد الأقصى إثر مواجهات مع فلسطينيين ::التجــديد العــربي:: مصر: استشهاد 3 جنود ومقتل 46 إرهابياً في شمال سيناء ::التجــديد العــربي:: ترجيح توصل «أوبك» وحلفائها إلى اتفاق خفض الإنتاج ::التجــديد العــربي:: مظاهرات الجزائر: احتجاجات واسعة رغم انسحاب عبد العزيز بوتفليقة من سباق الرئاسة ::التجــديد العــربي:: مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية تيم برنرزـ لي يخشى على مستقبل اختراعه ::التجــديد العــربي:: روسيا تنشر صواريخ "أس-400" قرب سان بطرسبورغ ::التجــديد العــربي:: رئيس وزراء الجزائر الجديد يتعهد بالاستجابة لمطالب الجزائريين ::التجــديد العــربي:: سهم بوينغ يهوي الى لاذنى مستوى بعد تحطم ثاني طائرة من الطراز 737 ماكس 8 في فترة 5 أشهر ::التجــديد العــربي:: بريكست: خلاف جديد بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حول اتفاق الخروج ::التجــديد العــربي:: فنانون من فلسطين ومصر والجزائر ولبنان يفوزون بـ "جائزة محمود كحيل 2018" ::التجــديد العــربي:: مركز الملك عبدالله يشارك في تنظيم ندوة دولية عن المخطوطات ::التجــديد العــربي:: فقدان الوزن "يشفي" من مرض مزمن ::التجــديد العــربي:: عراض غير واضحة لارتفاع ضغط الدم ::التجــديد العــربي:: قبيل مواجهة أتلتيكو مدريد المصيرية.. رونالدو يستبعد العودة للريال ::التجــديد العــربي:: دوري أبطال أوروبا.. مواجهة مفتوحة بين بايرن وليفربول ::التجــديد العــربي:: فيلم "جوسكا لا غارد" (حتى الحضانة) للمخرج كزافييه لوغران حول العنف الزوجي الفائز الأكبر في حفلة توزيع جوائز "سيزار" السينمائية الفرنسية للعام 2019 ::التجــديد العــربي:: عائدات السياحة التونسية تقفز 40 في المئة خلال 2018 ::التجــديد العــربي:: خادم الحرمين يغادر إلى مصر في زيارة رسمية و ينيب ولي العهد في إدارة شؤون الدولة ورعاية مصالح الشعب ::التجــديد العــربي:: العلاقات السعودية - الصينية.. 80 عاماً من الشراكة والمصالح الكبرى ::التجــديد العــربي::

تحولات الخطاب الدولي المسيطر

إرسال إلى صديق طباعة PDF

كلمة إلى القارئ الكريم،

قبل أن تقرأ هذا المقال:

تقوم الولايات المتحدة هذه الأيام بتحرك منسق، مع سائر القوى الغربية عموما، لاحتواء (الثورات العربية) أو لإجهاضها، من خلال العدوان المباشر في ليبيا، وتحويل بشائر ثورتها الأخيرة، إلى حرب أهلية- دولية، والعمل على محاصرة ثورة مصر من داخل جوارها الليبي، تمهيدا لتصفيتها تصفية (ناعمة)، إلى جانب محاولة استغلال الظرف السوري لإجراء تغير (دراماتيكي) في المشرق العربي يمتد إلى العراق وإيران ولبنان و(حزب الله)، ومن ثم إلى فلسطين ومصر أيضا- بالإضافة إلى تعطيل دولاب الثورة اليمنية، بعد أن ألجمت الانتفاضة في البحرين وعُمان، مع محاولة المصادرة على الثورة الأردنية- الفلسطينية. وينطلق ذلك كله، من (الخطة المؤجلة) لإعادة هيكلة (الشرق الأوسط الكبير) التي كان جرى وضعها بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وجرى تعطيلها حينئذ بفضل المقاومة العراقية الباسلة، والتحول في توازن القوى الإقيلمي على صعيد (سوريا- لبنان).

هذا التحرك الأمريكي القويّ المنسق، يعود بنا إلى أهمية تفحص الموقع الراهن للولايات المتحدة في هيكلية النظام العالمي، من أجل المساهمة في إضاءة الطريق أمام قوى الثورة العربية الطليعية، لرسم خطاها الاستراتيجية القادمة. وهذا المقال محاولة لإثارة النقاش حول هذه القضية، من زاوية محددة، هي التحولات الجارية في صياغة الخطاب الفكري والسياسي لمشروع الهيمنة الأمريكية العالمي.

********

تحولات الخطاب الدولي المسيطر

أو: الولايات المتحدة حين تصوغ عالمها الخاص

د. محمد عبد الشفيع عيسى

لم نقدره حق قدره حتى الآن، ذلك التغير الجذري الذي حدث في الخطاب الدولي للقوى المسيطرة على النظام الدولي، خلال السنوات العشرة الأخيرة.

لقد قيل بحق إن النظام الدولي قد انتقل اعتباراً من مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، من حقبة "القطبية الثنائية"، التي تميزت بسيطرة مزدوجة للقطبين الأمريكي والسوفييتي، إلى حقبة "القطبية الأحادية" التي صارت تتميز بسيطرة قطب واحد، هو هنا، القطب الأمريكي. ذلك قيل مراراً وتكراراً، ولكن لم نستخلص عبره الكاملة بعد.

ولنحاول الإجابة هنا على سؤالين: أولهما: متى أخذت "الدولة - القطب الواحد"، الولايات المتحدة الأمريكية، تصوغ العالم بطريقتها الخاصة، الطريقة المتلائمة مع ما تراه نخبتها الاجتماعية السياسية السائدة باعتباره "المصلحة القومية" لهذا البلد؟

وثانيهما: كيف نقيس التغير الذي أخذت تحدثه الولايات المتحدة في العالم لكي يصير "عالمها"، وما معالم التغير المشار إليه؟

ولنبدأ بالسؤال الأول: متى؟

لم تبدأ الولايات المتحدة صياغة العالم الجديد - عالمها - فور انهيار الاتحاد السوفيتي، بل لعلها استغرقت عقداً كاملاً، عقد التسعينات، في عملية تحضيرية أو "إعدادية" عميقة، وطويلة الأجل نسبياً، لتلمّس مواقع أقدامها ووضع ما يسميه الباحثون الأمريكيون "خارطة الطريق" للتعامل مع المتغيرات. ولقد كان من أمامها حصاد كبير، يتعين أن تبدأ منه بطبيعة الحال. أول مكونات هذا الحصاد، عالم "أوراسي" ( يورو- آسيوي) مهزوم، مكون من أوربا الشرقية وروسيا، فكان أن بدأت بتركه يتفاعل داخلياً، في الشق الروسي منه بالذات، انطلاقاً من وقائع هزيمته الفاجعة، انهياراً اقتصادياً وسياسياً، وخراباً اجتماعياً، وفوضى ثقافية وقيمية. وأما الشق الآخر للعالم الأوراسي: "أوروبا الشرقية" فقد كان طعاماً سائغاً، وحاضراً. وهكذا بدأت الولايات المتحدة على الفور في عملية "هضم" أوروبا الشرقية، تمهيداً لضمها إلى "الجماعة الأوروبية" الغربية، لتصير هذه أوروبية جامعة بحق، ولكنها أوروبية متصالحة، ولعلها "متواطئة"، مع الولايات المتحدة الأمريكية، عبر السكة الأطلنطية.

وأما المكون الثاني للحصاد، فهو عالم آسيا الشرقية بالمعنى الواسع، المكون من التوابع الأصلية أو القديمة في حقبة القطبية الثنائية، ركائز النفوذ والهيمنة الأمريكية على مدى أربعة عقود ونيف، وفي مقدمتها كوريا الجنوبية وتايوان، وكذا "منصات" مكملة مثل هونج كونج وسنغافورة، وجميعها تكوّن ما يسمى بالجيل الأول للبلاد الآسيوية حديثة التصنيع، بالإضافة إلى مجموعة بلدان لعلها تمثل مشاريع مستجدة لجسور من النفوذ والسيطرة في جيل جديد، هو"الجيل الثاني"، ويتكون من الفيليبين وتايلاند وإندونيسيا، وربما ماليزيا. فكان لا بد من الانطلاق من واقع "النمو المحقق" في شرق آسيا، وتوسيعه وتعميقه، عبر ضم كل من الصين - غريمة سابقة وشريكة حاضرة - والهند، ذات الصداقة القديمة في بعدها التاريخي مع الاتحاد السوفيتي السابق.

وكان المكوّن الثالث هو ذلك الذي "تبقى" بعد جردة النظام الدولي في مرحلته الجديدة، فلا هو من أوروبا - شرقية أو غربية - ولا هو من آسيا الشرقية بجيلها الصناعي الأول والثاني، ولا هو الهند أو الصين - إنه عالم يمثل "فضلة الحصاد" Residual ، ولكنه في نفس الوقت عالم غني بالموارد الطبيعية، وحافل بعوامل التغير إلى الأمام وإلى الخلف أيضاً، يعتمل بشتى الدوافع المتعارضة: بين هوية آخذة بالألباب، قومية ودينية، و"عولمة" قادمة على أجنحة الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو حائر بين هذه وتلك. ولعله أقرب إلى التفتح والتمزق نحو الداخل ونحو الخارج: نحو الداخل بانقسامات محتملة متوالية على قواعد الفرز المجتمعي المتنوعة تاريخياً، ونحو الخارج بنزعة كفاحية متمردة على واقع مأزوم، لا يستحقه هذا العالم الحضاري الكبير. إنه العالم الإسلامي، بالمعنى التاريخي والحضاري، عالم تتشكل ديموجرافيته من السكان المسلمين، أغلبية كانوا أو أقلية بدرجات مختلفة، على امتداد آسيا غرباً وشرقاً وجنوباً، وإفريقيا كذلك شمالاً وغرباً وشرقاً ووسطاً أيضاً؛ ونواته النووية وطن عربي يختزن ذات القوي، يتفتح نحو الداخل باحتمالات للانفراط بعد فقدان قيادته التاريخية في مصر الناصرية قبل عقود، وينفتح نحو الخارج بنزعة كفاحية تتوجه باطنيا نحو عدو ثابت لا يريم، هو إسرائيل، ومَن ورائها من قوى عالمية وإقليمية ومحلية.

وقد حارت أمريكا كيف تتعامل مع هذا العالم الإسلامي، "المتبقي" بعد الفرز، عالم التاريخ القديم والحضارة الوسيطة، وموطن استعمار حديث، ولعله صار يشكل القاعدة "الصلبة - المهتزة" لإفريقيا وآسيا معاً، العالم الإفريقي الآسيوي، ولا ينقصه إلا درع العالم اللاتيني في نصف الكرة الغربي جنوب الولايات المتحدة، ليجسد "عالم القارات الثلاثة" السابق، في صورة جديدة - عالم إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ وقد استقر قرار الولايات المتحدة على أن تعتبره "ملعبها" الرئيسي في عالمها الجديد، أي ساحة ممارسة بناء النفوذ، بعد أن انزاحت ساحة الصراع القطبي السابقة برقعتها المركزية في أوروبا، ورقعتها الطرفية في "الشرق الأقصى" على إثر حروب الصين وكوريا وفيتنام. وصار من الواضح أن العالم الإسلامي - وركنه العربي الركين - يحتويان من العوامل الدافعة والمهيئة، لممارسة النفوذ الأمريكي، الشيء الكثير: موارد طبيعة غنية، وموارد مالية هائلة، وبشر ثائرون أو متمردون. فكان لا بد - أمريكياً - من مواصلة الاستفادة من الموارد، وتطويع "البشر"، ولو اقتضى الأمر خوض الحرب تلو الحرب فيما بعد، في سبيل ذلك الهدف الأثير. وهكذا، و بعد جولة دموية سريعة لتصفية بقايا العالم القطبي القديم في البلقان، عبر تصفية الكيان اليوغوسلافي بالذات، إثْر تصفية تشيكوسلوفاكيا، باعتبارهما علمين على إرث أوروبي اصطنع اصطناعاً لمحاولة :تفكيك" بعض المشكلات المترتبة على الحرب العالمية الأولى في القارة الأوروبية.

تلك كانت أبرز المهام الأمريكية في عقد التسعينيات، عقب الانهيار المدوّي للاتحاد السوفيتي وللعراق أيضاً، في عام واحد هو 1991. كان انهيار الاتحاد السوفيتي هو العامل الذي فتح الطريق الجديد على اتساعه؛ وكان انهيار العراق، إثر اجتياح الكويت، العامل الذي دشّن الطريق الجديد المفتوح، وأَذِن بسقوط الجبهة العالمية الموحدة سابقاً للعالم الثالث وعدم الانحياز وحركة التحرر الوطني، تلك الجبهة التي حارت أمام الحدث، ثم خارت فتوارت، ولم يبق منها شيء. ولقد كان سقوط القوتين المنافستين للغرب وأمريكا طوال مرحلة 1945 - 1990، أي (الكتلة الاشتراكية، وحركة التحرر الوطني في "العالم الثالث") دالاّ على أفول عالم قديم، وانبلاج عالم جديد، هو العالم "الأمريكي" غير منازع.

ولما انتهت المهمات التحضيرية لعالم أمريكا الجديد بنهاية التسعينيات، آذَن التاريخ بولادة حقبة الهيمنة الأمريكية، كهيمنة "شبه إمبراطورية" تحاكي بعض صور الهيمنة لإمبراطوريات سابقة عبر التاريخ في عدد من الخطوط الرئيسية المشتركة، وتنفرد بكل جديد. وتزامنت الولادة الإمبراطورية، مع ولادة قرن جديد، بل وألفية جديدة أيضاً، في عام 2000.

بيد أن سنة 2000 ليست سنة فاصلة فصلاً قاطعاً بين زمنين. فالحقيقة أن الإمبراطورية الأمريكية إنما انبثقت كإمبراطورية غربية، أي لتعبر عن اندماج بمعنى معين، بين الولايات المتحدة "والقارة الأوروبية"، بل وبمعنى أعم: أوروبا (لتشمل الامتداد القاري + بريطانيا شبه الجزيرة، المفصولة بحرياً عن القارة، وموصولة بنفق المانش).

فقد انبثق المشروع الإمبراطوري يوم أعلن قيام الاتحاد الأوروبي، تطويراً للجماعة الأوروبية، بعد أن استكملت بناءها عبر خطوات متسارعة شملت تبني العملة الموحدة (اليورو) وضم الدول العشرة لأوروبا الشرقية، وإقامة هياكل اتحادية للسياسة الخارجية والدفاعية. ولم يتم ذلك كله إلا مع مطلع القرن الجديد (سنة 2000 وما بعدها). وبذا، أصبح الاتحاد الأوروبي (أوروبياً كاملاً)، في نفس اللحظة التي أصبح فيها الاتحاد - المشتمل على أوروبا الشرقية - قابلاً تماماً بالعلاقة "عبر الأطلسية"، بل ومانحاً إياها نوعاً من الأسبقية على المشروع الاتحادي الأوروبي الخالص، وذلك هو المغزى الحقيقي لضم بلدان أوروبا الشرقية العشرة إلى (اتحاد أوروبا الغربية)، وتم ضم جزيرتين متوسطيتين (محسوبتين على أوروبا) ونقصد: قبرص (اليونانية)، ومالطة، ليصير تعداد الأعضاء سبعاً وعشرين.

ولقد تم التأكيد على الحقيقة السابقة لاندماج المشروع الأوروبي وما يمكن أن يسمى "المشروع الأمريكي" ِAmerican Enterprise، عبر حدثين بارزين:

أولهما: عودة فرنسا رسمياً إلى الجناح العسكري لحلف الأطلنطي، وبالتالي إنهاء الاستقلالية الديجولية عن الحلف عسكرياً ونووياً.

ثانيهما: انضمام بريطانيا إلى أمريكا في عملية غزو العراق عام 2003، برغم عدم صدور قرار من مجلس الأمن يبرر الغزو والاحتلال. وذاك حدث مركزي يشير إلى دخول أوروبا - بالمعنى الواسع - شريكاً كاملاً في المشروع الأوسع للإمبراطورية أو "شبه الإمبراطورية" الأمريكية. وفيما بعد شكّل دخول حلف الأطلنطي شريكاً كاملاً للقوات الأمريكية في عملية احتلال أفغانستان ومواجهة "التمرد"، حدثاً رمزياً مهما، في سياق "الشراكة الإمبراطورية" بين الطرفين المميزين.

بذلك حاولنا الإجابة على السؤال الأول: متى..؟

ويبقى أن نجيب عن سؤالنا الثاني - المزدوج: كيف، وماذا..؟ أي: كيف نقيس التغير الذي أخذ في الحدوث منذ سنة 2000 تقريباً، وما معالمه الكبرى؟

أما عن كيف نقيس، فإن هذا مرهون بالمقارنة، أي المقارنة بين ما أخذت تطرحه القوة الجديدة، أمريكية المضمون، غربية الشكل، إذا صح هذا التعبير، وبين ما كان مطروحاً في ذروة النظام السابق على تبلور المشروع الإمبراطوري الأمريكي - الغربي، وخاصة عند تلك النقطة التي تتوسط عقد السبعينيات على وجه التحديد، ثم ما تلاها بدرجات متفاوتة حتى منتصف التسعينيات، وربما إلى حد ما، وفي جوانب جزئية معينة حتى أواخر التسعينيات.

فعند منتصف السبعينيات، نضجت المعالم الكبرى لمشروع معين، كمحصلة لتلاقي إرادات متعددة لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي إرادات ثلاثة ممثلة لما عرف بالكتلة الشرقية أو الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي، وللمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، ولمجموعة دول آسيا وأفريقيا ومعهما أمريكا اللاتينية، تلك المجموعة الممثلة سياسياً في حركة عدم الانحياز، واقتصادياً في (العالم الثالث) أو (الدول النامية).

ولنحاول المقارنة بين المشروع الذي يمكن أن نسميه - مؤقتاً - بالمشروع "الثلاثي"، المعبر عن ثلاثة قوى عالمية، وبين المشروع الذي يمكن أن نسميه أيضاً بالمشروع "الأحادي" أو "الإمبراطوري"، الذي صار معبراً عن قوة دولية واحدة هي الغرب بقيادة أمريكا، لتتضح لنا، من خلال المقارنة، المعالم الأساسية للمشروع الإمبراطوري الأخير.

أولاً: من "التنمية البديلة" إلى "العولمة"

خلال السبعينات وما بعدها حتى مطلع التسعينات، ساد الحديث - من بين أمور أخرى- عن طرق بديلة للتنمية في بلدان (العالم الثالث)، ابتداءً من محاولة محاكاة نماذج التنمية لشرق آسيا، انطلاقاً من مقولة "الدولة التنموية" Developmental State إلى التفتيش عن "تنمية أخرى" Another Development، وازدهرت محافل فكرية ذات طابع مستقل مثل (مؤسسة همر شولد) و(منتدى العالم الثالث) و(منتدى البدائل) و (اللجنة الدولية المستقلة للتنمية) وغيرها كثير.

ومقابل ذلك أخذت تزدهر منذ أوائل التسعينيات مناهج ومقتربات مختلفة، تنطلق من مفهوم جديد أخذ في الانتشار مثل النار في الهشيم، هو مفهوم (العولمة)، ولم تتوجه العولمة، كخطاب فكري وسياسي وتنموي، إلى دول المشروع الإمبراطوري نفسها أي أوروبا وأمريكا، وإنما كان خط سيرها متجهاً من الدائرة الإمبراطورية المركزية إلى الدوائر الطرفية، مع تركيز خاص على إفريقيا وآسيا (غير الشرق الأقصى) والعالم اللاتيني.

وفي الإطار العملي للعولمة، تم تأسيس (منظمة التجارة العالمية) لتمثل إطاراً عاماً لفتح التجارة الخارجية لدول (العالم الثالث السابق) أمام الدول الصناعية الأكثر تقدماً (في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية)، جنباً إلى جنب الركنين الآخرين في الثلاثي المنظومي للاقتصاد العالمي - العولمي، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، عبر أسواق المال الدولية الممركزة في عواصم الدول الغنية، وخاصة في مركز "الإمبراطورية".

أما في الإطار الفكري، فقد تبنى كل من البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بصفة أساسية، إصدار سلاسل تقارير ذات طابع "فكري - سياساتي" Policy- Oriented، تركز على مقولات متعددة من قبيل "التنمية البشرية" و"الحد من الفقر"، ضمن السياق الواسع لتقبل العولمة، العولمة الغربية - الرأسمالية، بتعبير دقيق.

وهكذا أصبح من الواضح، أن التنمية (الوحيدة) المقبولة "إمبراطورياً"، خارج إطار تجارب التنمية المحققة بالفعل في بعض دول شرق آسيا، هي تلك التنمية (المعاقة) بفعل الاختراق الإمبراطوري، انطلاقاً من البعد (البشري) تارة، أو من "بُعد الفقر" تارة أخرى، أو عبر نشر (دعاية) الديمقراطية وحقوق الإنسان تارة ثالثة.

أما "التنمية البديلة" أو "التنمية الأخرى" خارج سياق العولمة الغربية الرأسمالية، أيا كانت مضامينها المتنوعة، ومنابعها الفكرية، وأيا كانت شعاراتها العامة التي تستظل بها (كالتنمية المستقلة أو "الاستقلالية")، فقد أقصيت إلى الخلف أو استبعدت كلياً، لتعتبر من قبيل "التغريد خارج السرب" كما يقولون، وبالتالي، لم تعد تستبطن جدول الأعمال الأساسي للمجتمع الدولي، أو لقسم فاعل فيه، كما كان الحال قبلاً.

ونواصل استعراض التغير في بنود "الأجندة" العالمية، في ظل التطبيق المعمم لاستراتيجية الهيمنة الأمريكية - الغربية، الرأسمالية على كل حال.

ثانياً: من "الأرض" إلى "المناخ"

بين مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية (قمة الأرض) في ريو دي جانيرو سنة 1992 و "قمة المناخ" في كوبنهاجن عام 2009، حدث تغير كبير في أولويات جدول الأعمال العالمي. ففي القمة الأولى كان الموضوع الحاضر هو الأرض Earth بكل مكوناتها الجيولوجية ومحيطها الحيوي وفضائها الخارجي، بما يشمله ذلك من موضوع التغير المناخي أو ارتفاع درجة حرارة الكوكب.

وقد انبثق الحوار الخلاق حول التغير المناخي، من قمة الأرض، وعقد اتفاق المناخ وبروتوكول كيوتو، وأعلنت الولايات المتحدة في عهد إدارة بوش عدم التزامها بتعهدات كيوتو، وعادت في قمة كوبنهاجن الأخيرة، تحت ضغط دولي كثيف، للقبول بحل وسط دون الحدود المقبولة، وما تزال مترددة في أمر الخفض الفعلي لانبعاثات الغاز ضمن هوامش مأمونة عالمياً. بيد أن فارقاً بعيداً قد حدث في مكونات جدول الأعمال العالمي في هذا الشأن، بُعْد الفارق بين الأرض والمناخ.

ففي ظل الاهتمام بالأرض يصبح موضوع البيئة هو محل التركيز، بمعناها الطبيعي - الاجتماعي الواسع، وفق المفاهيم الأيكولوجية الحديثة؛ ومن بين القضايا التي كانت وراء عقد قمة الأرض، و لم تزل تطل برأسها الحاد فوق الأشهاد، ما يأتي:

1- خطر استنفاد الموارد الطبيعية، ومصادر الطاقة، في أجل قريب، تتفاوت تقديراته، وفق معايير الحساب.

2- النقص في الموارد المائية، وخاصة في أفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا، و من ثم: اتساع ظاهرة (الجفاف).

3- انحسار الغطاء النباتي والغابي، واتساع ظاهرة التصحر، ابتداء من سهوب آسيا إلى غابات إفريقيا وأمريكا اللاتينية وخاصة في حوض الأمازون.

4- انقراض الأنواع النباتية والحيوانية بمعدلات متسارعة، فيما يعتبر تآكلاً واسع النطاق للتنوع الحيوي.

5- وأيضاً: التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الكوكب الأرضي، وما يصاحبه ذلك من ذوبان الكتل الجليدية في المحيط المتجمد الشمالي، والفياضانات من جراء السيول، وارتفاع مستوى المياه في البحار والمحيطات، وتآكل الشطآن، ولا نقول: اتساع ما يسمى "ثقب الأوزون" وزيادته تعرض بنى البشر للأشعة "فوق البنفسجية".

ولقد سيطر موضوع التغير المناخي - مع الإقرار بأهميته القصوى - على جدول الأعمال العالمي، في ظل سيطرة المشروع الأمريكي - الغربي خلال العقد الأخير، وتوارى الاهتمام بالمكونات الأخرى لمهددات الطبيعة الأرضية ومحيطها الحيوي، برغم النذر بالغة الوضوح في السنوات الأخيرة من قبيل ارتفاع معدلات حدوث الزلازل البحرية (التسونامي) والزلازل الأرضية، والأعاصير والبراكين.

وما تزال القضايا الكبرى التي يثيرها هم "الأرض" قائمة ويشتد طابع الإلحاح بشأنها، وخاصة من حيث:

1- حماية البيئة الطبيعية الحيوية بكل مكوناتها، بما في ذلك الأنواع النباتية والحيوانية.

2- الاستدامة البيئية عبر الزمن، ومواجهة خطر استنفاد الموارد.

3- توفير الماء والغذاء لإعاشة سكان الكوكب الأرضي المتزايدين عددا، والمتزايدة احتياجاتهم نوعا.

4- توفير سبل الوقاية من التغيرات الزلزالية في البر والبحر.

5- وأيضاً: توفير السبل الفعالة للتعامل مع التغيرات المناخية، وخاصة في الشطر الجنوبي من الكوكب، وبصفة أخص في البلدان الفقيرة، والشرائح الاجتماعية الأشد فقرا بالذات.

وهذه كلها قضايا لا تنفع في معالجتها طرق "التسكين" المؤقتة للآلام المبرحة الناجمة عنها، أي لا تنفع طريقة "إدارة الأزمة" على نحو ما هو متبع في مجال التغير المناخي، حيث أمكن، نسبياً، إيجاد حلول وسطى للحد من معدل الانبعاث الكربوني، دون المسّ بنموذج النمو الاقتصادي الرأسمالي - الغربي - الأمريكي.

أما المعالجة الجذرية لقضايا (الأرض) وخاصة القضايا الأربعة الأولى المذكورة ضمن المجموعة السابق ذكرها مباشرة، فهي غير ممكنة سوى بإحداث تغير جذري في النموذج الاقتصادي - الاجتماعي المتّبع نفسه، النموذج السائد داخل المركز الإمبراطوري، والجاري فرضه على سائر العالم، من خلال (العولمة).

ثالثاً: من "الطاقات الجديدة والمتجددة" إلى "الوقود الحيوي"

عقب أزمة "إمدادات الطاقة الرخيصة" التي تعرضت لها الدول المستوردة للطاقة في منتصف السبعينيات، إثر التصحيح الجزئي لأسعار النفط، المصاحب لحرب أكتوبر 1973، ارتفعت نبرة الحديث عن ضرورة تطوير مصادر طاقة بديلة للطاقة الأحفورية القابلة للنضوب، وسميت بمصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.

وبصرف النظر عن الطاقة النووية، فإن المصادر المتجددة تضمنت بصفة خاصة كلا من الشمس والرياح. ومن المصادر الجديدة نسبياً: زيت "القار" أو "الرمال السوداء".. ومن المصادر (القديمة) الجاري تطويرها: توليد الكهرباء من مساقط المياه، بل وتوليد الطاقة من ذلك المصدر القديم (الملوث للبيئة على نطاق واسع) أي الفحم.

ويتمتع نصف الكرة الجنوبي (في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) بإمكانات كبيرة لتوليد الطاقة من الاستخدام الموسّع لأشعة الشمس والرياح، ولكن استخدامها "التجاري" مرهون بخفض النفقات، وهو أمر متوقف بدوره على تطوير تقنيات الإنتاج والاستهلاك، مما يقتضي إنفاقاً عظيماً على "البحث والتطوير" R&D، وقاعدة جدّ متطورة للعنصر البشري المتخصص من الفئات العلمية والهندسية والتقنية.

بيد أن دول "الجنوب" تعاني من تخلف قدرات البحث والتطوير، وشح الموارد المالية، ونقص، وكذا سوء تخصيص، أفراد القوة العلمية والهندسية والتقنية. ولذا فإن هذه الدول غير قادرة على بناء قدرات علمية وتكنولوجية ذاتية كفيلة بتلبية احتياجاتها الطاقوية من المصادر المتوفرة لديها، وقل مثل ذلك عن أمور متصلة مثل تطوير تكنولوجيات تحلية مياه البحر للاستخدامات الاستهلاكية، والإنتاجية زراعياً وصناعياً، أو تكنولوجيات استخدام المياه المالحة في الزراعة.

ولذلك كله، أثيرت بدرجة عالية، خلال السبعينيات والثمانينيات، قضية بناء القدرات العلمية - التكنولوجية الذاتية أو الأصيلة كأحد مكونات استراتيجية التنمية البديلة، وخاصة التنمية المعتمدة أساساً على الذات، على المستويين القطري والجماعي. ولذا، فإنه في ظل المرحلة السابقة على انبثاق وتبلور المشروع الإمبراطوري، كان المنطق يقضي، وربما يتجه، إلى تطوير تكنولوجيات كفيلة بتلبية حاجات العالم جميعاً من مصادر الطاقة الآمنة، سواء منها ذات الطبيعة الأحفورية أو غير الأحفورية.

ولكن المشروع الإمبراطوري قلب الأمور رأساً على عقب في مجال الطاقة. فعوضاً عن التطوير الممكن علمياً وتقنياً، لطاقة الشمس والرياح، لتلبية الحاجات العالمية المستقبلية، وهو أمر بات غير ممكن عملياً على نطاق واسع، في ظل هيمنة المركز الغربي - الأمريكي، بأنانيته المفرطة، على الصعيدين الجغرافي والاجتماعي؛ عوضاً عن كل ذلك، فتشت (الإمبراطورية) عن مصدر يلائمها، ووجدته في مصدر متجدد فعلاً، ولكنه مدمّر على نطاق واسع. وقد كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008 - 2009، بأبعادها المثلثة: المالية والغذائية والنفطية، عن ماهية هذا المصدر، من خلال التوسع فيما يسمى بالوقود الحيوي. ولم يكن توليد الطاقة من الوسائل المستخلصة من القمح والذرة وقصب السكر، أمراً جديداً على كل حال، فقد تردد الحديث عنه في إطار الحديث العام عن مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، التي أشرنا إليها، ولكنه ظل رهناً بمختبرات البحث وأعمال التجريب قبل الصناعي، حتى تم "الكشف عن المستور" في إطار الأزمة الأخيرة، وتبين تخصيص مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والقابلة للزراعة في الولايات المتحدة الأمريكية لإنتاج القمح والذرة، من أجل تخصيصها لأغراض إنتاج "الوقود الحيوي". وبفعل مضاعفات أزمة الغذاء، وتزايد أعداد "الجوعى" في العالم الفقير، أصبح الحديث مبرراً عن المفاضلة بين إنتاج السلع الزراعية للغذاء وإنتاجها لاستخراج الوقود.

ومرة أخرى، إن مصلحة المركز الإمبراطوري - الأمريكي، وما تعبر عنه من مصالح أساسية للشركات الكبرى عابرة الجنسيات، وخاصة في صناعة السيارات، لم تكن تقضي بتطوير صناعة السيارات الكهربائية، أو السيارات "الهجينة" العاملة على الكهرباء والبنزين، وإنما كانت تميل بدرجة أعلى إلى التوسع في استخدام تكنولوجيات الوقود الحيوي.

وهكذا كان، وأخذت الطاقة المولدة من الوقود الحيوي تحل محل إنتاج الغذاء لملايين البشر الجائعين والمحرومين، ما دام ذلك متفقاً مع المصالح الكبرى لقوى الإمبراطورية.

ومرة أخرى، وإن لم تكن أخيرة، تحددت بنود جدول الأعمال العالمي في مجال الطاقة، بما يتوافق مع أولويات مراكز العمل والتفكير الكبرى للمشروع الإمبراطوري، مما اقتضى إحداث تعديل جوهري في تراتبية البنود المذكورة، الآن وفي المستقبل.

وكان الأمر واضحاً أيضاً، في مصدر خاص للطاقة، يستحق حديثاً خاصاً، وهو الطاقة النووية، واستخداماتها المدنية والعسكرية.

رابعاً: من نزع التسلح النووي إلى "منع الانتشار الأبدي"

لعل من المناسب هنا أن نعيد التذكير بظاهرة سباق التسلح الذي اشتعل بين القطبين بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أواسط الثمانينيات، وهو الذي عجل بانهيار القطب السوفيتي، على إثر الإنفاق الحربي الهائل للقطب الأمريكي، وصولاً إلى "مبادرة الدفاع الاستراتيجي" أو ما سمى إعلامياً بحرب النجوم..! في ذلك الوقت، وطوال أربعة عقود، وكان الحديث عن سباق التسلح، يرافقه الحديث عن "نزع التسلح"، وكان حديث استراتيجية الردع النووي، يصحبه حديث متواتر عن خفض الترسانات النووية، تمهيداً لنزع السلاح النووي كليا،ً في مستقبل قريب أو بعيد.

في هذا الإطار بالذات، كانت عقدت عام 1968 "اتفاقية عدم الانتشار النووي"، والتي اعتبرت الحد من انتشار الاستخدام العسكري للطاقة النووية مرتبطاً بأمرين متلازمين:

1- كفالة الاستخدام السلمي للطاقة النووية، باعتباره حقاً مصوناً للدول غير النووية، ومساعدة هذه الدول على تطوير استخداماتها المدنية - السلمية للمصدر النووي للطاقة، عن طريق تكنولوجيا التفتيت الذري، وتكنولوجيا الاندماج النووي - الهيدروجيني.

2- اعتبار الحد من انتشار التكنولوجيا النووية العسكرية خطوة ممهدة للتخلي عن السلاح النووي كلية، وهو أمر منصوص عليه بالدقة في ديباجة الاتفاقية المذكورة.

ولكن مع بدء تبلور المشروع الإمبراطوري في منتصف التسعينيات حدث أمر مهم؛ فقد ضغطت الولايات المتحدة وسائر الدول النووية الغربية، على عموم العالم (غير النووي) لتحويل دفة أعمال مؤتمر المراجعة الدوري لاتفاقية "عدم الانتشار النووي"، في عام 1995، نحو القبول بالتمديد الأبدي للاتفاقية، بدلاً من النص القديم لإعادة النظر دورياً في الاتفاقية. وبالفعل، وافق المؤتمر العام الدوري للمراجعة، للدول المصدقة على اتفاقية "منع الانتشار"، على تمديد الاتفاقية بدون حد زمني. وكان هذا مكسباً كبيراً للدولة النووية العظمى - الوحيدة. وبدلا من أن يستخدم (التمديد) من جانب الدول غير النووية لانتزاع مكاسب إضافية في مقابل ذلك، على نحو يسمح بتسهيل الحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، وتطبيق نص الديباجة المتعلق بنزع السلاح النووي، إذا بالمركز الإمبراطوري ينتقل من مكسب إلى مكسب جديد. وعلى قاعدة من الاطمئنان إلى التمديد، أخذ "المركز" يتوسع في تعريف "منع الانتشار" للحؤول دون مجرد حصول الأخصام السياسيين (أو "الأعداد الجدد" في "محور الشر") على التكنولوجيا النووية المتطورة، مقيسة بالتقدم على سلّم تخصيب اليورانيوم، بما يمكن أن يصل إلى مستوى التخصيب اللازم للاقتراب من العتبة النووية للقتبلة الصغرى أو الصغيرة. وكان الأمر بالغ الوضوح بالنسبة لاستراتيجة الهيمنة في منطقتين: شرق آسيا، وما يسمى بالشرق الأوسط.

في شرق آسيا، ركزت الاستراتيجية الأمريكية على حرمان كوريا الشمالية من قدراتها النووية الآخذة في التطور، مقابل تزويدها بمفاعلات نووية (نظيفة) للطاقة، وبإمدادات للغذاء لتجنب المجاعات القائمة أو المحتملة- كل ذلك، في مواجهة مساعي تطوير قدرات الطاقة النووية في كوريا الجنوبية - الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، حيث قواعد عسكرية أمريكية تضم نحو 30 ألف جندي أمريكي، مقامة منذ نهاية الحرب الكورية في مطلع الخمسينيات.

أما في الشرق الأوسط، فقد تم القبول الضمني، غير المعترف به صراحة، لإسرائيل كدولة نووية، لتنضاف إلى جانب كل من الباكستان والهند، كأعضاء غير رسميين للنادي النووي العالمي، إلى جانب القوى الخمسة الكبرى. ومقابل ذلك، قضت استراتيجة الهيمنة بحرمان الدول العربية ودول الجوار الإسلامي من القدرة المتطورة للطاقة النووية، ولو لاستخداماتها المدنية "السلمية"، وخاصة في حال توفر القدرة على الاقتراب من (العتبة النووية) بما يمكن أن يهدد في المستقبل الاحتكار الصهيوني للسلاح النووي. وهذا هو (قدس الأقداس) في المعركة الأمريكية - الغربية الجارية حالياً لحرمان إيران من قدرتها النووية المتطورة، رغم ما يمكن أن نسوقه من تحفظات على السياسات الإيرانية تجاه العراق ومحيطه العربي الواسع. وبذلك حدث تغير جوهري في بنود جدول الأعمال العالمي للطاقة النووية، في ظل نضوج "المشروع الإمبراطوري"؛ فقد أزيح إلى الخلف تماماً، الحديث الجاد عن نزع السلاح النووي، وتم التركيز، كما ذكرنا، على "منع الانتشار"، ثم تم تفسير "منع الانتشار" بطريقة "انتقائية" لحرمان (محور الشر) المعادي للإمبراطورية من إمكانية تطوير التكنولوجيا النووية من خلال قدراته الذاتية أو الأصيلة.

تلك إذن هي التغيرات الأربعة الكبرى في تركيب جدول الأعمال العالمي عقب انبثاق المشروع الإمبراطوري، ثم نضوجه وتبلوره الراهن: من "التنمية البديلة" إلى "العولمة"، ومن الاهتمام بقضايا الأرض إلى التغير المناخي، ومن مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وخاصة الشمس والرياح، إلى الوقود الحيوي المولد من القمح والذرة. وأخيراً: من السعي إلى نزع السلاح النووي، إلى منع انتشار التكنولوجيا النووية إلى "خصوم" الإمبراطورية. وتفصح جميعها عن الدور المهيمن للولايات المتحدة على صعيد صياغة الخطاب السائد للقوى المهيمنة للنظام العالمي.

وما تزال أبعاد أخرى مستحقة للبحث العميق، وخاصة حول الدور العملي للولايات المتحدة في التلاعب بمكونات البيئة الدولية والبيئات الإقليمية الفرعية في مناطق العالم المختلفة عموما، وفي المنطقة العربية- الإسلامية المركزية خصوصا، والمنطقة العربية خصوصا، لتعميق مشروع الهيمنة الإمبراطوري لأمريكا وشريكتها "الإمبريالية الصغرى- إسرائيل". ونأمل أن ينفتح المجال لبحوث متخصصة حول هذه القضايا وغيرها، من وجهة النظر الثورية- الطليعية العربية.


 

صحافة وإعلام

مواقــــع

أخبار منوعة

مظاهرات الجزائر: احتجاجات واسعة رغم انسحاب عبد العزيز بوتفليقة من سباق الرئاسة

News image

تظاهر آلاف المحتجين في شوارع الجزائر مطالبين باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحال.وكان بوت...

مخترع الشبكة العنكبوتية العالمية تيم برنرزـ لي يخشى على مستقبل اختراعه

News image

طالب سير تيم برنرزـ لي، مخترع الإنترنت، باتخاذ إجراء دولي يحول دون "انزلاقها (شبكة الإ...

روسيا تنشر صواريخ "أس-400" قرب سان بطرسبورغ

News image

أعلنت روسيا اليوم الثلثاء أنها نشرت منظومتها الجديدة للدفاع الجوي المضادة للصواريخ "أس-400" في منط...

رئيس وزراء الجزائر الجديد يتعهد بالاستجابة لمطالب الجزائريين

News image

أكد رئيس الوزراء الجزائري الجديد نورالدين بدوي، أن "الوقت والثقة ضروريان لتجسيد كل الطموحات الت...

بريكست: خلاف جديد بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي حول اتفاق الخروج

News image

رفضت بريطانيا عرضا أوروبيا جديدا للخروج من الاتحاد الأوروبي، ووصفته بانه إعادة فرض أطروحات قدي...

العلاقات السعودية - الصينية.. 80 عاماً من الشراكة والمصالح الكبرى

News image

تشهد العلاقات السعودية الصينية تطوراً متواصلاً تمتد جذورها لقرابة "80" عاماً، وذلك يعود لحنكة الق...

الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية : نأمل أن تشكل القمة العربية الأوربية انطلاقة لمواجهة التحديات

News image

أعرب الأمين العام المساعد للشؤون السياسية الدولية بجامعة الدول العربية السفير خالد الهباس، عن تطل...

مجموعة التجديد

Facebook Image

المزيد في دراسات

فكر “الارهاب المقدس” يجتاح المجتمع الصهيوني – فتاوى الحاخامات: “اقتلوا الفلسطينيين .. العماليق” ف “لا توجد أي مشكلة أخلاقية في سحق الأشرار”

نواف الزرو

| الأحد, 17 مارس 2019

    عبثا او مبالغة او للاستهلاك العام ان نقول ان فكر الارهاب المقدس يجتاح ...

"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  (التحريض السياسي والديني ودوره في تأجيج العنف والتكفير) ظاهرة العنف السياسي والتكفير الديني ايديولوجيا ...

طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

حسن العاصي

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة ...

إدوارد سعيد: قوّةُ الثقافة تواجه ثقافةَ القوّة*

سماح إدريس

| الأربعاء, 6 مارس 2019

  محاضرة لرئيس تحرير الآداب، ألقيتْ في جامعة الأقصى في غزّة في 19/2/2019. لمشاهدة التسجيل ...

المدرسة الواقعية

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 4 مارس 2019

في المفهوم تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو ...

مآلات الثقافة والمثقّفين

د. عزالدين عناية

| الخميس, 28 فبراير 2019

نحو سوسيولوجيا للخطاب النقدي يواجه مستقبل العمل الثقافي في الزمن المعاصر ضبابية، بفعل تحولات هائ...

الحركة القومية العربية والتجدّد الحضاري

د. ساسين عساف

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  أسباب الفشل وسبل النجاح أين تكمن نقاط الضعف في الحركة القومية العربية الدالة على ...

4 فبراير 1942.. التابوهات والحقيقة

علاء الدين حمدي شوالي

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  - ديسمبر 1941.. الفوضى تجتاح الشارع المصري.. الجوعى يهاجمون المخابز.. روميل يتقدم الى العلمين.. ...

قراءة في كتاب (ظاهرة التطرف الديني)

د. عدنان عويّد

| الجمعة, 22 فبراير 2019

  دراسة منهجية لأبرز مظاهر الغلو والتكفير والتطرف والإرهاب الكاتب والباحث والمفكر الإسلامي المعاصر، الدكتور ...

الوسيط في الخطاب الديني بين العقيدة والسلطة

د. عدنان عويّد

| السبت, 9 فبراير 2019

  منذ أن بدأ الوعي الديني يفرض نفسه على حياة الإنسان البدائي، راح هذا الوعي ...

تدجين الشعوب.. فلسفة التطويع والإخضاع

حسن العاصي

| السبت, 9 فبراير 2019

تمكنت الأنظمة العربية عبر العقود التي أمضتها جاثمة فوق تطلعات الشعوب العربية، من ترويض هذه...

قراءة سياسية في المشهد الاقتصادي اللبناني (1)

د. زياد حافظ

| السبت, 9 فبراير 2019

  معالم برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي جديد   الكلام عن ضرورة إصلاح اقتصادي في لبنان ليس ...

المزيد في: دراسات

-
+
10

قالت الصحف

Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com

دراسـات

فكر “الارهاب المقدس” يجتاح المجتمع الصهيوني – فتاوى الحاخامات: “اقتلوا الفلسطينيين .. العماليق” ف “لا توجد أي مشكلة أخلاقية في سحق الأشرار”

نواف الزرو

| الأحد, 17 مارس 2019

    عبثا او مبالغة او للاستهلاك العام ان نقول ان فكر الارهاب المقدس يجتاح ...

"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

د. ساسين عساف

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  (التحريض السياسي والديني ودوره في تأجيج العنف والتكفير) ظاهرة العنف السياسي والتكفير الديني ايديولوجيا ...

طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

حسن العاصي

| الأربعاء, 13 مارس 2019

  كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة ...

إدوارد سعيد: قوّةُ الثقافة تواجه ثقافةَ القوّة*

سماح إدريس

| الأربعاء, 6 مارس 2019

  محاضرة لرئيس تحرير الآداب، ألقيتْ في جامعة الأقصى في غزّة في 19/2/2019. لمشاهدة التسجيل ...

المدرسة الواقعية

د. عدنان عويّد

| الاثنين, 4 مارس 2019

في المفهوم تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو ...

المزيد في: دراسات

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterاليوم8001
mod_vvisit_counterالبارحة30708
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع67533
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي253214
mod_vvisit_counterهذا الشهر647823
mod_vvisit_counterالشهر الماضي1275628
mod_vvisit_counterكل الزوار66077904
حاليا يتواجد 2532 زوار  على الموقع